الرئيسية » دراسات » طبيعة الدولة وأساليب حكم نظام البعث في العراق 1-3

طبيعة الدولة وأساليب حكم نظام البعث في العراق 1-3

في ضوء التصريحات التي أدلى بها ظافر العاني , النائب العراقي حالياً ورئيس كتلة جبهة التوافق , وعضو القائمة العراقية التي يقودها الدكتور أياد علاوي, والتي وضعت هيئة المساءلة والعدالة اسمه ضمن من يُمنع من الترشيح للانتخابات القادمة , التي مجد فيها نظام البعث والدولة البعثية , وأساء لقوى وشخصيات مناضلة , وجدت مفيداً أن أنشر وبشكل مكثف وعلى حلقات جزءاً من الدراسة الموسعة حول السمات التي ميَّزت الدولة البعثية في فترة حكم البعث الثانية في العراق وقيادة أحمد حسن البكر وصدام حسين لهذه الدولة المشوهة, أي الفترة بين 1968-2003, والتي هي امتداد لدولة البعث الأولى شباط/فبراير 1963- تشرين الثاني/أكتوبر 1963, وهي جزء من دراسة كنت قد قدمتها إلى مؤتمر حقوق الإنسان الذي عقد في العام 2000 بالدار البيضاء في المغرب.
وصل حزب البعث إلى السلطة مرتين, وكلاهما عبر انقلابات عسكرية, وإذا كان بع الانقلاب الأول مارس حملة فاشية استمرت طوال تسعة شهور قتل فيها الكثير من المناضلين الشجعان وأعتقل وسجن وأهان الكثير من أبرز الشخصيات الوطنية السياسية والاجتماعية والعلمية والأدبية والثقافية وأتى على كل المكاسب التي تحققت في فترة وجيزة من حكم عبد الكريم قاسم وصادر بشكل مطلق كافة الحريات والحقوق الأساسية للمجتمع العراقي وضرب عرض الحائط بكل القيم والمعايير الإنسانية, إنه البعث بمختلف مكوناته حينذاك, سواء ما سمي بعد ذلك باليسار أو اليمين. وجند الحرس القومي الذي لم يختلف عن رجال ألـ SS والغستابو الألمان وأطلقه كالذئاب الجائعة ووضع بيديها البيان رقم 13 لممارسة القتل دون مساْلة أو عقاب.
أما في المرة الثانية فلم يكن الحكم البعث سوى استمراراً للفترة الأولى من حكمه وتعميق لنهجه الفاشي الدموي.وكان هذه المرة ما يطلق عليه بالبعث اليميني أو قيادة ميشيل عفلق لهذا الحزب. وهذه المقالة المكثفة هي محاولة لصياغة السمات التي تميزت بها دولة البعث ونظامه السياسي في العراق خلال الفترة 1968-2003 والتي يمكن بلورتها في النقاط التالية:
السمة الأولى
منذ البدء افتقد نظام البعث في العراق إلى الشرعية في وجوده على رأس السلطة في العراق , كما أنه لم يستند إلى الشرعية الدستورية لا في طريقة وصوله إلى السلطة ولا في طريقة وأسلوب ممارسته للحكم. لقد عاش العراق في ظل حكم البعث بدون دستور دائم , وبدون مؤسسات دستورية حقيقة ومنتخبة من قبل الشعب وفي ظل الأحكام العرفية أو الطارئة. وكان الحاكم الفعلي هو مجلس قيادة الثورة الذي ترأسه حاكم مطلق بدا بأحمد حسن البكر وانتهى بصدام حسين. وكلا الرجلين من طينة واحدة وعقلية واحدة وأساليب حكم واحدة وسمات مشتركة. احتكر مجلس قيادة الثورة , وبتعبير أدق أحمد حسن البكر ومن ثم صدام حسين بالمطلق , السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية , بيديه وحده , إضافة إلى هيمنته الكاملة والمطلقة على السلطة الرابعة , أجهزة الإعلام , ومنها الصحافة والتلفزة ودور النشر الحكومية. لقد وصلت المجموعة الحاكمة إثر انقلاب عسكري تم في السابع عشر من تموز عام 1968 , تبعه انقلاب أخر قادته مجموعة البعث , وهي إحدى المجاميع التي شاركت في الانقلاب الأول ثم في الانقلاب الثاني في الثلاثين من تموز من نفس العام. وهذه المجموعة البعثية التي كرست وجودها في الحكم , مارست التصفية الجسدية لمجموعات عديدة ممن شارك في الانقلابين ومن قادة الحزب الحاكم , ومن أعضاء مجلس قيادة الثورة والقيادتين القومية والقطرية لحزب البعث الحاكم. والدستور المؤقت , الذي لم يطرح للمصادقة عليه , بل وضع من جانب مجلس قيادة الثورة وصدر بقرار عنه , باعتباره السلطة التشريعية في البلاد , يؤكد السيادة المطلقة لمجلس قيادة الثورة ويقرر الدور القيادي لحزب البعث العربي الاشتراكي في الدولة والمجتمع. وإذا كان الحكم قد بدأ بهيمنة جماعة باسم حزب البعث العربي الاشتراكي , أي كتلة ميشيل عفلق , فأنه قد انتهى , وبعد فترة غير طويلة , إلى سيادة وهيمنة فرد واحد هو صدام حسين , رغم الدور الكبير المماثل الذي لعبه أحمد حسن البكر في قيادة مجلس قيادة الثورة حتى تمت إزاحته وتصفيته المحتملة نهائيا في أعقاب تسلم صدام حسين للقيادة مباشرة في شهر تموز/يوليو 1979.
السمة الثانية
وبهذا المعنى فالحكم لم يستند إلى أسس ديمقراطية , ومنها التداول الديمقراطي للسلطة وفق دستور ديمقراطي وحياة برلمانية حرة وديمقراطية , بل كان مجلس قيادة الثورة قد قرر ابتداءً أن يكون الحكم بيد حزب البعث العربي الاشتراكي , رغم أنه ومنذ النصف الثاني من العقد الثامن لم يكن الحكم بيد حزب البعث , بل كان بيد رجل واحد فقط لا غير. ولم يلغ الحزب الحاكم حرية جميع الأحزاب والكتل السياسية العلنية والسرية ويطاردها حتى في شتات الغربة حسب , بل وجه اضطهاده أيضاً ضد أعضاء ونشطاء حزب البعث الحاكم الذين اختلفوا معه أو عارضوا بعض أو جميع سياساته أو شك الدكتاتور في ولائهم له , إذ أنه صفى الكثير من أعضاء القيادة القومية والقطرية ومجلس قيادة الثورة والوزراء وكبار المسؤولين من القادة العسكريين والمدنيين ومن محترفي العمل السياسي في حزب البعث الحاكم. إذ كان الحاكم بأمره يرفض الاختلاف في الرأي داخل الحزب الحاكم , وكان يريد أن يسمع رأيا واحدا وصوتا واحداً ويرى صورة واحدة , أن يسمع رأيه وصوته ويرى صورته. وهكذا كان الأمر في العراق طوال وجود الدكتاتور على رأس السلطة.
ولكن هذا الحاكم بأمره سخر حزب البعث بالكامل لأغراضه مباشرة, سواء أكان في التجسس على الناس أو في ممارسة القمع الدموي والقهر السياسي واجتماعي أم في الدعاية له وترويج أفكاره البائسة والمتخلفة والعنصرية أم في التعبئة لحروب النظام وسياساته المختلفة.
