الرئيسية » مقالات » لماذا يحذّر العراقيون من عودة (حزب البعث) ؟! 1 من 2

لماذا يحذّر العراقيون من عودة (حزب البعث) ؟! 1 من 2

رغم التحسن الأمني العام نسبياً تزداد الحالة السياسية تعقيداً لجملة من العوامل الداخلية و الإقليمية و الدولية الفاعلة في العراق، ففيما تراوح العملية السياسية في البلاد رغم الجهود المبذولة، بسبب ما آلت اليه الأوضاع تحت حكم القوى الإسلامية المتصارعة المتبدلة التحالف، التي تعود في امورها المصيرية بدرجات متنوعة الى القرار الإيراني، مستندة في ذلك على الميليشيات المسلحة . . و التي اخذت تؤدي الى تطلّع الناس بشكل اوضح من السابق الى القوى الديمقراطية و العلمانية .
فإن تزايد حدة التوتر بين الحكم الإيراني النافذ بأساليب متنوعة في القرار السياسي العراقي، و بين الإدارة الأميركية التي تهيمن قواتها العسكرية على البلاد، اضافة الى تزايد التذمر من الدور الإيراني المتزايد في العراق و المنطقة و سط تدهور الأوضاع الأيرانية الداخلية ذاتها، التي قد تهدد بتزايد عنت حكومة نجاد المحافظة . . صارت كلها تؤدي بتقدير كثيرين الى احتمالات تصادم اميركي ـ ايراني لحسم ملفات عالقة او غير محلولة بعد، تصادم يسعى لجرّ العراق اليه .
و فيما يحاول الجانب الأميركي الأستعجال بخروج قواته المسلحة بسبب نفقاتها الفلكية، بانسحاب مشرّف يضمن مصالحه في العراق و المنطقة . . يصل الجميع الى مفترق طرق اوصلت اليه العملية السياسية بسيرها على آلية نظام المحاصصة الطائفي البالي، و الذي وصل بنتائجه و تطبيقاته الى ضرورة موالفته الطائفية بالأهداف الوطنية العامة ، الأمر الذي اذا اعاد اصطفاف القوى المتنفذة في صورته الظاهرة، فإنه في الواقع الجاري قد لايغيّر من واقع معادلة الصراع الطائفي الدموي كثيراً، و بوجود و دور الأميركان في البلاد .
و تحذّر اوساط واسعة من مغبة عودة الأدارة الأميركية الى الإعتماد (1) على حزب البعث الصدامي المنحل قانوناً ـ و الموجود في تجمعات متفرقة تحمل اسماء متعددة تستهدف العودة الى الحكم ـ . . للوقوف امام الخطر الإيراني. موظفة لذلك واجهات ( التسامح و ضرورة الوحدة الوطنية ) ، واعادة الأصطفاف الجارية تمهيداً للأنتخابات التشريعية في آذار المقبل ، و اثر اللقاءات المتنوعة المتزايدة حجماً و نوعاً لأطراف اميركية متنفذة، مع تجمعات البعث المنحل. خاصة بعد عودة قسم من كبار الضباط العسكريين و الأمنيين للنظام السابق و من موظفيه الكبار، الى وظائفهم و ادوارهم السابقة . .
سواءً كتوّابين في صف القوى (الشيعية) الحاكمة، او كموظفين بحماية الأجهزة الأميركية، بعد الفشل الكبير في تسمية و تنفيذ هيئة ” اجتثاث البعث ” ، الذي ادىّ ـ اضافة الى الخوف ـ الى اسراع عديد منهم (2) الى الأنضمام والتمترس باحدى التجمعات والأحزاب الجديدة التي نشأت على عجل عقب سقوط الدكتاتورية ، التي و جد قسم منها فيهم فرصته، لأنهم متسلحون بما جمعوا من اموال في العهد السابق. و ادى ذلك الى رفعهم راية الخلاف و تشديد الصراع العنيف من مواقع جديدة وبلغة جديدة، مواصلين حالة الفرقة على الأرضية الجديدة، للحفاظ على مصالحهم وامتيازاتهم في الواقع المستجد .
ان تصاعد الدور الإيراني في البلاد، و تزايد مخاطره و تزايد النهج المتعنت لحكومة احمدي نجاد هو الذي قد يدفع بالإدارة الأميركية الى العودة للأعتماد على البعث، و العودة الى نهج سابق لدوائر اميركية كانت تسعى لتغيير صدام بـ ( انقلاب قصر عسكري يطيح به و يبقي على مؤسساته، بعد ادخال بعض التحسينات عليها ) . . النهج الذي تجدد ليكون وفق ما انتجته مسيرة المحاصصة الطائفية ؛ تسويق حزب البعث مجدداً كممثل للـ (سنّه) هذه المرّة، و على اساس انه ( الحزب القوي مالك البلاد الذي لم يكسره احد من العراقيين ، وانما انكسر على يد الأحتلال و الذي بانكساره تسبب بقيام الفوضى التي تعيشها البلاد) على حد دعايات مجاميعه .
