الرئيسية » دراسات » طبيعة الدولة وأساليب حكم نظام البعث في العراق 2-3

طبيعة الدولة وأساليب حكم نظام البعث في العراق 2-3

في ضوء التصريحات التي أدلى بها ظافر العاني , النائب العراقي حالياً ورئيس كتلة جبهة التوافق , وعضو القائمة العراقية التي يقودها الدكتور أياد علاوي, والتي وضعت هيئة المساءلة والعدالة اسمه ضمن من يُمنع من الترشيح للانتخابات القادمة , التي مجد فيها نظام البعث والدولة البعثية ,وأساء لقوى وشخصيات مناضلة , وجدت مفيداً أن أنشر وبشكل مكثف وعلى حلقات جزءاً من الدراسة الموسعة حول السمات التي ميَّزت الدولة البعثية في فترة حكم البعث الثانية في العراق وقيادة أحمد حسن البكر وصدام حسين لهذه الدولة المشوهة, أي الفترة بين 1968-2003, والتي هي امتداد لدولة البعث الأولى شباط/فبراير 1963- تشرين الثاني/أكتوبر 1963, وهي جزء من دراسة كنت قد قدمتها إلى مؤتمر حقوق الإنسان الذي عقد في العام 2000 بالدار البيضاء في المغرب.
السمة الثالثة

