الرئيسية » مقالات » التكنولوجية النووية والأمن المشترك –

التكنولوجية النووية والأمن المشترك –

الأسلحة النووية وحماية الأمن القومي

“لقد زرع إنسان الألفية الثالثة الهول والمآسي في قلب كوكبنا الأرضي الوادع…. حتى أدماه …متذرعًا باسم المعرفة او العلم أو المادة … حتى غدت الأرض… عبارة عن تجمعات أمنية لوحوش بشرية يريد كلّ منها تحقيق أمنه الذاتي من خلال نزع الأمن عن بقية البشر ….ومن خلال السيطرة والامتلاك …مدخلا الشعوب في خرم سلطته العمياء” أدونيس

خرافة الأمن القومي[1]
إن أخشى ما يُمكِن أن نَخشَاه فِي عصرنا هذا هو اندلاع حرب نووية، وهي من أشد الأمور مأساوية لأنّها تنذر بكارثة إنسانية حقيقية، وأزمة كوكبيَّةٍ شاملة، تطال كافة وجوه معاش الكائنات، وآثارها المدمرة تتجاوز كل ما يمكن أن يتوقعه الباحثون، سواء على الجانب الصحي أم البيئي أم الاجتماعي ام الاقتصادي ناهيك عن الآثار التي تصنف بأنها غير ماديّة غير أنَّها لا تَقُل خطورة عن سابِقَاتِهَا وَهي الآثار النّفسِيَّة والرّوحية التي من شَأنِهَا أن تكون “نِمسيسًا”[2] يولّد البلايا وبئس عقبى الدّار.

ولعل اجتماعات ما يعرف بِمجلس الأمن[3] عجزت عن ضبط الأمور النووية – وهو بالمناسبة عجز حتمي كون الأعضاء الخمسة للدول الكبرى هم مُلاك الأسلحة – وهي اجتماعات فولكلورية جوفَاء أعجز من ان تسمح بالتوصل إلى مرحلة يصبح فيها كوكب الأرض بكامله منْزوع من السلاح النووي، و لم يعد بامكان الساسة التقليديين منهم التوصل الى صيغة تَحدّ من الأضرار الكامنة والمتوقعة من جراء حيازة هذه الأسلحة الفتَّاكة هنا وهناك، بذريعة ما يعرف بالأمن القومي.

فالدول العظمى مَنحت نفسها حقّ اقتناء السلاح النووي، وحرّمته على غيرها- لَيس من أجل الحدّ من الحروب بل لابقاء الدول الاخرى تحت عصَا قنابلها وسلطتها-، فيما تسعى الدول “الإقليمية” عن طريق المراوغة والعمل سرًّا وعلانية الى امتلاك هذا السلاح بذريعة حماية “أمنها القومي” .

ونَجد ان معظم السجالات تنصب حول المزايا والأولويات لـ”الثوابت” الاقتصادية والتكنولوجية” المتحققة من مفاعلات النووية المُعدّة للأغراض “السلمية” و هي امور في معظمها تحقق ايجابيات قصيرة المدى، غير أن المعضلات الحقيقية الكبرى تكمن فيما يمكن ان يحصل عن انفلات هذه التكنولوجية من عقالها و ماذا سيحصل على المدى البعيد فيما لو تحكم غير العقلاء في تكنولوجية كتلك ؟؟؟
إن حقيقة المشكل يكمن في بنية العلاقات المعقدة للشعوب نفسها والأجدى بنا ان نسأل أنفسنا : ما هي جدوى المفاعلات النووية وعملها؟ وما هي الآثار البعيدة المدى المتحققة ؟ وكيف يمكن لكوكب الأرض أن يعيش بسلام في ظل اعمال تضر بالبيئة والبشر؟؟؟ وذلك بدلا من ان نسأل أنفسنا : من يحق له اقتناء التكنولوجية النووية ومن لا يحق له؟؟؟

حول تلك الاشكالية يشير جان ماري مولر[4] إلى انه: [ طوال فترة الحرب الباردة كلِّها، أكد إيديولوجيو الردع النووي أن “توازن الرعب” هو أفضل ضمان لأمن الشعوب وللسلام العالمي. وحين كان يشكَّك في منطق سباق التسلح النووي، بتبيان أنه من غير المنطقي المجازفة بتدمير النفس في سبيل الدفاع عنها، سرعان ما كان يكال الاتهامُ بالـ”مُسالَمة”، أي بالانهزامية والخيانة. وحين كان يؤكَّد أن العمل اللاعنفي هو الطريقة المثلى التي تتيح لمُواطِني البلدان الشرقية مقاومةَ الاستبداد التوتاليتاري، كان لا بدَّ من مجابهة التشكيك الساخر للـ”واقعيين”.

