الرئيسية » مقالات » صوتي هو ضميري فإلى من يرشدني لأدلي به؟

صوتي هو ضميري فإلى من يرشدني لأدلي به؟

منذ عشرات السنين حُرم العراقيات والعراقيون من أن يدلوا بأصواتهم في انتخابات شرعية وعادلة ونزيهة وأن يمنحونها لمن يستحق الحصول عليها ويعبر عن تطلعاتهم وطموحاتهم.

كان هذا في العهد الملكي حيث كانت الانتخابات تجري بصورة مشوهة ومزورة ومتجاوزة ديمقراطية الدستور, وحين نجح 12 مرشحاً من قوى المعارضة في الفوز بعضوية المجلس رغم التزوير الفظيع في انتخابات العام 1954, عمد نوري السعيد على حل المجلس النيابي وأتى بمجلس جديد مطلق التأييد له وللنخبة الحاكمة حيث كانت توزع المقاعد على أربع جهات: حصة البلاط الملكي, حصة السفارة البريطانية, حصة حزب الحكومة (الاتحاد الدستوري ورئيسه نوري السعيد) وحصة حزب الحكومة البديل (الأمة الاشتراكي ورئيسه صالح جبر). وكلا الحزبين كانا يتبادلان المواقع في الحكم أم خارجه.

ولم تجر بعد سقوط الملكية مهازل الانتخابات في العهود الجمهورية الثلاث. ولكنها بدأت من جديد في عهد الدكتاتور صدام حسين. وكان المجلس المشكل يتناغم ورغبات ومقاسات وأهداف صدام حسين, إذ كان المختارون لعضوية المجلس جميعاً دون استثناء ابتداءً من رئيس المجلس د. سعدون لولاح حمادي وانتهاءً بآخر عضوٍ فيه “إمعات” مطلقة لما يقوله ويريده صدام حسين, وكان خطر الموت يهدد أي ناخب يمكن أن يجرأ ويعطي ورقة بيضاء في التصويت على رئاسة الجمهوري الذي فرض على الشعب اختياره رئيساً مدى الحياة, بالرغم من إرادة الشعب.

ثم جرت في عراق ما بعد صدام حسين ثلاث جولات انتخابية, الأخيرة منها كانت لمجالس المحافظات, وها نحن أمام جولة رابعة لانتخابات عامة. برهن الشعب خلالها على تحدي الإرهاب والعنف وخطر الموت في كل لحظة. وكان في هذا شجاعاً حقاً. كما برهن في الجولة الأخيرة على وعي مناهض نسبياً للطائفية وموقف أكثر شكاً بقوى الإسلام السياسية, مما أجبر البعض على محاولة تغيير الهوية واسم القائمة التي ينضوون تحتها.

في كل هذه الجولات الانتخابية لعبت عوامل كثيرة دورها في الحد الكبير جداً من نزاهتها. ولكنها لم تكن كلها مزورة, ولكن ما كان مشوهاً هو الوعي الذي نشأ عبر سنوات حكم البعث وما بعده والفقر الذي كان يدفع البعض الكثير إما إلى الإرهاب وإما إلى بيع الصوت.

الكثير من العوامل غير السليمة لعبت دورها في تشويه الانتخابات منها مثلاً: تدخل الدين بقوة في السياسة على صورة مرجعيات مؤيدة ومؤازرة لهذه القائمة أو تلك, أو الطائفية السياسية التي تُميز بين أتباع الأديان والمذاهب وتدفع بالطائفية إلى الصراع والنزاع والاستقطاب داخل المجتمع وليس بين أعضاء الأحزاب الإسلامية السياسية فقط. ولعبت عوامل البطالة والفقر والحاجة دورها في كسب الناخبين لصالح القوائم التي كانت ولا تزال قادرة على الدفع المالي أو العيني أو الدفع زائداً القسم بعلي بن أبي طالب أو بالحسين بن علي أو بشكل خاص بالعباس أبو رأس الحار. ولكن لم يقصر أولئك الذين يجبرون على القسم بالإمام الأعظم أو بالشيخ عبد القادر الگيلاني. لقد كان زج الدين والأئمة والشيوخ الصالحين في المعارك الانتخابية إساءة كبيرة للحياة السياسية وللانتخابات في العراق, والتي لم تستخدم من قبل سياسيي العهد الملكي بأي حال.

اختلف التزوير في مناطق العراق المختلفة, وكان على أشده في مناطق الوسط والجنوب وبغداد, ولكن لم تخل منه كُردستان.

التزوير اتخذ ويتخذ صيغاً مختلفة بما في ذلك التفاوت في القدرة المالية في الصرف على الدعاية الانتخابية لهذه القائمة أو تلك, أو التدخل الخارجي الفظ والتمويل الخارجي, أو التهديد بالقتل والخشية من النتائج أو نقص الحماية ومخاطر الموت للمرشحين من خارج قوى الحكومة المتنفذة.

ومع ذلك لا يمكن أن تعزى خسارة القوى الديمقراطية العربية في تلك الانتخابات إلى التزوير إلا بنسبة ضئيلة, إذ إن السبب يعود إلى طبيعة قانون الانتخابات والثغرات الجدية التي يتضمنها والاختلال في القدرات المالية وفي المواقع الحكومية وفي الاستقطاب الطائفي, ومن ثم في بطء حركة القوى الديمقراطية في السنوات السابقة ولأسباب كثيرة, ومنها ما هو موضوعي ومنها ما هو ذاتي, وضعف عملها المشترك وتحالفاتها وعلاقتها بالمجتمع, إضافة إلى انحراف البعض نحو قوائم طائفية بحتة تغطي عليها من خلال كسب بعض الديمقراطيين إليها, ومن ثم التركة الثقيلة التي خلفها عهد الدكتاتورية على قدرات القوى الديمقراطية التي لاقت الأمرين على أيدي النظام المقبور, وبشكل خاص الحزب الشيوعي العراقي.