فرضت النخبة الحاكمة على البلاد , أيديولوجية واحدة هي أيديولوجية حزب البعث القومية ذات التوجهات اليمينية والشوفينية المتطرفة ورفضت وجود أيديولوجيات وأفكار أخرى بجوارها. كانت تصريحات المسؤولين وعلى رأسهم الدكتاتور صدام حسين يؤكدون ما يلي: “لا بد لفكر البعث أن يكون الخيمة التي تنضوي تحتها كل الأحزاب والكتل الفكرية والسياسية الأخرى” فلا مكان لغير فكر البعث في العراق , وأصبح قانوناً عملياً إذ لا يجوز لي فكر أو وجهة نظر أخرى أن تخرج عن إطار فكر وسياسة البعث.
وفي ضوء ذلك افترض المسؤولون أن تكون الإيديولوجية القومية البعثية هي السائدة في الدولة ومؤسساتها وأجهزتها المدنية والعسكرية وفي المجتمع وفي المنظمات التي حدد البعث هويتها الحزبية والحكومية , بما فيها النقابات واتحادات الطلبة والشبيبة والمرأة …الخ , أي أن الحكم كان يسعى إلى صبغ الفكر المجتمعي والفردي بلون فكري واحد يكون هو السائد والقائد , ولا يحق أو يجوز لغيره الوجود وممارسة النشاط الفكري والسياسي في العراق.
والفكر البعثي الذي ساد في العراق كان في جوهره فكراً قومياً انتقائياً متطرفاً , ولكنه قطع الحاجز الرفيع الذي كان يفصل بينه وبين الفكر العنصري القائم على التمييز بين الإثنيات والشعوب لا في التشريع فحسب , بل وفي الممارسة العملية. إن الهيمنة الأيديولوجية للحزب الحاكم أدت إلى ممارسة سياسة المصادرة التامة لحرية الصحافة والنشر وإبداء الرأي المخالف. فالحكم سيطر من خلال قطاع الدولة على كامل أجهزة الإعلام السمعية والبصرية, المرئية والمقروءة, وسلط عليها عدة أجهزة للمراقبة والتجسس.
شكل مجلس قيادة الثورة لجان حزبية حكومية خاصة لمراقبة الصحافة وأجهزة الإذاعة والتلفزيون والمسرح والسينما , ومراقبة الكتب المدرسة والجامعية , ومجالات الثقافة والنشر الحكومي والخاص. وفي عام 1979 أصدرت وزارة الإعلام قائمة طويلة تضم مئات الكتاب العراقيين والعرب والعالميين من مختلف الاختصاصات الذين منعت تداول كتبهم بالبيع والشراء والقراءة , وقامت بمصادرتها من المكتبات العامة والخاصة وأحرقتها. وكانت الرقابة مفروضة على جميع المجلات العربية والدولية التي يراد إدخالها إلى العراق. لقد عاش العراقيين تحت وطأة المصادرة الكاملة لحرية الكلمة وحرية الاطلاع على ما ينشر في العالم. وقُدم الكثير من الكتاب والصحفيين إلى المحاكم الخاصة بسبب نشرهم مقالاً أو قصيدةً أو كتاباً, إذ اعتبر بعض أو كل ما فيه مساً بالقائد أو الحزب القائد أو الثورة ومجلسها بأي شكل من الأشكال , وصدرت بحق هؤلاء الأدباء والشعراء والكتاب من خيرة مثقفي العراق الكثير من الأحكام القاسية , كما تم تغييب الكثير منهم أو قتلهم بأساليب مختلفة خلال السنوات المنصرمة, كما حصل الدكتور صفاء الحافظ والدكتور صباح مصطفى الدرة والكاتب والناشر عزيز السيد جاسم على سبيل المثال لا الحصر.
السمة الرابعة
الهيمنة الكاملة لحزب البعث وقيادييه وكوادره والمنتسبين له على المراكز القيادية والأساسية في مؤسسات الدولة المختلفة وفرض الرقابة التامة على الإعلام والتربية والتعليم والنشاطات الاجتماعية وعلى أجهزة الدولة الاقتصادية والمنظمات المهنية والنقابات. فهي كلها فروعا أو أنشطة تابعة وينبغي لها أن تكون خاضعة لا بالنسبة لقيادتها فحسب , بل في فكرها وممارساتها لسياسات ومواقف وقرارات قيادة حزب البعث , وبتعبير أدق “للقائد التاريخي”. وقد نشأ عن ذلك أن مارس البعث سياسة التبعيث للجماهير الواسعة وفرض عليهم الولوج إلى حزب البعث عبر ما يطلق عليه بمبدأ “الجزرة والعصا”. وخلال فترة وبعد أن كان هذا الحزب لا يمتلك سوى عشرات الأعضاء , أصبح يضم من الأعضاء المنتسبين والأنصار المسجلين عدة ملايين. إن الفكر التسلطي الفاشي ينطلق من دور الرجل القائد في قيادة الأمة والبلاد. لقد ظهر هذا في ألمانيا , وفي إيطاليا وفي اليابان , كما ظهر في بقية الدكتاتوريات مثل سالازار في البرتغال , وفرانكو في أسبانيا , وسوموزا في نيكارغوا وباتستا في كوبا , وصدام حسين في العراق , كأمثلة على ذلك. وفي العراق هيمن صدام حسين على رئاسة مجلس قيادة الثورة ورئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ورئاسة مجلس التخطيط ورئاسة لجنة المتابعة والقائد العام للقوات المسلحة , ورئيس مجلس الأمن القومي والرئيس الفعلي لأجهزة الأمن والاستخبارات والأجهزة الخاصة , والأمين العام للقيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي والأمين العام للقيادة القطرية العراقية , إضافة إلى كونه الأب القائد والرائد والبطل الفذ والتاريخي , إذ لم يبق أي لقب قديم أو حديث إلا وألصق باسم صدام حسين. لقد ازداد اسماء وألقاب صدام حسين عن الأسماء التي منحها المؤمنون للإله. والدكتاتورية الفاشية أو الدولة التسلطية المطلقة ليست سوى هيمنة حزب أو جماعة أو عشيرة أو فرد على مقاليد الحكم وقيادة البلاد لمصلحة هؤلاء لا غير, حيث تنعدم الحرية والديمقراطية والشرعية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات. وليست المؤسسات التي تنهض في مثل هذه الحالة سوى الستار المهلهل الذي يراد به التستر على الاستبداد القائم أو ورقة التين التي لا تستر عورة الإنسان.

السمة الخامسة

ممارسة سياسة ثابتة في مصادرة كاملة للحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان السياسية والمدنية والاقتصادية وغياب حقيقي للعدالة الاجتماعية. وقد نجم عن ذلك أن زج بعشرات الألوف من الناس من ذوي الرأي الفكري والسياسي والقومي والديني والمذهبي الآخر بالسجون والمعتقلات وعرضهم أبشع أساليب التعذيب. كما قتل تحت التعذيب الآلاف من الناس , إضافة إلى خوض المعارك الدموية واستخدام الأسلحة الكيمياوية ضد أبناء وبنات الشعب العراقي عموما وضد الكُرد وعرب الوسط والجنوب وضد التركمان والآشوريين والكلدان والأرمن والصابئة المندائيين والأيزيديين وغيرهم. وقد قادت هذه السياسة لا إلى امتهان كرامة الإنسان وحرمانه من الاستقرار والأمان الشخصي والعائلي , بل وإلى مصادرة حق الإنسان في الحياة بشكل خاص. والإشكالية الكبيرة التي يعاني منها الشعب العراقي في ظل حكم البعث هي ممارسة سياسة التمييز بين المواطنين. فالحكم في العراق يقوم اليوم على أسس عشائرية وإقليمية ضيقة , كما له توجهات طائفية كريهة , ولكنها في الوقت نفسه سياسة شوفينية وعنصرية مكشوفة , إضافة إلى إنها سياسة ذات سمة حزبية احتكارية ضيقة جدا.