إن سقوط جدار برلين قد حرض تغييرًا جذريًّا في المشهد الإستراتيجي الدولي. وهذا ما يجبر الحكومات على إعادة تعريف الرهانات السياسية والدبلوماسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية لخياراتها المتخَذة في مجال الدفاع.

غير أن المصادرة التي تقوم عليها العقائدُ الدفاعية التي تجهر بها الدولُ المالكة للسلاح النووي ما تزال هي هي: مازال الردعُ النووي الضمانَ الأخير ضد تهديد المصالح الحيوية لكلٍّ من هذه الدول، وما انفك عاملاً حاسمًا في الحفاظ على السلام في العالم. مذْ ذاك، يؤكد المسؤولون العسكريون والسياسيون أن الردع النووي يحتفظ بضرورته المُلِحَّة. ولهذا فهم لا يقولون ما هي السيناريوهات الإستراتيجية التي يُمكن لهم ضمنها النظر في استخدام السلاح النووي – لأن التهديد الفعلي هو بالضرورة خطر هذا الاستخدام. مع ذلك، فالصمت عن هذه السيناريوهات يعني الانحباس في بلاغة مجردة، تقوم أساسًا على فكرة بالية عن العظَمة القومية.]


وغالبا ما ينزع الساسيين والعسكريين على حد سواء، إلى إدراك كل قضايا الدفاع كقضايا تكنولوجية بحتة متغاضين عن كل الاعتبارات العقلية والروحية والنفسية والاعتبارات الأخرى المكونة للكائن الإنساني، أضف الى ذلك فإن شؤون الأمن والدفاع تدرس من خلال،”كتل النفوذ”[5] ، ومن خلال “الأفعال وردودها”، ومن خلال مبدأ “الخلاء السياسي” هي كلها تضع الإنسان في محور الآلة ودائرتها.

كما أن الصورة الجديدة عقب سقوط جدار برلين نزع “الحجة ” التي كانت تتذرع بها الدول لحماية أمنها، وهنا نجد أن الفكر الإستراتيجي في مأزق مفاهيمي حرج وهو أمر كاف لنزع أية شرعية عن اي سلاح مدمر .

إن التفكير العسكري التقليدي يعتبر أن خير حل للنزاعات يتمثل في التدخل التكنولوجي ولا يأخذ بالحسبان الكمون الذاتي التنظيم للناس والأمم .
أما السياسيين فإنه يتغاضون عن علل النزاع وأسبابه الحقيقية مركزين بدلاً من ذلك على السيرورات الخارجية؛ على الأفعال المرئية للعنف الفردي، بدلاً من العنف المؤسَّسي المنظَّم الخفي الذي يشرفون عليه بأنفسهم .

الأمن المشترك رؤية بديلة

ويطرح مولر بوصفه مفكر لاعنفي على الساسة فكرة بديلة عن الأمن القومي وهي “الأمن المشترك”[6] :وهذا الأمن لا يقوم على اعتبار الخصم صديقًا ولا يتأسس على ثقة متبادلة، بل يتكئ على واقع أن خصمنا يحتاج لأن يكون في أمان بقدر ما نحتاج لذلك نحن وأن لنا جميعًا، فيما يتعدى ارتياباتنا المتبادلة، المصلحةَ الحيوية نفسها في تأمين دفاعنا بوسائل لا تنطوي على خطر تدمير أنفسنا معًا.

ضمن هذا المنظور، لا يعود الأمن المشترك يقودنا إلى إقامة دفاعنا على أعمال ردع “عدوانية”، بل “دفاعية”. لم تعد المسألة هي الردع بتهديد الخصم بأعمال تدمير غير مقبولة، بل بإقناعه بأن وسائل دفاعنا ستحبط كلَّ محاولة عدوان من جانبه وبأن مشروعه سيُكتَب له كل نصيب بأن يبوء بالفشل. بذا فإن ردعًا كهذا يتيح لصنَّاع القرار السياسيين التمسكَ بـ”وضعية دفاعية” لا يمكن لها أن تثير أيَّ خوف لدى الخصم مادام لا يتجاوز حدوده. مذْ ذاك، إذا اتفق لأزمة سياسية أن تطرأ، فإن الدولتين المتنافستين ستجدان نفسيهما في وضع إستراتيجي يسهِّل كثيرًا إبقاء النزاع في الميدان الدبلوماسي حيث ينبغي إيجاد حلٍّ له. يمكن تصور أشكال بعينها من الدفاع المسلح من شأنها أن تتيح تنظيم قوة ردع دفاعية؛ لكن الدفاع المدني اللاعنفي هو الأنسب قطعًا لبلوغ هدف الأمن المشترك. ”

إن غالبية السياسيين الساحقة تتعامل من هذا المنطلق أنه بوسعنا أن نزيد من أمننا بأن نجعل الآخرين يحسون بعدم الأمن. ولَمَّا كانت التهديدات التي تقوم بها أسلحة اليوم النووية تنذر بإبادة الحياة على الكوكب، فإن التفكير الجديد حول السلام يجب أن يكون بالضرورة تفكيراً شاملاً. لقد ولَّى زمان مفهوم الأمن القومي برمَّته في العصر النووي، ولم يعد في الوسع الآن القبول بأقل من الأمن العالمي.

