الرئيسية » دراسات » كورد آذربيجان (الحلقة الأولى)

كورد آذربيجان (الحلقة الأولى)

كتبت فيما مضى عن الكورد في كل من كازاخستان وقرغيستان و أوزبكستان و تركمنستان, ربما تكون هناك بعض النواقص في الكتابة وعلمنا بأن مصدر الكورد ووجودهم في تلك الدول كانت نتيجة للهجرات القسرية؛ أما في أذربيجان فالأمر مختلف تماماً. و لنبدأ أولا بشرح عن الدولة الأذربيجانية.

يطلق الآذربيجانيون على وطنهم اسم بلد النار؛ وذلك بسبب الشرارات النارية المنبعثة من أماكن متفرقة فيها الغاز والنفط كالتلال و الجبال وغيرها.

حصلت جمهورية أذربيجان على استقلا لها في 30 من آب عام 1991م من روسيا الفيدرالية، أي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. حيث لم تكن هي الدولة الوحيدة التي نالت استقلالها بعد زوال دولة العمال والفلاحين.

يبلغ عدد سكانها حوالي 8 ملايين حسب تقديرات عام 2001م، وتبلغ مساحتها بالكيلومترات المربعة 86.6 ألف، ونظام الحكم فيها جمهوري. فأول رئيس للجمهورية بعد الاستقلال كان حيدر عالييف من أصل كردي (تحديداً من إقليم نقشوان أو نخشوان) تولى زمام الحكم بعد وفاته ابنه الوريث إلهام عالييف حيدروفيتش (للأسف فهو معاد للكورد وأي شيء يتعلق بهم؛ حيث يرفض كلمة كوردستان رفضا قاطعا).

تحد أذربيجان من الغرب أرمينيا، ومن الشمال روسيا الفيدرالية ومن الشمال الغربي تحدها جمهورية جورجيا، ومن الجنوب تحدها إيران، ومن الجنوب الغربي تحدها تركيا ومن الشرق بحر قزوين المغلق .

الطابع القومي للسكان:

طبعاً أغلبية ساحقة هم أذريين. أي حوالي 70%، مع العلم أن الإحصائيات الحكومية تعد نسبة الأذريين بأكثر من 90 % (فهذه مبالغة فيها). وبحكم المستحيل أن تكون أية جمهورية سوفيتية سابقة نسبة سكانها الأصليين تصل إلى الـ 90% لا بد من تواجد أقوام أخرى كالكورد (وبكثافة أكثر من البقية)، والتتر واللاز والجورجيين والتيليشيين والتات واليهود و روس و أوكرانيون و ألمان وغيرهم. وعلى أكبر تقدير يمكن القول أن نسبة الآذريين هي حوالي 70% حسب تقديراتي (كاتب). وليس خافيا على أحد أن الكثيرين من الكورد قد انصهروا في البوتقة الآذرية. وحسب الصحفي السيد رؤوف عارف أوغلو رئيس تحرير “آيني موسافات”, بأن معظم الكورد يشغلون المناصب العليا في أذربيجان ابتداء من الرئيس ومرورا بالجنرالات والوزارات وغيرها من مرافق الدولة: “فعلينا أن ننبه الأذريين حتى لا نترك وطننا بيد الكورد”. ويأكد في تصريحه هذا بأن رئيس الحرس الجمهوري (وهو جنرال) كوردي، ويجزم أن غالبية القياديين في الدولة هم من أصل كوردي.

لمحة عن الازربيجان :
كانت أذربيجان حتى عام 1918م تابعة لروسيا القيصرية، وفي عام 1918م انفصلت كجمهورية ذات سيادة عن روسيا القيصرية وانضمت من تلقاء نفسها إلى الاتحاد السوفيتي. تم الاعتراف بها وبأرمينيا وبجورجيا بشكل رسمي من قبل الاتحاد السوفيتي كفدرالية قفقاس بدءا من عام 1920م إلى 1922م. و في عام 1936م لم يعد وجود لهذه الفدرالية فاعتبرن جمهوريات ذات سيادة ضمن الاتحاد السوفيتي، وبقيت على هذه الحال إلى انهيار الاتحاد السوفيتي. فهي تحتفل كل عام في الثامن عشر من أكتوبر بعيد استقلالها.