السمة السادسة

والسياسة العنصرية التي يمارسها النظام ليست تهمة عبثية يحاول المناوئون للنظام إلصاقها به , بل هي حقيقة فعلية يمكن أن يلاحظها الإنسان المتتبع في ثلاثة اتجاهات واضحة هي:
• العداء العنصري الصارخ للكُرد والذي قاد إلى استشهاد عشرات الألوف الناس الأبرياء منهم بسبب دعوتهم ونضالهم من أجل التمتع بممارستهم لحقوقهم المشروعة. ويفترض أن يشار هنا إلى ثلاث حوادث أساسية هي:
1. استخدام الأسلحة الكيمياوية في مدينة حلبچة الكُردية المجاورة للحدود الإيرانية , وفي منطقة بهدينان المجاورة للحدود التركية , إضافة إلى استخدام مختلف الأسلحة في معارك الأنفال التي تشير قوى المعارضة الكُردية ومنظمات حقوق الإنسان بأن عدد ضحايا مجازر الأنفال في كُردستان العراق قد بلغ أكثر من 182 ألف قتيل ومغيب. ويمكن أن تكون جثث المغيبين في المقابر الجماعية المنتشرة في أنحاء العراق.
2. الضربات العسكرية الوحشية التي استخدمت أثناء الانتفاضة الشعبية في العام 1991 وقادت إلى هجرة ما يقرب من مليون إنسان إلى الأرضي التركية والإيرانية ,على المئات صوب الحدود السعودية وأدت إلى فرض الحماية الدولية على شمال العراق , وخاصة كُردستان العراق , إضافة إلى الضربات الوحشية ضد المنتفضين في كل من البصرة وكربلاء وبقية محافظات الوسط والجنوب واضطرار جمهرة غفيرة من السكان الهروب إلى المملكة السعودية. وقد سقط عدد كبير من الضحايا قتلى وجرحى في عمليات الانتقام الوحشية من المنتفضين التي قادها قادة حزب البعث ومجلس قيادة الثورة.
3. الحرب الطويلة الأمد التي تواصلت بسبب رفض النظام ممارسة الشعب الكُردي لحقه الطبيعي الذي أقر في العام 1970 , أي الحكم الذاتي لإقليم كردستان وفق بيان آذار / مارت , مما قاد إلى إشعال الحروب المتواصلة والتي أودت بحياة أبناء وبنات الشعبين وغيرهم من الأقليات القومية في المنطقة.
• الكراهية الشنيعة المنبثقة من منطلقات عنصرية ضد الفرس الإيرانيين مما دفع النظام إلى تهجير أكثر من 350 ألف إنسان عراقي من عرب الوسط والجنوب ومن الكُرد الفيلية بحجة كونهم من تبعية إيرانية , علما بأنهم يحملون الجنسية العراقية ويقطنون العراق منذ مئات السنين , أي باعتبارهم ليسوا من عرق عربي أصيل. لقد حاولت قيادة الحزب الحاكم , وعلى رأسهم صدام حسين , غلغلة الفكرة القائلة بأن زواج العراقيين من نساء فارسيات يساهم في إفساد الدم العربي النقي. وقد برزت هذه الظاهرة لا في عملية التهجير الواسعة لمن اعتبروا من أصل فارسي فحسب , بل في الإغراء والضغط الشديدين وتقديم الدعم المالي لمن يطلق زوجته “الفارسية” الأصل أو المرأة التي تطلق زوجها “الفارسي” الأصل, بذريعة كونها أو كونه من التبعية الإيرانية , أو زجهم في السجون واغتيالهم فيها للتخلص ممن أطلق عليهم بالفرس المجوس. ويلاحظ هنا تشابك بين سياستي العِرقية والتعصب الديني لتنجب تمييزا وكراهية وحقدا على الفرس أو على العراقيين الذين اعتبروا من أصل فارسي , رغم أنه لم يعد بين الفرس في إيران من هو على دين المجوس , وعلما بأن الإسلام أعتبر المؤمنين بالمجوسية من أهل الذمة. جاء في كراس كتبه طلفاح خير الله وصدر عن دار الحرية للطباعة في بغداد ووزع بشكل واسع , وهو أحد أقطاب النظام البارزين والمتنفذين وخال صدام حسين وأب زوجته ساجدة , حول مجموعة من المسائل منها الموقف من الفرس واليهود والشعوبية والزنادقة …الخ. وكتب الكراس لكي يوزع في العراق والدول العربية. وحول الفرس في إيران جاء فيه ما يلي:
“أخي العربي فارس عدوك الأول فهم الذين قاوموا دعوة الإسلام في صدر الإسلام وهم الذين قتلوا الخليفة الثاني عمر ابن الخطاب وتسببوا في قتل الخليفة الثالث وإثارة فتنة الخوارج التي قسمت الإسلام إلى معسكرين وهم الذين قتلوا الخليفة الرابع سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فخسر العرب عالمهم الأول وفارسهم الأول ومسلمهم الأول بواسطة أحد شعوبييهم عبد الرحمن بن ملجم أحد شعوبيي الفرس ومن يهودها وهم الذين أسقطوا أمية ودولة العباسيين وأخيراً أخذوا الأحواز العربية وجزر الخليج العربية وراحوا يعتدون على العراق لا بصفته عراقاً بل بصفته جزءاً من الأمة العربية في وطنها الأكبر”. (خير الله , طلفاح. “ثلاثة كان على الله أن لا يخلقهم وهم : الفرس واليهود والذبان”. دار الحرية للطباعة بغداد. 1982). بهذه العقلية القذرة حكم العراق طوال 35 عاماً بالتمام والكمال.