ورغم إقرار النظام بوجود “مجلس وطني” , فأنه لم يكن سوى أداة خانعة وخاضعة خضوعا كاملا لرئيس مجلس قيادة الثورة وصورة مشوهة بالكامل بالمقارنة مع المجالس التشريعية الديمقراطية , إذ كان صدى يردد ما يريده “القائد الضرورة!” ويوقع أعضاء المجلس على قرارات القائد بدم أعضاء برلمانه ليبرهنوا له عن ولائهم المطلق للحاكم المطلق. فكان الترشيح للانتخابات يخضع لرقابة لجنة يشكلها مجلس قيادة الثورة ويجب أن يكون أعضاء اللجنة من حزب البعث , كما ينبغي أن يكون المرشح عضوا في حزب البعث أو من أنصاره ومؤيديه , كما أن الانتخابات ليست سرية بل علنية , إذ يوضع على ظهر ورقة الانتخاب اسم الناخب وعنوانه , وبالتالي من ينتخب اسما من غير القائمة المعطاة له يتعرض لما لا تحمد عقباه , أو حتى من رمى ورقة بيضاء يحاسب عليها , والأمثلة كثيرة في هذا الصدد , بما فيها انتخاب رئيس الجمهورية التي لم تخرج عن هذا الأسلوب , بل كانت أكثر صرامة وقسوة في التعامل مع من لا يصوت لصدام حسين. لقد كان المرشح واحداً والفوز لهذا المرشح الواحد بما يفوق نسبة المصوتين في بعض الأحيان. لم يعد صدام حسين يكتفي ب 100% بل كان يريد أكثر من ذلك بكثير. والغريب في هذا العالم أن كان هناك من يصدق هذه الأكذوبة بهدف أساسي هو الاستفادة من النظام لتحقيق بعض المكاسب والمصالح الاقتصادية.
ويفترض في هذا الصدد أن نؤشر بعض المسائل الجوهرية التي تعتبر نتاجا منطقيا وموضوعيا لهذه السمة , وهي:
أ‌. قاد غياب الحرية الفردية والديمقراطية والتعددية السياسية والحياة الدستورية والبرلمانية الحرة ومصادرة حرية وحق التداول الديمقراطي للسلطة بالضرورة إلى قيام النظام بمواجهة المعارضين لهذا النهج بالعنف واستخدام ما يمتلك من قدرات قهرية لتأمين مستلزمات القضاء على أصوات المعارضة , سواء أكانت من خارج صفوفه أو من داخلها. وسجلات المعارضة العراقية ومنظمات حقوق الإنسان ولجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة مليئة بأسماء عشرات ألوف الناس ممن تعرضوا لإرهاب الدولة والحزب الحاكم في العراق خلال السنوات المنصرمة , كما نشرت منظمات حقوق الإنسان قوائم بأسماء السياسيين المختطفين والمغدور بهم ويصل عددهم إلى عشرات الألوف , إضافة إلى اكتشاف عشرات المقابر الجماعية حيث دُفن فيها من قتل على أيدي أجهزة الأمن والأجهزة الخاصة والاستخبارات العسكرية تحت التعذيب أو بالقتل الجماعي أو دفنوا وهم أحياء.
ب‌. وأن هذه الأجواء قادت بالضرورة إلى تطور الدولة وفق ذهنية عسكرية فردية تميزت بالعنف والقسوة , كما اقتنت ترسانة هائلة من الأسلحة وأنشأت قوات مسلحة واسعة وأجهزة أمن تتدخل في شؤون الحياة العامة للسكان , إذ كانت بمثابة عيون صارمة وظالمة على الناس في كل مكان. لقد حول صدام حسين العراق إلى بلد لا يأتمن الإنسان أفراد عائلته , ولا الأب ابنه , ولا الصديق صديقه , كما لم يعد للإنسان الحق في الحلم! كانت عيون النظام وأجهزته تراقب أفراد المجتمع , سواء أكان ذلك في الأحياء السكنية والبيوت أم في مواقع العمل والمدارس والجامعات ودوائر الدولة والقوات المسلحة أم في الريف , وباختصار في كل مكان حتى في الغرف الزوجية. لقد نصب النظام كاميرات لتصوير حياة الأزواج للاستفادة منها في إسقاط السياسيين والمعارضين أو من أعضاء حزبه. كما حاول إرسال العاهرات من الجواسيس للإيقاع بالسياسيين وإغرائهم والتقاط الأفلام لهم وهم في حالة اتصال جنسي لإسقاطهم عبر التهديد بنشرها على الملأ.