واليوم يواجه المجتمع جولة الانتخابات الجديدة ويواجه الكثير من القوائم الانتخابية المتحالفة والمتنافسة. ولكنها تواجه أيضاً ثغرات جدية في القانون, وتمايز شديد في القدرات التنافسية بين القوائم لصالح القوى الحاكمة والمتنفذة, والحماية الأمنية التي يمتلكها المتنفذون في جولاتهم الانتخابية بخلاف من لا يملك تلك الحماية …الخ. تابعوا حماية رئيس الحكومة أو رئيس الائتلاف الوطني في حملتيهما الانتخابية, ثم تابعوا حماية الصديق العزيز حامد العاني (أبو حمادة) المرشح في قائمة اتحاد الشعب مثلاً فسوف لن تجوا إلا نفسه أو رئيس قائمة اتحاد الشعب أو أي مرشح من هذه القائمة أو السيد أياد جمال الدين كمرشح أو السيد ضياء الشكرجي كمرشح أيضاً وليس كعضو في قائمة وزير الداخلية, ستجدون الفارق الكبير في توفر الحماية, وبالتالي مخاطر الاعتداء عليهم من قبل القوى الإرهابية أو الطائفيين المعروفين بتطرفهم ورغبتهم في القتل على الهوية الفكرية أيضاً.

ومع ذلك لا بد من خوض الانتخابات, ولا بد من الكفاح ضد احتمالات ومحاولات التزوير والتدخل الديني أو التدخل الخارجي أو دور الحكومة في التأثير على وجهة الانتخابات.

إن القوى التي تطرح شعاراتها الوطنية والديمقراطية والمدنية في برامج سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية متماسكة من جهة, والتي لا تتبنى التمييز الديني والطائفي وترفض الهوية الطائفية وتتمسك بالهوية الوطنية والمواطنة المتساوية لكل بنات وأبناء العراق من جهة أخرى, قليلة جداً على صعيد العراق كله. وفي مقدمة هذه القوائم قائمة “اتحاد الشعب” التي لا تملك الكثير من الأموال ولا تملك الكثير من الحماية ولا تُعطى الكثير من الفرص للظهور على شاشات التلفزة ولا تملك جهاز دعاية ضخم مدفوع الرواتب, ولكنها تملك الثقة والإرادة الكافية لخوض الانتخابات ساعية إلى كسب ثقة الناخبات والناخبين الحرة والديمقراطية والحصول على أصواتهم, أصوات الذين يُحكًّمون ضمائرهم الحية ويفكرون أكثر من مرة لمن يفترض أن يعطوا أصواتهم التي لا تقدر بثمن.

هذه الانتخابات ليست مصيرية بطبيعة الحال وليست آخر المطاف, ولكنها مهمة جداً وخطوة مهمة على طريق طويل لضمان التقدم لهذا العراق بعيداً عن الطائفية والتمييز الديني والقومي والمذهبي وبعيداً عن الفساد المالي ومن أجل إنهاء الإرهاب الدموي وإنهاء الوجود الأجنبي في العراق.

إن البرنامج الذي تطرحه قائمة اتحاد الشعب كفيل من حيث المبدأ أن تتحد عليه قوى كثيرة يهمها مستقبل العراق الحر الديمقراطي والاتحادي, منها مثلاً التحالف الكردستاني أو التغيير أو الحزب الوطني الديمقراطي, إضافة إلى الحزب الوطني الديمقراطي الأول المؤتلف في قائمة اتحاد الشعب, أو مجموع الأستاذ ضياء الشكرچي أو مجموعة الدكتور كامل العضاض أو مجموعة … مثلاً . ولكن للواقع المعقد في العراق أحكامه.

إن قائمة اتحاد الشعب تطرح برنامجاً وطنياً وديمقراطياً اتحادياً يشمل العراق كله ويدافع عن مصالح كل القوميات ومصالح الغالبية العظمى من الشعب العراقي. مصالح أغلب الفئات الاجتماعية ابتداءً من العمال ومروراً بالفلاحين والمثقفين والطلبة والكسبة والحرفيين وبقية فئات الكادحين والفقراء والمعوزين, إضافة إلى الفئات الاجتماعية التي يهمها تطور العراق الاقتصادي والاجتماعي, وخاصة التصنيع الحديثة وتحديث الزراعة والحد من إغراق الأسواق بالسلع الأجنبية ورفض اللبرالية الجديدة والعمل من أجل تنشيط جميع القطاعات الاقتصادية من حيث الملكية, الحكومي والخاص والمختلط. إن برنامج قائمة اتحاد الشعب برنامج وطني عام يصلح لهذا المرحلة ولسنوات قادمة.

أتمنى لهذه القائمة الحصول عل مزيد من الأصوات وإلى عدد جيد من الممثلين في المجلس النيابي الجديد لكي يستطيع أن يؤثر في الأحداث الجارية في العراق ولكي يستطيع أن يؤثر إيجابياً على القوانين التي تصدر عنه, فهو أقدم حزب في البلاد, ومن أكثر الأحزاب خبرة وتجربة, ومن أكثر الأحزاب العراقية التي قدمت خلال 76 سنة الضحايا الغالية والعزيزة على طريق الوصول إلى حرية العراق وسيادته ومستقبله الأفضل, وهو الحزب الذي لم تدنس سمعته أموال المال العام.

17/2/2010 كاظم حبيب