• التثقيف الذي هيمن وما يزال يهيمن على نشاط وممارسات أجهزة الإعلام والدعاية وأجهزة التربية والتعليم والتأليف والنشر تحت ما سمي بإعادة كتابة التاريخ بما يسمح بالادعاء بالعروبة في كل شيء بما فيه تاريخ العراق القديم والتمجيد الاستثنائي بالعروبة بما لا يخرج عن النهج العنصري للفاشيين والنازيين وغيرهم من العنصريين , رغم معرفتهم بتاريخ العراق القديم والشعوب التي قطنت فيه والحضارات التي نشأت وانقرضت ابتداء من عهود السومريين ومروراً بالبابليين والأكديين والآشوريين والكلديين.

السمة السابعة

النهج العدواني التوسعي الذي تميز به النظام والتحري عما يسمى بـ “المجال الحيوي” للدولة العراقية العربية. وقد بدأت هذه السياسة “بتنقية” الأجواء الداخلية وتأمين مستلزمات عدم المعارضة لأهداف ومشاريع النظام والتي اقترنت بتصفية ما كان شكليا حياة حزبية تعددية , ثم الغوص في دماء المعارضة السياسية والقومية للبعث الحاكم. وبعد أن تم له نسبيا ذلك وحقق تسليحا عاليا جدا يفوق كثيرا حاجات الدفاع الوطني في المنطقة , شن النظام حربه التوسعية التي دامت طوال ثماني سنوات ضد إيران , ومن ثم غزا الكويت ودفع بالعراق إلى حرب مدمرة , هي حرب الخليج الثانية , وساهم في خلق التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية , وسمح بوقوع المنطقة كلها تحت الهيمنة الأمريكية الراهنة وإضعاف التوازن تماما بين العرب وإسرائيل لصالح الأخيرة , والتأثير السلبي لذلك على القضية الفلسطينية وقضايا المناطق المحتلة في الجولان وجنوب لبنان , ومشكلة الحدود والمياه وما إلى ذلك.
لقد أدت حروب النظام إلى خسائر هائلة في أرواح العراقيات والعراقيين وأرواح المواطنين من الدول المجاور والشقيقة, إضافة على الخسائر المالية والمادية والحضارية وتدمير البنية التحتية وما بناه العراق طيلة عشرات السنين, إضافة إلى تخريب البيئة العراقية والأرض العراقية التي هي مليئة الآن بالألغام, وخاصة المناطق الحدودية مع إيران.
لقد صرف النظام مئات المليارات من الدولارات الأمريكية على شراء واقتناء السلاح والعتاد والأغراض العسكرية الأخرى وكذلك لإنتاج أسلحة الدمار الشامل وخاصة السلاحين الكيماوي والجرثومي, كما وجه مبالغ طائلة لشراء التقنيات الضرورية والخبرات الفنية لإنتاج السلاح النووي.
وتشير الأرقام المتوفرة إلى أن النظام صرف بين 1976 – 1990 مبلغاً قدره 251 مليار دولار أمريكي على الأغراض العسكرية, وهي تزيد عن عوائد النقط الخام المصدر لهذه الفترة, مما أدى على زيادة مديونية العراق ووصولها على ما يقرب من 100 مليار دولار في العام 2000.