إن فقدان التوازن الذي الذي نعانيه خطير. وإن من أقسى عواقب هذا الخلل في التوازن خطر الحرب النووية المتصاعد، الناجم عن إفراط في التشديد على توكيد الذات والسيطرة والنفوذ، والتنافس المفرط، والهوس المرضي بـ”الانتصار” في وضع فقد فيه مفهوم الانتصار برمته معناه، لأن الحرب النووية لا منتصر فيها.

إذن إن الأمر يحتاج بالدرجة الأولى وقبل كل شيئ إلى انقلاب عميق في القيم والأفكار والعمل السياسي والمؤسسات على مستوى دول العالم كافّة ، إن علماء الإستراتيجية يعتبرون ان معيار تحقق السلام هو في غياب الحروب، وهذ مدلولا ليس دقيقًا لأن هناك صراعات كامنة دائمة وهي كالنار تحت الرماد، فالأسباب والأدوات المؤدية الى حروب طاحنة متوافرة في ظل غياب دائم للعدالة الدولية وفي ظل انتشار الأسلحة المادية، وفي ظل تكريس حاد للاختلافات والنزاعات الثقافية والفكرية

إن المقاربة الكلانية إلى السلام تقوم إلى حد كبير على إيجاد طرق صحيّة، غير عنفيّة، لحل النِزَاعات؛ نظرة نابعة من أن أمن الإنسان لايتحقق إن سلب الآخرين منه وانه ككائن جزء من الكون ومن البيئة الطبيعية ، وينبغي عليه ان ينسجم معها، ويحقق من خلالها التوازن البيئي والصحي، وهذا يعني، تنمية نظرة شاملة إلى شبكة النماذج الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تنشأ عنها النزاعات والصراعات المؤدية للحروب .

إننا نحتاج إلى قراءة كوكبنا الأرضي وتفاعلنا معه بشكل يتجاوز كلّ القراءات السابقة، تكون قراءة متكاملة قائمة على المعرفة العلمية من جهة، وعلى الواقع من جهة وعلى الحدس والروح من جهة أخرى، إنه العلم الذي لا ينفصل عن الشعر والبحث الذي لا ينفصل عن الحب ، وهذه الرؤية قادرة على اختراق كافة انواع حدود الثقافات والقوميات والتواريخ والسياسات والديانات.

http://marwa-kreidieh.maktoobblog.com /
——————————————————————————–
[1] أنظر: ندرة اليازجي ، العنف واللاعنف في الطبيعة والانسان ، دمشق 2008، صفحة 55
وأيضا فريتجوف كوبرا في مقالته حول “الأمن القومي”
Fritjof Capra, National Insecurity, New Age Journal, March/April, 1988
جان- ماري مولِّر : قاموس اللاعنف – بترجمة : محمد علي عبد الجليل و مراجعة ديميتري أفييرينوس دمشق 2007– راجع العناوين : الأمن المشترك ص: 54 – الأسلحة النووية ص: 31 – العبر تسلح ص: 178

[2]كناية عن عواقب الفعل الشائن وان الانسان يحصد ما إياه يزرع
: Némésis -Nemesis في الميتولوجية اليونانية آلهة الثأر

[3]مجلس الأمن : أحد أجهزة الأمم المتحدة ويعتبر المسؤول عن حفظ السلام والأمن الدوليين طبقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. ولمجلس الأمن سلطة قانونية على حكومات الدول الأعضاء لذلك تعتبر قراراته ملزمة للدول الأعضاء المادة الرابعة من الميثاق، ويتكون المجلس من 15 عضوا ؛ منهم 5 أعضاء دائمين لهم “حق النقض ” الفيتو… والذي سأتناوله في عنوان لاحق .

[4]جان – ماري مولر قاموس اللاعنف- مرجع سابق – الأسلحة النووية – ص : 31

[5]لقد تناول ” Fritjof Capra ” بالتفصيل ، العودة المرجع السابق .

[6]جان ماري مولر – قاموس اللاعنف – الأمن المشترك – ص: 54