ت‌. كما أن غياب الديمقراطية بالكامل وممارسة أساليب العنف ومبدأ “الجزرة والعصا” قاد إلى نشوء جملة من الأمراض النفسية والعصبية وبرزت أو تعمقت آفات اجتماعية غير قليلة بما فيها الخشية الدائمة ون المجهول والانتهازية والنرجسية والشعور بالعظمة والذهنية العسكرية عند الحكام وأمراض ازدواج الشخصية والانتهازية والخوف والقلق من المستقبل والعنف وروح الانتقام والخشية من الآخر والكثير من الأمراض العصبية عند جمهرة واسعة من السكان. إن قائمة معسكرات الاعتقال تحت الأرض التي أقيمت في العراق خلال فترة حكم البعث , دع عنك السجون والمعتقلات الأخرى المعروفة , كانت تضاهي عدد قصور الحاكم بأمره , إنها قلاع تحت الأرض وفي الصحراء وفي مواقع كثيرة لا تختلف كثيرا عن معسكرات الاعتقال النازية من حيث الأساليب التي مارستها والأدوات التي استخدمتها تلك الأجهزة ضد ضحاياها. ويمكن تقديم قائمة واقعية بأساليب التعذيب التي مارسها النظام العراقي والتي تصل إلى أكثر من خمسين نوعا معروفا لضحايا التعذيب في العراق, بما فيها ماكنات فرم أجساد المعتقلين وهم أحياء أو ماتوا تحت التعذيب ورمي اللحوم البشرية المفرومة إلى الأسماك.
تشير المعلومات الغزيرة المتوفرة لدى المنظمات الدولية والعربية والعراقية الخاصة بحقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية منذ نهاية الستينات إلى أن أجهزة النظام الأمنية والأجهزة الخاصة التابعة للقصر الجمهوري مارست مجموعة كبيرة من أشكال وأساليب التعذيب النفسي والجسدي التي تسببت بوفاة السجين الأعزل بعد تحمله عذابات شديدة ومهينة لكرامته , وهي تزيد على 50 نوعا من أعمال التعذيب الجسدي والنفسي , التي كانت تدمج بين أساليب القرون الوسطى والعهود المظلمة في حياة البشرية وبين الأساليب الحديثة التي اعتمدت على أحدث الأجهزة المصنوعة في البلدان الصناعية المتقدمة. ومن بين أساليب ممارسة التعذيب استخدام الكاويات الكهربائية والتيار الكهربائي , والصوندات المطاطية المصنوعة بأسلاك داخلية , وخراطيم المياه , والكوي أو الحرق بالسجائر في المناطق الحساسة من الجسم , وإدخال القازوق , أو القنينة في مؤخرة الضحية أو نفخ بطن الإنسان على حد الانفجار والتمزق , واستخدام الشمعة لحرق أسفل القدمين المعلقتين في الهواء والمربوطتين بالقيود الحديدية التي لا تسمح بأي حركة للضحية , والتعليق بالمراوح , والجلد بأعواد الرمان (الخيزران) , واستخدام الفلقة , أي الضرب المبرح على باطن القدمين , وفرض الهرولة بعدها على الضحية لكي لا تصاب القدمين بالتعفن , ولكنها تهيئ للضحية فصلا خاصا مليئا بالآلام المبرحة , وتسليط الأضواء على العينين والمنع من النوم واستخدام ما يثير الأعصاب من أصوات رتيبة متكررة , أو ترك قطرات ماء باردة تسقط على يافوخ الإنسان بصورة متتابعة ولفترة طويلة ترهق الضحية إلى أبعد الحدود وتسئ إلى حالته النفسية خاصة وأن التحقيق يستمر ساعات وساعات , وهو غير قادر على إبعاد يافوخه عن تلك المنطقة. ويمارس في التعذيب الركل المتواصل في كل مكان بما فيها على الخصيتين , وتجري محاولة استعمال أو اغتصاب الضحية , سواء امرأة كانت أم رجلا. كما يمارس الجلاد شدّ قضيب الرجل الضحية بحبل ثم جر الحبل بقوة , وقلع أظافر أصابع اليدين والقدمين , وإدخال الرأس في أحواض الماء إلى حد الاختناق , أو صب الماء الساخن على المناطق الحساسة من جسم الضحية , أو ترك الضحية تحت أشعة الشمس المحرقة لساعات طويلة دون ماء أو شيء يستر الجسد , أو ترك الضحية على سطح الدار من دون ملابس في ليالي الشتاء القارس , أو إعطاء الضحية السم بأنواعه المختلفة ذات