لقد سقط الدكتاتور و لم يدافع احد عن عرشه الكريه و صار ذلك حقيقة واقعة. وبسقوطه سقط هرم الدكتاتورية الشمولي الذي كبّل كلّ الشعب بدرجات متفاوتة وبشكل اخص الفئات الفقيرة بقيود و قيود، وتسبب بخسائر هائلة متنوعة بعد ان قهر وفرض ارادته على كل الفئات والمصالح وشوّه آلية اعمالها لتصب بمصلحته هو فقط، وادامة دكتاتوريته .
ان قلق الأوساط الواسعة و حذرها ذلك، يأتي مما لعبه ذلك الحزب في تخريب مصائر البلاد و شعبها باطيافه القومية و الدينية و المذهبية، واحزابه وقواه وشخصياته، التي عمل على اشعال الفتن بينها و على ضربها احداها بالأخرى . . والتي اجمعت مراراً على اسقاطه ومقاضاته، وقدّمت افواج الشهيدات والشهداء في ذلك السبيل، وراح مئات الآلاف قتلى ومعوقين بسبب حروبه المجنونة العدوانية والشوفينية وانتقامه من الشعب العراقي الذي لم يطيعه كما اراد .
و القائمة تطول و تطول ولاتنتهي، بعد ان ملئت الاف المجلدات و البحوث، و خاصة بعد بنائه مجتمع الخوف القائم على نظرته العنصرية للمجتمع، بأسم نظريته (القومية الأشتراكية) المبنية على تسخيره العنصري للدين و القومية، بعيدا عن الأصول الدينية السمحة و عن التآخي القومي. لتثبت السنين انه حزب مجهول اللوائح الداخلية ( كالنظام الداخلي، اهداف ثابتة ملموسة . . ) بل ان اهدافه اضافة الى التعكّز على الأيمانيات و الأماني المعروفة . .
تنبع من توظيفه اوضاع محلية لخدمة قوى اقليمية و دولية، وان قياداته مستعدة لكل الصفقات و للأنتقال سريعاً من قطب الى قطب معاكس له، مادام ذلك يوصلها للسلطة و يحقق لها منافع و مصالح، وهي اسوء من طبقّ قاعدة (الغاية تبرر الوسيلة) بخبث مدمّر لا محدود، و اعتمدت على موالفة الديماغوجيا السياسية بالأرهاب و التخويف . و نفّذت حاجات الإحتكارات النفطية الكبرى سواء في 8 شباط 1963 (راجع تصريحات علي صالح السعدي حينها ) او في تموز 1968 ( راجع مذكرات : عبد الرحمن عارف، طالب شبيب). الأمر الذي يلقي الضوء على علاقاته الطويلة و المجرّبة معها، القائمة على المنافع المتبادلة، التي شكّلت خِبَراً و تجارب اسست لأشعال الحرب العراقية ـ الإيرانية التي اشعلها صدام، و تسببت بخسائر هائلة في الأرواح و المعدات لدى الطرفين المتحاربين. الأمر الذي جعل من حزب البعث الصدامي اداة مجرّبة في الصراع مع النظام الإسلامي في ايران .
انها تحذر منه لأن دكتاتورية صدام الوحشية كانت ثمرته المرّة، كحزب وحيد حكم العراق منذ تأسيس الدولة العراقية، بعد ان استأثر بالسلطة وضرب القوى السياسية العراقية كلها من القومية العربية التقدمية والقومية الكردية بكل فصائلها، الى الحزب الشيوعي والقوى الديمقراطية واليسارية الى القوى الأسلامية ، وبأبشع الطرق واكثرها وحشية. وقام بخيانة القضايا العربية التي نادى بها ذاته : من القضية الفلسطينية وتمزيق حركة المقاومة وحقوق العرب الى حقوق العراقيين، باساليب ديماغوجية و بالصخب الأعلامي المدفوع . . مؤدياً الى تشويه القضايا العربية العادلة و النبيلة .
انها تحذر منه لأنه لحد الآن لم يقيّم ما قام به بحق الشعب العراقي بكل اطيافه و لم يعاقب من قام من اعضائه و قيادييه بجرائم كبرى لاتغتفر بحق العراقيين و شعوب المنطقة، بل و لم يستنكر كحزب ماقام به صدام تجاه اطقم من قيادات ذلك الحزب ذاته و كوادره بعد ان ابادهم . انه لم يستنكر دوره العربي و الإقليمي السابق الذي تسبب بضياع العراق بشعبه و بارضه و مياهه، بل ان تجمعاته ترفع رايات صدام المقبور، وتستخدم ذات الخطاب، الذي تدّعي فيه بأنها القيادة الشرعية للبلاد و انها تعمل من اجل عودة (الشرعية) ؟!! (يتبع)

12 / 2 / 2010 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. بعد ان اعتمدت عليه مراراً في عقود ماضية، و كان ابرزها : انقلاب 8 شباط الدموي عام 1963 ، انقلاب 17 تموز 1968 ، تدمير الحركة الكوردية في آذار عام 1975 ، اشعال الحرب العراقية ـ الإيرانية في ايلول 1980 . و يفسّر مراقبون ان العودة تلك تجري على غرار عودة الإدارة الأميركية مؤخراً الى التفاهم مع طالبان افغانستان . .
2. حيث تسبب ذلك بخلط المجرمين الكبار بأعضاء الحزب الصغار و المغرر بهم و الذين أُجبروا على الإنتماء اليه . .