الرئيسية » مقالات » الشهيد دهش الذي أدهش الجميع

الشهيد دهش الذي أدهش الجميع

عندما كنت في بغداد في عقد السبعينات من القرن الماضي ، وكنت اكثر الاحيانا اسافرفي نهاية كل اسبوع الى مدينتي خانقين وبسبب قربها عن العاصمة بغداد وذلك لزيارة اهلي واقربائي واصدقائي ، وفي احدى سفراتي جلست داخل السيارة الى جانب الشاب الوسيم ذو بشرة سمراء وشعر مكعكل ، بعد تبادل التحية ، دار الحديث فيما بيننا في البداية عن مدينة خانقين ومن الناحية الاجتماعية والثقافية لقد تبين من كلامه بانه معلم ومنقول الى خانقين ، ويريد اخذ المعلومات عن المدينة ، وثم تطور الحديث عن السياسة ولكني كنت احاول تغير الحديث بين الحين والاخر خوفا او حذرا ان يكون منتميا الى حزب البعث ، بعد ذلك تبين من كلامه بانه رجل مثقف ومهذب ، جلب انتباهي الى افكاره من خلال حديثه اي افكارنا كانت متقاربة ولو كان الحديث بيننا بحذر ، وبعد وصول السيارة في آخر المطاف الى المدينة ، ونزلنا من السيارة ، فطرحت عليه خدماتي حسب إمكانياتي كيف استطيع ان اقدم له عندما يقيم في خانقين ، وقلت له انا دائما التقي في المقهى (حسن الشل) واسم المقهى باسم صاحبه وهو والد الفنان جعفر حسن والمخرج ناصر حسن ودعت هذا الشاب بعد ان تعرفت عن اسمه ” دهش علوان دهش ” ومن سكنة مدينة بهرز .

واليوم التالي التقيت معه في المقهى المذكور ، وطلبت منه الجلوس ولكن لقد ادهشني عندما اردت لتعارفه على الاصدقائي الذين جالسين معي ، ولكن كانوا البعض يعرفونه في ايام دراسته في معهد المعلمين في بعقوبة ، في حينه احسست بانه ليس انسانا بعثيا ومن المحتمل ان يكون يساريا وماركسيا ، لان الجالسين معي اكثرهم كانوا اكثرهم من حملة الافكار الشيوعية ، وفعلا كان هكذا من مجاملته مع اصدقائي الجالسين ، واخيرا تبين بانه من احد الاعضاء البارزين والناشطين في الحزب الشيوعي العراقي .

تعمقت علاقتي معه طوال وجوده في خانقين ، واللقاءات المستمرة بيننا في كل زيارتي الى المدينة وزياراته الى مدينة بغداد العاصمة ، وكان يدور الحديث دائما وذو شجون بيننا حول الوضع السياسي في العراق وبالاخص حول تقويم الجبهة ، كنت المح له عن ضعف الجبهة ، وحزب البعث لا اعتقد ان يلتزم بعهوده ، لان له التاريخ الاسود والتجارب الكثيرة في هذا الحقل ، والامثلة كثيرة ومنها خيانته لاتفاقية 11 اذار عندما اتفق مع القيادات الكوردية انذاك ولم يتم تطبق بنود الاتفاقية ومحاولة عرقلتها ، وكيف لجات قيادات البعث للاغتيال المرحوم ملا مصطفى البارزاني بواسطة ما يسمى بعلماء الدين بعد ارسالهم الى زيارته .

وفي احدى زيارتي الى مدينتي خانقين ، لقد جاءني الشهيد (دهش) الى البيت وطلبت منه الدخول (الى البيت) رفض وسألته عن السبب وقال لي لا استطيع لان الوقت ليس مناسبا ، وطلب مني عدم التقاء معه في المدينة لظروف صعبة يمر به الحزب (يقصد الحزب الشيوعي) ومضايقات مستمرة لاعضاء الحزب واصدقائهم من قبل الاجهزة الامنية ، وبعد ذلك لم اشاهده في مدينة خانقين ، ولم التقي معه بعد انتقال قسري من خانقين الى مدينة بغداد العاصمة ، وعندما غيرت حكومة البعث سياستها اتجاه الجبهة .

