الرئيسية » مقالات » زكية خليفة المناضلة المقدامة والشخصية الدافئة

زكية خليفة المناضلة المقدامة والشخصية الدافئة

كانت كبقية المناضلات والمناضلين تحلم بغدٍ أفضل لشعب العراق, بحياة أكثر حرية وسعادة وأكثر دفئاً ووفاء وعدلاً للفلاحين الذين ولدت في صفوفهم وفي قرية صغيرة من قرى لواء العمارة, وللعمال المنتجين للخيرات المادية وللفقراء والمعوزين, وكانوا ولا زالوا يشكلون الغالبية العظمى من الشعب العراقي. وكانت زكية خليفة نموذجاً حياً للنساء المناضلات من أجل حرية المرأة وتمتعها بحقوقها المغتصبة ومساواتها بالرجل ووجدت ضالتها في رابطة المرأة العراقية التي أصبحت واحدة من مؤسساتها ومن أنشط النساء في الرابطة وشديدة الصلة بالدكتورة نزيهة الدليمي وروز خدوري وبقية المناضلات حينذاك. وكانت تمتلك من الحيوية والشجاعة والاستعداد للتضحية ما جعلها واحدة من خيرة المناضلات الشيوعيات في حزبها الشيوعي العراقي اللواتي تحملن الكثير من عذابات السجون ومحن الحياة اليومية والمصاعب والمصائب التي كانت تطارد أعضاء وأصدقاء الحزب المناضلين من أجل “وطن حر وشعب سعيد”.
دخلت السجن وهي شابة. حين اعتقلت وهي في محطة القطار ببغداد تحمل أدبيات الحزب وبريده من قبل أجهزة التحقيقات الجنائية, صرخت بصوت مرتفع ليسمع الجميع : أخبروا الحزب الشيوعي العراقي بأن زكية خليفة قد اعتقلت”. لقد كانت تريد أن يصل خبر اعقالها عبر أحد الطيبين إلى الحزب لتجنيب رفاق الحزب الوقوع بحبائل العدو. حُكم عليها من قبل محاكم العهد الملكي القرقوشية بالحبس عشر سنوات, قضت الكثير من فترة محكوميتها في السجن قبل إطلاق سراحها في أعقاب انتصار ثورة تموز 1958. ليتصور الإنسان ظلم المحاكم حينذاك: امرأة تحمل بطاقة العضوية في الحزب الشيوعي العراقي وتحمل أدبيات الحزب, ويحكم عليها بالسجن عشر سنوات, أي عدالة وأي قضاء مستقل وعادل في العهد الملكي يتحدث عنه البعض, وخاصة القضاء الذي كان مسؤولاً عن المحاكمات السياسية والذي كان خاضعاً بشكل تام تقريباً للتحقيقات الجنائية وليس عملياً لوزارة العدل.
كانت زكية خليفة الزيدي تردد دوماً قول لينين: ” أعطني خبزاً ومسرحاً ، اعطيك شعباً مثقفاً”. وبقدر ما أحبت الحزب الشيوعي العراقي, عشقت أيضاً المسرح الشعبي وتقديم المسرحيات للفلاحين الكادحين لتساهم برفع وعي هذه الفئة الكبيرة من بنات وأبناء الشعب العراقي التي تعرضت لأبشع أشكال الاستغلال في كافة العهود ولا تزال تعاني من ذلك ايضاً.
كانت تتميز بالفطنة والمبادرة وسرعة البديهة, وكانت يقظة مفتوحة البصر والبصيرة في عملها السياسي والحزبي. حين كُلفتُ بزيارة بعض التنظيمات الحزبية للأشراف على عملها في العام 1977 و1978, تسنى لي أن أزور تنظيم “العمالية الصغيرة” و”الكرادة الشرقية”, وفيما بعد البصرة. وجدت ما يدير الرأس في واحدة وما ينعش النفس في الثانية. لقد تبين لي بأن عدداً من أعضاء اللجنة العمالية كان قد تسرب إليها وهم من عملاء البعث أو تحولوا إلى عملاء, وكان المسؤول عن التنظيم ضعيفاً وغير يقظ, إذ استطاعت أجهزة الأمن البعثية لا أن تسرب لهذا التنظيم العديد من العملاء حسب, بل وأن تستخدم هذه المنظمة لترحيلات أخرى عبرها إلى منظمات حزبية أخرى. وحين زرت منظمة الكرادة الشرقية حيث كانت زكية خليفة مسؤولة عنها, وجدت بأن المنظمة قوية ومتماسكة وواسعة ونظيفة عموماً, إذ عجزت أجهزة الأمن عن الحصول على موقع لها في اللجنة القائدة أو في تنظيمات تابعة لها. لقد كانت زكية تتابع كل رفيق ورفيقة في المنظمة بنفسها, وتتابع الترحيلات التي تصلها بنفسها بحيث تتيقن من نظافة الترحيل, وكانت تتابع أي رفيق يعتقل لترى ما حصل له. وبقدر ما كانت لطيفة وهادئة, بقدر ما كانت يقظة وصارمة وحذرة من تسرب الأعداء للتنظيم الحزبي الذي تقوده.
لقد نذرت زكية خليفة نفسها للنضال في صفوف الحزب الشيوعي العراقي ولم تبخل بشيء لصالح تقدم الحزب وتطوره وأعطت ستة عقود من عمرها لهذا الحزب ونضاله وعانت معه من ظلم واضطهاد النظم الرجعية والفاشية.
أحبها المحيطون بها والعاملون معها, سواء أكان ذلك في صفوف الحزب أم في رابطة المرأة العراقية أم في المسرح أم في العمل الجماهيري اليومي, واعتز بها الأستاذ يوسف العاني ومن عمل معه حينذاك. وكانت واحدة من النساء اللواتي أبدعن في عملهن المسرحي وبشكل خاص في مسرحية “النخلة والجيران” للكاتب غائب طعمة فرمان بجوار زينب وناهدة الرماح, إضافة إلى المسرح الريفي وقراءة الشعر الشعبي.
رغم مرضها وافقت زكية أن تترشح ضمن مجموعة الحزب الشيوعي العراقي في انتخابات العام 2005, والمرض هو الذي اجبرها على مغادرة الوطن للعلاج في السويد, وهناك في مستشفى سويدي توقف قلب الرفيقة والمناضلة العزيزة زكية خليفة المتعب مبكراً.
فإلى عائلتها وإلى رفاق الحزب الشيوعي وأصدقاء الفقيدة العزاء بفقدها, ولها الذكر الطيب.

20/1/2010 كاظم حبيب