المفعول السريع أو البطيء مذوبا باللبن أو الشاي المحلى , ورمي الفطريات على جسم وملابس الضحية. ويفرض على الضحية الجلوس في وسط مرحاض معطل ومليء بالغائط وإجبار الضحية على تناول بوله , أو وضعه في غرف مليئة بالحشرات القارصة بدون غطاء أو حتى ملابس تقيه شرها , وتركه في غرف مظلمة لا تدخلها أشعة الشمس أو ضياء النهار ورطبة لأشهر ودفع وجبات الطعام الشحيحة والرديئة والماء له من ثقب في باب حديدية موصدة دوما…الخ. ويعصب الجلادون في غالب الأحيان عيني الضحية لكي لا يتعرف عليهم , كما تطلق باتجاهه العديد من العيارات النارية من مسدسات وبنادق رشاشة الجلادين لإرعابه وإيهامه بأنهم ينوون قتله , ويقتل أحيانا حقا. ويمارس التعذيب النفسي , بما فيه مشاهد تعذيب الآخرين , يتواصل سوية مع التعذيب الجسدي. وغالبا ما يحتسي الجلاد الخمر فتزداد قسوته ويفقد أعصابه بسبب عجزه عن إسقاط الضحية رغم كل تلك العذابات فيغوص في وحل التعذيب أكثر فأكثر ويفقد كلية كل ذرة من إنسانية الإنسان التي ربما كان يحملها في لحظة من اللحظات. وتجلب أحيانا زوجة الضحية أو الزوج أو الابن أو البنت ويتم التعذيب أمامهم وربما حتى تعريته أو تعريتهم وممارسة الاعتداء الجنسي المهين على الضحية أو على أفراد عائلته , وهم ضحايا إضافية. ويطلق الجلادون مجموعة من سجناء الحق العام على الضحية في غرفة يجلب إليها خصيصا فيتناوبون في تعذيبه وضربه ضربا مبرحا لعدة ساعات , حيث يتكرر هذا المشهد لعدة أيام. ويمارس الضرب الشديد وبالأحذية على رقبة الإنسان بما يمكن أن يؤدي إلى إصابة الضحية بعطل في دماغه. وغالبا ما يطلب من الضحية أن يمشي على أربع ويمتطيه أحد الجلادين في حين يقوم جلاد آخر بضربه على قفاه لتسريع زحفه. ويطلب أحيانا من ضحايا أسقطها التعذيب الهمجي للقيام بضرب وتعذيب رفاقهم وأقرب الأصدقاء إليهم لتحطيم معنويات الاثنين وتخريب النفس. ومنذ سنوات عمد النظام وهو في قمة مصادرة حقوق الإنسان إلى فرض عقوبات قطع الأيدي أو الآذان أو الساق أو حتى جدع الأنف لتهم موجهة للمعتقلين. والكثير من هؤلاء هم من السياسيين الذين اتهموا بتهم الحق العام للإساءة إلى سمعتهم بين الناس. إنها جرائم يصعب على الإنسان ذكرها أو حتى الحديث عنها. لقد مات تحت التعذيب عدد كبير جدا من المواطنات والمواطنين العراقيين من مختلف الأعمار , ومن مختلف الأحزاب والمنظمات , ومن مختلف القوميات والأديان والطوائف. ومن خرج منهم سالما بقى يعاني من كابوس تلك العذابات سنوات طويلة , أو أصبح مقعدا ومشلولا , كما حصل لمجموعة من الضباط الشيوعيين العراقيين. وكذلك ما حصل لـ 32 من العسكريين الذين وجهت لهم تهمة الانتساب للحزب الشيوعي العراقي , فاعتقلوا وعذبوا لفترة طويلة وبشراسة منقطعة النظير ثم اعدموا جميعا في العام 1978. وجدير بالإشارة إلى أن عددا كبيرا من مواطني الدول العربية كانوا ضحية أجهزة الآمن والاستخبارات العراقية بسبب رفضهم مسايرة النظام أو المشاركة في الحروب التي خاضها العراق. جلب الكاتب والصحفي الألماني , المتخصص بمتابعة مناطق الأزمات الساخنة في العالم في كتابه الموسوم “صورة عن الحرب , أيامي في بغداد” الذي صدر في العام 2003 وفي أعقاب سقوط النظام , انتباه العالم إلى أن النظام البعثي الصدامي قد استخدم في عمليات التعذيب والقتل في معتقلاته مكينة عملاقة لتكسير وفرم أجسام المعتقلين حيث يرمى المعتقل وهو حي يرزق أو بعد أن يقتل تحت التعذيب في جوف الجهاز العملاق ليخرج لحماً وعظاماً مفروماً يقذف من الجهاز مباشرة إلى نهر نصبت عليه هذه الآلة الجهنمية داخل بناية المعتقل حيث تقتات عليها الأسماك هناك.
