الرئيسية » مقالات » لماذا ننتخب سفر الياس ميخائيل الصفار؟

لماذا ننتخب سفر الياس ميخائيل الصفار؟

مواليد 1946_كركوك

بكولوريوس علوم_جامعة بغداد

مدرس الفيزياء 1973_1989

المشاركة في عدة مؤتمرات وندوات

كتابات في صحف ومجلات مختلفة

عضو اتحاد الصناعات العراقي

عضو نقابة الصحفيين العراقيين

عضو جمعية القوش الثقافية

عضو نادي القوش العائلي

ناشط سياسي منذ عام 1961

ولد سفرسنة 1946في مدينة الذهب الاسود كركوك في العراق . والد سفر كان موظفاً في شركة نفط العراق التي كانت تحت السيطرة البريطانية والكادر المتقدم والاداري من الانكليز . خدم فيها الوالد بوظيفة محاسب ولفترة ما يقارب 25 عاماً .
كانت العائلة تسكن في منطقة واحدة مع الانكليز كما كنا بحكم هذه ألجيرة دائمى الاختلاط معهم وألألتقاء بهم في الشارع وفي المحلات العامة وخاصة في السوق المسماة ( كانتين) وهو مجمع لبيع المواد الغذائية يرتاده جميع منتسبى شركة ألنفط ألبريطانية عراقيين وأجانب .

انتقلت العائلة الى القوش شمال الموصل شتاء 1958 واستقرت حتى يومنا هذا . سفر طالب في المدرسة كل شيْ جميل وهادئ , حتى جاء مطلع 1963 شهر شباط فبدأت بانقلاب عسكري قتل فيه عبد الكريم قاسم وتسلم السلطة عبد السلام عارف اليميني المتطرف . عم الارهاب والفوضى والقتل وسفك الدماء واغتصاب الاعراض. والسجون اكتظت بالنزلاء .

كان هدف البعث اجتثاث اليسار من جذوره في العراق ولكن القوة والبطش لم تستطيعا اخماد الفكر التقدمي وان كان قد نجحا في اضعافه لفترات في ظل الارهاب والقمع , ولكن الشعوب وفي مقدمتها الشعب العراقي تواق للحرية والديمقراطية .

استهل البعث حكمه باكبر حملة للاعدامات ومارسو ابشع اساليب التعذيب في السجون ونتيجة لذلك التجأ الاف المواطنين للاحتماء بالجبال ومن ضمنهم والدي واخي سفر الذي كان عمره 17 عاماً طالب في الاعدادية كان اصغر بيشمركا عمرا , في الليل يعودون احياناً الى البيت ويمكثون حتى الخامسة صباحاً ويتزودون بالطعام الذي هو الخبز , والجبن اكثر الاحيان , وينسحبون بعدها الى الكهوف الجبلية او الى قرية للاكراد من مربى الاغنام فيها كهوف ايضاً ومنبع للمياه واشجار كثيرة يمكن الاختفاء بينها في حالة الضرورة .

في السابع والعشرين من تموز 1963 , وفي الثانية بعد منتصف الليل , ونحن نغط في النوم ليلة صيفية واذ بوالدتي تنادي باعلى صوتها وهي فزعة : انهضو بسرعة فها هو الحرس القومي قادم الينا. بدت من فوق السطح اضواء العشرات من السيارات القادمة ترافقها الدبابات والمصفحات . كنا نسمع اصواتها بوضوح . كان اخي سفر مختف ذلك اليوم في البيت , وبسرعة فائقة ساعدت والدتي اخي سفر في الوثوب الى الجيران من السطح ” الخالة راحي “. كانوا متضامنين معنا , فاخفوه عندهم ولم نجد الفرصة للنزول من السطح فقد وجدنا اولئك المجرمين “الحرس القومي “قد تسلقوا جدران المنزل لنتفاجأ بعدد منهم فوق رؤوسنا ونحن في ملابس النوم . والقسم الاخر يرفسون الباب الرئيسية باقدامهم بقوة ووحشية . هرعت والدتي لفتح الباب لاولئك البرابرة واندفعوا وفوهات البنادق مصوبة نحوها ولعل ما اوقفهم عن الاعتداء عليها هو منظرها وهي حامل في الاشهر الخيرة . سألها احدهم أين زوجك ؟ قالت لقد غادرنا منذ اشهر ولم يعد ولا اعرف عنه شيئا. لم يفسحوا امامها مجالا للكلام او التفكير . لم يمهلها اولئك الاوغاد اكثر من عشرة دقائق ( وكان عددهم اكثر من ثلاثين عنصرا) امروا والدتي تحت تهديد السلاح بمغادرة البيت بصحبة اطفالها . كنا على السطح والبنادق موجهة صوبنا لا ندري هل يريدوننا ان نبقى على السطح ام نغادره . سمعنا صوت والدتي تنادينا وتحثنا على النزول والخروج من البيت . فلم نستطيع حتى لملمة المنامات من على السطح او ارتداء ملابسنا واحذيتنا . سارت بنا والدتي في ذلك الليل تتثاقل في مشيتها بسبب الحمل وتوجهنا الى احد الاديرة وكان يتصدر قمة الجبل دير الربان هرمز القريب من القرية ولا يتجرأ الحرس القومي على الوصول اليه ,