توجد منطقتين ذات الحكم الذاتي ضمن أذربيجان وهما نقشوان- و ناغورني كاراباخ. وفي حوادث عام 1988م ضمت ناغورني كاراباخ وبعض أجزاء نقشوان إلى أرمينا، بالرغم من تواجدها على مبعدة من الحدود مع أرمينيا. جدير ذكره هنا أن معظم الأراضي التي كانت ضمن كوردستان الحمراء تقع ضمن الأراضي الأرمنية، إلا أن بعضا منها ضمت إلى أذربيجان. حيث احتل الجيش الأرمني كل المناطق التالية: في 17 أيار عام 1992م احتل لاجين، وفي 12 نيسان عام 1993م احتل كلبجار، وفي 31 آب من العام نفسه احتل كوباتلي وفي 29 اكتوبر منه احتل زنغيلان. كما نرى أن مناطق كوردستان الحمراء تكاد تكون برمتها تحت السيطرة الأرمنية؛ حيث لاذ الآذريون بدون مقاومة، في حين كانوا ضد تأسيس كوردستان الحمراء خلال أعوام 1923 – 1929م والتي زالت عن الوجود بسبب تركيا الكمالية وامتدادهم في أذربيجان أمثال مير جعفر باقيروف الذي كان أشد مناهض للكورد حينها. فتغير الاسم من كوردستان الحمراء إلى إقليم نقشوان. عندما احتل الأرمن تلك المناطق، اضطر الكورد أيضا إلى إخلائها؛ لكونهم كانوا مع الأذريين في حربهم ضد الأرمن، للأسف هنا لم يفد الكورد الرئيس من الأصل الكوردي بشيء، بل عمل ومن بعده وريثه على صهر الكورد في القومية الآذرية.

نرى الآن هذه المناطق تفقد شرعيتها الكوردية وتصبح آذرية وأرمنية؛ بينما فيما مضى كانت تابعة للدولة الحسنكية والشدادية والتي كانت امتداداتها تصل إلى عمق كوردستان غربا وجنوبا. ومن المؤسف أيضا أن هؤلاء الكورد المتواجدون في المراكز العليا من الدولة الآذرية، أنفسهم يسرّعون من عملية تصهير الكورد في القومية الآذرية، غير مبالين بالتاريخ عما جرى ويجري للكورد في تركيا الكمالية، وكذلك في سوريا والعراق البعثيتين.

طبيعي أن لا يُحاربَ العنصر الكوردي من قبل القومية السائدة حاليا، ولكنها بعد حين ستزيح هؤلاء من الأصول الكوردية عن مراكزهم، وسيحاربون أشد محاربة. فالنقاء العرقي لدى الشوفينيين لا يقف عند حد نسيان اللغة فحسب، بل يتعدى في بعض الأحيان إلى التصفيات الجسدية أيضا.

إهمال الجانب القومي في هذه الحالات يكون وبالا على الأجيال القادمة، كما حصل مع الكورد في كل من إيران وتركيا والعراق وسوريا. نحن أبناء الكورد ندفع إهمال الأجداد الآن وبشكل يندب له الضمير. سأروي، هنا، حادثة كمثال والحالات المشابهة كثيرة جدا، روى لي السيد ساري حسين وهو كوردي من أذربيجان: أنه عندما جرى الإحصاء من أجل تعداد السكان وفرز القوميات المتواجدة على أراضها، قلت لموظف الإحصاء: أنا كوردي مسلم من أذربيجان. فغضب الموظف وسجلني كإنسان أذربيجاني، بالرغم من اعتراضي عليه. هذه عينة لإخفائهم العدد الهائل من الكورد المتواجدين على الأراضي الكوردية المنضمة إلى أذربيجان (أجزاء كردستان الحمراء) بالإضافة إلى المتناثرين في أنحاء الجمهورية.

فالصهر القومي والقسري الذي جرى لكورد ما يعرف اليوم بكورد أذربيجان مروع جدا؛ حيث كان عددهم إبان كردستان الحمراء عام 1920م في إقليم نقشوان الحالية أكثر من ثلاثمائة وعشرين ألف (حسب إحصائيات تلك الفترة)؛ في حين لا يتعدى عددهم في الوقت الحالي مائة كردي!

لنا لقاء آخر في الحديث عن كرد أذربيجان.
———————————————–
الدكتور محمد أحمد برازي
آلماتا – كازاخستان
Zurkurd007@yahoo.com