Fröhder , Christoph Maria. Ein Bild vom Krieg , Meine Tage in Bagdad. Taschenbuch. Hoffmann und Camp Verlag. Hamburg. 2003. (ISBN 3455094198).

وتؤكد جميع المعطيات التي لدينا بأن المعتقلين والموقوفين والسجناء ومن حكم عليهم بالإعدام لم يشهدوا محاكمات حرة وديمقراطية , بل واجهوا محاكم شكلت خصيصا وأحكامها كانت قد قررت سلفا , حتى أن الكثير منهم صدرت الأحكام بحقهم وهم أموات , أو كانوا قد قضوا عشر سنوات أو يزيد في سجون النظام. تشير الفقرة الأولى من المادة 9 من البرتوكول الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية إلى ما يلي: “لكل فرد الحق في الحرية والسلامة الشخصية. ولا يجوز القبض على أحد أو إيقافه بشكل تعسفي. كما لا يجوز حرمان أحد من حريته على أساس من القانون وطبقا للإجراءات المقررة فيه”(الشرعة الدولية لحقوق الإنسان. مصدر سابق. ص 51). كما تؤكد الفقرات الأخرى إلى مجموعة من الضوابط في حالة الاعتقال , ومنها ضرورة تقديم المقبوض عليهم إلى محكمة تتسم بالشرعية. والبرتوكول الدولي لا يعترف بتلك القوانين التي تخالف هذه النصوص. وتعتبر مواد البرتوكول الدولي تطويرا مهما وتوسيعا ضروريا لما جاء من مبادئ أساسية في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في ضوء التجارب التي عاشتها , أو لا تزال تمر بها حالة حقوق الإنسان في العالم (نفس المصدر السابق. ص 30). ولكن ماذا يجري في العراق عمليا في هذا المجال؟ المعلومات الغزيرة المتوفرة تشير إلى قيام أجهزة أمن النظام باعتقال من ترى ضرورة اعتقاله من السياسيين وغير السياسيين , أي من مختلف الأحزاب والكتل والجماعات السياسية ومن المستقلين المعارضين للنظام , ومن غير السياسيين مثل التجار والصيارفة وأصحاب الأعمال وذوي الشذوذ الجنسي والمتهمين بالتزوير والسرقة …الخ , حتى دون قرار بإلقاء القبض عليهم أو قرار بالتوقيف صادر عن حاكم تحقيق. ويبقى هؤلاء المعتقلون أسابيع وأشهر وأحيانا سنوات دون محاكمات. وعندما كان يقدم البعض منهم إلى المحاكمة , فلا تكون إلا أمام محاكم خاصة يشكلها مجلس قيادة الثورة وتحكم وفق الإحكام التي يقررها صدام أو من يخوله بذلك , كما حصل بالنسبة إلى المتهمين من أهالي الدجيل بمحالة اغتيال صدام حسين حيث أعدم الحاكم بندر 148 شخصاً دون محاكمات فعلية وتحقيق شرعي. ويكون المتهم قد مرّ قبل ذاك بسلسلة من عمليات التعذيب وهدر الكرامة وربما أشرف على الموت. كما لا يتمتع المعتقل عمليا بحق توكيل المحامي للدفاع عنه. وتكلف تلك المحاكم بعض المحامين من مرتزقتها لالتزام مسؤولية الدفاع الشكلي عنهم. ومن يحكم عليه بالسجن يودع في أحد السجون الكثيرة التي أقيمت خلال العقدين المنصرمين حيث يفتقد السجين إلى كل مقومات الحياة الطبيعية ويواجه إرهابا يوميا وتعذيبا جسديا ونفسيا وتغذية سيئة إلى أبعد الحدود , وكانت تمنع عن السجين السياسي الزيارات والمواجهات الاعتيادية. ووفق المعلومات المتاحة فأن قسما من المعتقلين قد مرّ على حجزه ما يقرب ربع قرن دون أن يقدم إلى المحاكمة , وبعضهم تجاوز احتجازه أكثر من 15 سنة كما في حالة الدكتور صفاء الحافظ والدكتور صباح الدرة والسيدة عائدة ياسين وغيرهم الذين لقوا حتفهم على أيدي النظام وفي سجونه الوحشية.