كانت والدتي تسير ببطء شديد وتتوقف احيانا كثيرة , بينما كنت احمل اختي انصار وعمرها سنتان . كانت والدتي قلقة على اخي سفر الذي اخفيناه عند الجيران ونخشى ان يكون الحرس القومي قد اكتشفوا مخبأه . بدأت تبكي وتنوح وتلوم نفسها على ترك اخي هناك . اصوات طلقات الدبابت والمدفعية بدأت تهز الجبل , بعملية الهدف منها تمشيطه ليتسنى للمشاة من الحرس القومي تسلقه . لم نعد ندري ماذا سيحل بنا ؛ نلتصق بالارض حين سماعنا اصوات الانفجارات وبعدها نمشي رويدا لنحتمي وراء صخرة . كنا ستة اطفال مع والدتي اكبرهم انا وعمري ثلاثة عشر عام واصغرنا اختي انصار احملها على كتفي.

بدأ شعاع الشمس الاول يتسلل ونحن نواصل الصعود . انها عملية غاية في الصعوبة فكنا نتدحرج تارة , ونسقط فوق الاشواك تارة اخرى , ونبحث عن قطرة ماء تروي عطشنا . والدتي تحاول اسكات اخوتي الذين يصرخون من الجوع والالم والعطش , تهددهم بان الحرس القومي سيسمعهم وسيقضي عليهم اذا لم يلوذوا بالصمت , بعد طلوع النهار بفترة وصلنا الى كهف امين يختفي مدخله وراء الصخور وهو بعيد عن مرمى المدفعية . ويسمى “كافا سموقا” وبعيدا عن مرمى المدفعية . جلسنا في الكهف حوالي ساعة , كانت استراحة ضرورية لكن لابد ان نواصل الصعود فقد يداهمنا الحرس القومي في اية لحظة , رغم ان الانهاك كان قد نال منا جميعاً , لكن الخوف كان يعطينا دفعاً قوياً للاستمرار . وصلنا قمة الجبل في الثانية بعد الظهر مسيرة استغرقت اكثر من اكثر من اثنتي عشرة ساعة , احرقتنا الشمس باشعتها اللاهبة فوصلنا حافة الانهيار التام ولكننا ونحن هناك شعرنا بالاطمئنان لاننا ابتعدنا عن خطر الملاحقة , ارتمينا على الارض فانعشنا الهواء البارد في اعالي الجبل . لكن شفاهنا كانت عطشى الى قطرات من الماء .

بدأت المدفعية تقصف من جديد , فنهضنا بسرعة نبحث عن اتجاه او مكان مناسب واذا بشخصين يركضان نحونا . فرحنا لاننا عرفنا انهم من جماعة البيشمركة وركضنا نحن ايضا باتجاههم . من بعيد استطعنا تمييز احدهما فهو ابن خالتي صباح توماس والاخر حبيب تومي . فرحنا لتلك المفاجأة السارة ، كانت لا توصف . كانت معه مطارتان من الماء , تآلمنا لمنظر والدتي واشفقوا علي وانا حاملة اختي , وعلى وضع اخوتي العطاشى . بعد ان ارتوينا قليلاً واصلنا المسيرة لنبتعد عن الخطر الماثل امامنا وهو القصف المدفعي المتواصل الذي يستهدف تلك القمم, يحثنا على الاستمرار هو امل اللقاء بوالدي , سآل صباح اين اخي سفر ؟ اخبرته والدتي القصة وهي تذرف الدموع معبرة عن قلقها العميق على مصيره . بدآ صباح يهدىْ من روع والدتي , انه شاب شجاع يتقد ذكاءاً وحيوية لم يكن عمره يتجاوز 20 عاماً انذاك . واصلنا السير والتحدث حتى الرابعة ظهراً . سرنا باتجاه قرية كردية بيرموس دخلناها في السادسة مساءا , وتوجهنا الى دار الشهيد امين عبي اذ يعيش مع والديه . على الفور سقونا ماء اللبن وقدموا معه قطعاً من الخبز , وهذا ما يتبعه الاكراد حين تصادفهم حالات ضربة الشمس او التعرض لها فترات طويلة , ثم هيئوا لنا الطعام بسرعة فائقة , لبن وخبز مع الشاي , ( تتوفر الالبان والاجبان بكثرة عند اولئك القوم لانهم يمتلكون قطعانا من الماشية ) , لم نكن نفهم اللغة الكردية لذا كنا نستعمل لغة الاشارات . غادرنا صباح ليخبر والدي الذي لم يكن بعيداً عن تلك القرية بقدومنا , ثم عاد وهو بصحبته , بحدود العاشرة مساءاً نظر الينا والدي بانفعال شديد وهاله منظرنا . انضم الينا هناك . كان اهل القرية يتبعون نمطا جديدا للحياة بعد تلك الاحداث , يبكرون منذ الخامسة صباحاً ليغادروها الى الكهوف القريبة خوفاً من قصف الطائرات المقاتلة التي تقوم بمسح المنطقة يومياً وكلما اكتشفت قرية مآ هولة تقوم بقصفها وتدميرها على رآس من فيها . عند حلول الظلام يعود الجميع الى القرية لاعداد الطعام وغسل الملابس ويبدآ العمل من الساعة السابعة حتى الحادية عشر مساء فتبدو القرية كخلية النحل مليئة بالحيوية والنشاط.

