الرئيسية » الآداب » إجابات بلا أجساد

إجابات بلا أجساد

غريبةٌ أنا في مدينتي هذا اليوم المجنون، الذي يعصف ثلجاً ومطراً عابساً في لحظة، لتشرق بعده بلحظات شمسٌ تؤلمك من شدة الحرّ! وحيدةٌ أنا أجرّ قدميّ في إحدى الشوارع، نصف غائبة، وفي صدري ألمٌ يجتاحني، يتجمع رويداً رويداً، تضخّه عروقي المتزاحمة به، كبداية بركانٍ خامد أخذ قراره النهائي من جديد بالثورة والفوران، لكنّ قواه المتفاقمة كما كلّ مرّة تخور ببضع دموعٍ أبتلعها عند ساعة الصّفر، لأنّ البراكين تدمّر أنفسها أولاً عندما تثور وصاحبها يكون أول ضحايا الطوفان والنيران، فلماذا لا تسمح لي حياتي أن أبصق كلّ هذا الغضب الذي يخنقني، دون أن أدفع رأسي المتألم ثمناً لها؟؟ لماذا علينا جميعاً أن نتواطىء ونتأقلم ونتفاعل مع كلّ ما يفعله الجميع؟ أن نذوب كقطرات ماء في بوتقة المجتمع، لتهرسنا كما هرست كلّ من سبقونا؟ ولماذا يجب أن نُسحَقْ ويعاد تكويننا كأننا عثرة وجب تقويمها؟
لماذا نلقي بكل خطايانا على عاتق المجتمع، وننفض أيدينا الملوثة من تهمة الشّقاء الذي نجتريه؟ ونهرب من المسؤولية خائفين، مستسلمين لهذه الأقدار المقيتة، القميئة؟ فحيواتنا باتت فارغة، ضيّعت اسمها وعنوانها، لتصبح مشوشة، ترافقها في ضياعها المعذّب طبيعتنا البشرية التي أنشقّت الحضارات الحالية في محاولة الإتفاق لإعطائها إسماً وعنواناً، لأنها _الحضارات_ تخلّت عن قيم التساوي والتجاوز، وأصبحت تُعطي الطبقية التي يعتمد قيام ركائزها عليها مع الحاجة الإقتصادية المنصب الأول، فتحكم حسب هواها المشابه لهوى يومي هذا، على مفكرين موضوعيين بالتطرف، وعلى دكتاتوريين مهسترين بالعقلانية!!
كم باتت ركيكة هذه الحضارة الحالية، حيث لا يمكنها صياغة مبادئها، فكيف لها أن تصوغ ألقاباً وأسماءً تعرّف بهم الإنسان وطبيعته البشرية؟ فهي حضارةٌ تائهة، كسفينة انتحر قبطانها الوحيد، وأمسك كلّ من عليها بمقود يسير بها أينما شاء، لتتبعثر أشلاؤها العظيمة التي شيّدها عبر تاريخٍ شاهد، زعماء وعظماء وملايين الشهداء، في ظلمة البحر وظلمه تقذفها أمواجه بمجونٍ عاهر، لا يحترم تلك العقول النيّرة التي كوّنتها حرفاً حرفاً وكلمةً كلمة..
آهٍ من هذا العهر الذي تعيشينه يا حضارتنا، بينما نحن صامتون، منشغلون بحسابات دنانيرنا المنكمشة، متكومين خوفاً من جوعٍ أو كارثة طارئة قد تحلّ بنا كلعنةٍ من هذه اللعنات التي تُصَبُّ على الأرض، نتفرّج برعبٍ جحظت له عيوننا المذعورة، ولا يزالوا يتحكمون بعبارة ” الصمت جمال” !! فلماذا قيل بأن الصمت جمال؟ فاللسان لم يخُلق ليصمت، واللغة لم تخترع لتُقتل، فلماذا لا نتكلم عندما نموت حاجة لكلمة؟ ولماذا يا أمي قلت لي بأن أصمت عندما أحتاج لأصرخ بقوة حتى يغمى عليّ؟
ما الذي فعلته بنا موضات العصر العدوانية وعولمة العنف هذه، حتى جردتنا من مشاعرنا وحوّلتنا لآلاتٍ تتصرف حسب الموضة؟ فلماذا لا نفكّر بما تقودنا إليه هذه العقول المريضة؟ تتشدّق ونفعل المثل معها بعباراتٍ عن الحرية والديمقراطية دون أن نخطوا خطوة في تطبيقها، بل ونرمي أنفسنا بقيودٍ جديدة وكبتٍ مستمر، لنكون إزدواجيين، متّكلين على المجتمع ليعطينا الطرقات المختصرة، متقاعسين عن الدفاع لتطبيق أفكارنا، مستسلمين لتقاليد هذا العالم القائم على التنافس والغيرة والحرب والتدمير، مجزّئين إلى عقلٍ لا يستطيع أن يوقف خلاياه المسكينة عن التفكير، ولعاطفةٍ مشوّبة لا تملك حولاً ولا قوّة، ولإرادةٍ لانت إلى حدّ الميوعة، ولفعلٍ صار في قائمة المفقودات.. لنصبح مسكناً للتضادات الفوضوية، التي تنشىء اصطداماتها إنساناً أثقلت الكآبة الهرمة كاهله المتعب المنفق.
فمتى ستدبّ الجرأة فينا لنحمل المشاعل ونثور على آلامنا ونقف للحظاتٍ عند تساؤلاتنا المفقودة الإجابات، ربما نعطيها جسد إجابات؟