ث‌. وكانت أجهزة الأمن والاستخبارات الصدّامية تنظم عمليات اختطاف واسعة لمواطنات ومواطنين من بيوتهم أو من محلات عملهم أم من الشوارع. وقد سجل الفريق العامل للأمم المتحدة عدد المختفين المسجلين لديه ب 15781 حالة. وكانت المعلومات التي لدى المعارضة العراقية والتي يعرفها المواطنون العراقيون تشير إلى أن عمليات الخطف تزيد بمقدار الضعفين عن الرقم الذي المذكور , إذ أن غالبية العوائل كانت تخشى تسجيل حالة الخطف بسبب خشيتها من المطاردات والمضايقات والسجن.
إن هذه الوقائع تسمح بتسجيل الموضوعة التالية: كان القضاء العراقي في عهد صدام حسين لا يتمتع بأي قدر من الاستقلالية وكان خاضعاً خضوعا تاما ومطلقا لرئيس مجلس قيادة الثورة شخصيا , وبالتالي فقد كان القضاء عاجزاً عن تأمين أي رقابة على أجهزة الدولة , وأن هؤلاء الحكام في أغلبهم كانوا يمثلون تلك الجهات أساسا , أي أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية , وبعضهم لا يحمل حتى شهادة تخرج من كلية الحقوق أو كلية القانون والعلوم السياسية , بل هم من العاملين في الجيش والشرطة والأجهزة الخاصة التابعة للقصر الجمهوري. وإذا ما وجد حاكم يتمتع بشيء من النزاهة والرغبة في الحيادية , فهو لم يكن قادراً على ممارسة عمله أو كان الفرد مجبراً على مسايرة الوضع القائم خوفا حقيقياً على رأسه أو على عائلته , وكحد أدنى , على وظيفته وعيشته.
ج‌. وخلال فترة حكم البعث وجد عدد يتراوح بين 2.5-3.0 مليون إنسان عراقي في الشتات. والقسم الأكبر من هؤلاء الناس كانوا قد تركوا العراق لخمسة أسباب رئيسية هي:
1. الإرهاب الدموي الذي تعرضت له قوى المعارضة العراقية بعد مجيء حزب البعث إلى الحكم.
2. التهجير القسري الذي تعرضت نسبة مهمة من بنات وأبناء الشعب العراقي باعتبارهم من أصل غير عراقي أو عربي , سواء أكانوا من الكُرد الفيليين أو من أصل عربي شيعي أو ممن قطن العراق من الفرس منذ قرون أو عقود , وربما كانوا في الأصل من العرب أيضاً من أجيال قديمة يعود منحدرها إلى فترة الحكم العباسي في العراق.
3. الهاربون من حروب النظام المختلفة , سواء أكان الهروب خشية من التجنيد لحروب النظام أم خشية الموت تحت قذائف المتحاربين أم على أيدي جلاوزة البعث لأسباب شتى.
4. الوضع الاقتصادي المتردي الذي تفاقم تدهوره وازداد حجم البطالة بين السكان القادرين على العمل.
5. الهروب بسبب سياسات التمييز الشوفيني والديني والطائفي إزاء المواطنين وأساليب الأجهزة غير الأخلاقية والدنيئة في ملاحقة العائلات , وخاصة النساء من أديان أخرى.
والجدير بالإشارة إلى أن المغتربين قسرا ولأسباب سياسية لم ينجوا من ملاحقات النظام والإساءة لهم بأشكال مختلفة , كما تعرض العديد منهم إلى الموت من جانب نشطاء الأمن العراقي في الخارج وخاصة في سنوات العقدين الثامن والتاسع.