جهزونا بمستلزمات النوم ولكن المشكلة التي كانت تواجهنا هي ان والدتي على ابواب الولادة ولا يتوفر لديها ما تستطيع ان تحفظ فيه الطفل الصغير من ملابس وحافظات , كما لا تمتلك النقود لشرائها . اخذت منظمة البيشمركة للانصار تساعدنا بعض الشيْ , فقدموا لنا النقود لشراء المواد الغذائية الضرورية لنا , كما ارسلت والدتي المتبقي منها مع امرآة كردية لتشتري بضعة امتار من القماش من دهوك , لخياطة ملاءات وحافظات للطفل القادم , وانشغلت طوال الوقت مع والدتي في خياطة ملابس الوليد المرتقب .

توجه ابن خالتي صباح ليلاً الى دارنا للبحث عن اخي سفر واستصحابه معه . كنا قلقين جداً خلال محاولته تلك , لكنه عاد ومعه شقيقي , وكانت فرحة ان تجتمع العائلة وتجد اخي سالماً معافى . اخبرنا اخي ان الحرس القومي سرقوا كلما وقعت عليه ايديهم ووضعوا المواد الغذائية في حديقة الدار وخلطوها جميعا : الرز مع البرغل , الطحين مع السكر مع الزيت وسكبوا فوقها النفط حتى لا يكون بوسعنا الاستفادة منها مطلقاً . كذلك استولوا على مبلغ من النقود مع القليل من الذهب الذين كانا في البيت حين مغادرتنا له وفي نفس اليوم صودرت الدار واقفلت بالشمع الاحمر ومنعوا اياً كان من دخولها , عند سماع والدي لتلك المنغصات لم يآبه لها . وقال ان ذلك لا يثنينا عن عزمنا لمواصلة النضال ولم تكن والدتي اقل اصراراً على تحدي البعثيين وتحملت كل الصعاب لتحافظ على وتيرة الارادة الصلبة لدى زوجها واطفالها .

لم ينقض الاسبوع الاول على وجودنا هناك واذا بالطائرات الحربية تحلق فوق رؤوسنا . كنا في تلك الكهوف اكثر من عشرة عوائل , القت الطائرات قنابلها الحارقة فشب الحريق على طوال المسافة وعزل تلك النار ببطانيات وضعها فوق النار المواجهة لداخل الكهف , ونودي على الاطفال والنساء للخروج من الكهف , لكن والدتي لم تستطيع التحرك فبقيت هناك مع امرآة طاعنة في السن , وبدآت اسمع صوت استغاثة والدتي وهي تقول : ان النيران ستلتهمني وسوف يخنقني الدخان . بدآنا نصرخ ونولول : انقذوا والدتنا ! وبسرعة رهيبة اخترق شاب ذلك اللهب والدخان واطبق على يد والدتي وسحبها . فخرجت قطعة من السواد . اوشكت ان تفقد وعيها . لكنها صرخت باعلى صوتها اين اولادي؟ في الوقت الذي كنا محيطين بها . اذ كانت وجوهنا واجسامنا مغطاة بالسواد . وما ان هدآ روعها قليلاً حتى بدآت تفصح عن مخاوفها بشآن الطفل الذي في بطنها . خالة فهيمة تشجعها وترفع من معنوياتها قائلة : طفلك سليم سيحفظه الله رغم انف البعثيين ! انحدرنا صوب عين قريبة للاغتسال والتخلص من أثار النار والدخان وطبقات من السخام تغطي معالمنا . ولعدم وجود صابون او منظفات , استعملنا الحشائش كعادة الاكراد في مثل تلك الاحوال لكن المشكلة الاكثر صعوبة كانت مشكلة والدتي التي ستضع مولودها في الايام القادمة .

هذه هي مقتطفات من التاريخ النضالي لاخي سفر وعائلته . انتخبوه فهو الذي عانى من الظلم والغبن والقهر انه يحس الالام الناس المغبونين والمظلومين , هؤلاء هم من يدافعون عن الحق والعدالة لكل مواطن عراقي بغض النظر عن خلفيته الدينية او القومية اوالسياسية . كلنا عراقيون ولارض الرافدين ننتمي .

اواسط شباط 2010