ونتيجة للاحداث السياسية التي جرت في العراق عام 1978 واشتداد وتيرة الملاحقة الأمنية ضد كوادر وأنصار الحزب الشيوعي العراقي وضمن سلسلة الاعتقالات في مختلف أصقاع البلاد والتي طالت عشرات الالاف من الشيوعيين ومن مؤيديهم واصدقائهم . تمكن الشهيد ” دهش” من الافلات من ايدي الاجهزة الامنية والحزبية لحكومة البعث والاختفاء في بغداد بعد ان افلحت بمغادرة مدينة خانقين .

وفي احد ليالي الشتاء ونهاية السبعينات طرق باب شقتي وعندما فتحت الباب فوجدت امامي الشهيد دهش وانه ملثم بعد دخوله البيت فاخذ يتحدث عن ملاحقته من قبل الاجهزة الامنية ، بعد ان انفرطت حكومة البعث اتجاه الجبهة ، وبات الشهيد “دهش” تلك الليلة عندي وطلب مني عدم التحدث عن هذا اللقاء الى كان من يكون خوفا على حياته وحياتي ايضا ، وفي صباح الباكر ترك الشقة ، وهكذا كان يزورني بين الآونة والاخرى ولكن بطريقة سرية لمدة ستة او سبعة شهور بدون تحديد المواعيد اي يكون زياراته مفاجئة ، برغم كان يدور بيننا الحديث عن الظروف الصعبة لاعضاء الحزب الشيوعي العراقي في عموم العراق ، ولكن لم يكشف عن تحركاته ولقاءته وعن اقامته داخل مدينة بغداد او لم نتطرق الى ذلك . ولكن لقد تاخر زيارته الى الشقتي او باحرى انقطع نهائبا ، وكنت في حينه لا اعرف ما هو السبب إلا ان سمعت من بعض اصدقائنا ومقربين له عن اعتقاله بسبب نشاطه السياسي المستمر.

وكان لي شخصيا الشرف في التعارف على الشهيد “دهش” ، لان تاريخه ناصع ونظيف في سجله الخالد ، لانه كان مصّرا على مواقفه المبدئية الصادقة كشيوعي عتيق ومتشبث بمبادئه وأخلاقه الشيوعية ، وهي المبادئ التي لم يتخلِ عنها ، قيد أنملة ، وفي أصعب الظروف و أشدها وطأة و ضراوة وقهرا !.. هذا الإنسان النقي والمكافح الذي ضحى “أسوة بكثير من العراقيين” بكل غال و رخيص من أجل شعبه ووطنه ، وروت ارض العراق بدمائه .

حتى هذه اللحظة لم تكشف كيف استدل إليه ، لتقتاد إلى احد مراكز الأمن في بغداد ، ليبدأ التحقيق معه مستخدمين جميع الأساليب الوحشية وغير إنسانية على الإطلاق في محاولة منهم لانتزاع الاعترافات منه بقوة تحت أبشع أنواع التعذيب حول تنظيمات الحزب ومواقع رفاقه ، إلا أن الشهيد ” دهش ” الذي دهش الجميع ، أبدت وبكل صلابة وتحدي لا مثيل له في ان يقّر بشيء ما أو ان تكشف أية معلومة صغيرة كانت أم كبيرة تضّر برفاقه في الحزب الشيوعي إلى جلاديه الأوغاد .

وهكذا أفل نجم حياة شهيد (دهش) ومناضل شيوعي ضحى بنفسه في سبيل الشعب العراقي ، وبقي حياً في ذاكرتنا وضمير ابناء امته كرمز للتضحية والفداء من اجل قضية وطنه وأمته.