الرئيسية » مقالات » وأدركَ آفيفان الصباح

وأدركَ آفيفان الصباح

الليلة التاسعة والثلاثون بعد الخمس مئة: بلغني أيها الملك السعيد أنَّ ريس المركب لما صاحَ على الركاب: اطلبوا النجاة لأنفسكم، أسرعوا فمنهم مَنْ لحقَ بالمركب ومنهم مَنْ لم يلحقها، وقد تحركت تلك الجزيرة ونزلت إلى قرار البحر، وكنتُ أنا من جملة من تخلَّف في الجزيرة فغرقت في البحر مع جملة مَن غرق، لكن الله تعالى أنقذني ورزقني بقصعة خشب كبيرة فمسكتها بيدي وركبتها من حلاوة الروح ورفست في الماء برجلي والأمواج تلعب بي يمينا وشمالاً، وقد نشرَ الريِّس شراع المركب وسافر بالذين طلع بهم في المركب ولم يتلفت لمن غرق منهم، وما زلتُ أنظرُ إلى تلك المركب حتى خفيت عن عيني وأيقنت بالهلاك، ودخل علي الليل وأنا على هذه الحالة، ومكثتُ على ما أنا عليه يوماً وليلة، وقد ساعدني الريح والموج إلى أنْ رست بي تحت جزيرة عالية، ووجدتُ في رجلي ورماً وأثر أكل السمك في بطونهما، ولم أشعر بذلك من شدة ما كنتُ فيه من الكرب والتعب، وغبتُ عن وجودي إلى ثاني يوم، وطلعت الشمس عليَّ وبسبب رجلي الوارمتان فتارةً أزحف وتارةً أحبي، وكان في الجزيرة فواكه كثيرة وعيون الماء العذب، ولم أزل على هذه الحال أياماً وليالٍ وقد انتعشت روحي وقد عملتُ لي عكَّازاً من تلك الأشجار، والتقى سيِّاس الملك المهرجان…الخ.
الليلة الثالثة والستون بعد الخمس مئة: بلغني أيها الملك السعيد أنَّهُ لمَّا ” تَرَبَّعَ بدل رفو “حارس حقل السُّمَّاق” في قلب الحكاية، “نحو الأشجار، عِبرَ النهر”، هادئاً كما “بوذا الضواحي” يتأمل في زمن الأنفلونزا: ساعات الجدار التي أضربت عن الدوران، ولمَّا اقتربت سفينته من جزر الأدرياتيك، وصارَ الركّاب يشيرون إليها، ووقفَ قرب السارية، وفتحَ يديهِ معانقاً الريح كما فعلت كيت وينسليت، وارتطمتْ بأحد الصخور، ونزلتْ إلى الأعماق، وعامَ السندباد الكردي قليلاً فلحقَ بلوحٍ من أثاث السفينة الغارقة، وتعلَّق بهِ، وصارت الأمواج والرياح تلعبُ باللوح، يرفعه ويحطُّهُ وهو في أشدِّ ما يكون من المشقَّة والخوف والجوع والعطش، وصار يلعنُ اليوم الذي سَمِعَ فيه شعراً لأول مرة في حياته، وتراءَتْ له حياتهُ في شريط سينمائي قصير، وبدت أتعس أيَّام حياته سعيدة بالنسبة إلى ما يلقاه، راحت بعض الأسماك الصغيرة تنهشُهُ، حتى أنَّ بنطاله تمزق، وبدأ يشعر بوخزها، حاول أنْ يرفع جسمه فوق اللوح ليمتطيه هرباً من الأسماك الصغيرة، وتمدَّدَ على اللوح محتضناً إيَّاه لكم لم يحتضن أحداً قبله، وبسبب الجوع والخوف بدأت تتراءى له أسماك قرش تقترب منه، ولما تقترب أكثر يرى أنَّها أن أثاث السفينة الغارقة، هو الوحيد الذي أخذته الأمواج بعيداً، ولم يسمعه كلُّ من في زورق النجاة، ونسى الجميع أنَّ راكباً كان معهم اسمهُ بدل رفو، أمتعهم بقصائده في أمسيتين، لم يذكره أحد، ولم يرَ أحدٌ مكان الشاعر الذي صار شاغراً، بدأ الشاعر بدل رفو يلوم نفسه على جميع القصائد التي كتبها، وعلى الأمسيات والأسفار وقال لروحهِ:
يا سندباد يا كردي: أنتَ لم تَتُبْ، وكلُّ مرة تقاسي فيها الشدائد والتعب، ولم تتب عن سفر البحر ولا البر، وَزِدْتَ الطين بَلَّة فرحت تسافر جوا أيضاً، أبداً لم تتعلَّم أنَّ الحضور والغياب يتقاسمان الكتابة الكلام على التوالي، وأنَّ حضور الكلام لا يعوَّل عليه، ككتابة الجرائد والمجلات والمهرجانات الثقافية ودعايات الشامبو والصابون، ومتى ستكتب كل هذه الرحلات؟ وأنتَ إنْ تُبتَ تكذبُ في التوبة، فقاسِ يا سندباد يا كردي كلَّ ما تلقاهُ، فأنت تستحقُّ كلَّ ما يحصل لكَ. وأدركَ آفيفان الصباح فسكتت عن الكلام المُباح.
الليلة الرابعة والستون بعد الخمس مئة:
قالت بلغني أيها الملك السعيد أنَّ السندباد الكردي لما غَرِقَ في بحر الأدرياتيك وركبَ لوحاً من الخشب الساج، وقال لنفسه أستحقُّ جميع ما يجري لي وكلُّ هذا مقدور عليَّ من الله حتى أرجعَ عَمَّا أنا فيه من الطمع، وهذا الذي أقاسيه من طمعي فأنا لديَّ كتبٌ كثيرة لم أقرأها بعد ومالاً كثيرا لم أنفقه بعد، والكثير من الحكايات والقصائد التي لم أدَوِّنها بعد، وقلتُ: ها هي جزرُ الأدرياتيك أمامي ولكن أنَّى لي الوصول والأمواج تتلاعبُ بي وترميني بعيداً كلما اقتربت قليلاً، وإني في هذه السفرة قد تبتُ إلى الله توبةً نصوحاً ولم أزل على هذه الحال أبكي وأتضرَّع الله، أول يوم وثاني يوم على اللوح إلى أنْ طلعتُ على جزرِ الأدرياتيك، فتجمهرَ الناس حولي، وكنت في شبه غيبوبة من الجوع والعطش، والشمس وأملاح البحر سَلَخَتْ وجهي، وحين استفقتُ ما كنتُ لأعلم كم يوماً بقيتُ في غيبوبتي، وأردتُ الخروج من مستشفاهم، وبدؤوا يفحصون أعضائي، ورأيتُ الناس ووسائل الإعلام تنتظرني أمام باب المستشفى، ورحتُ أحدِّثهم عن مآسي الشعب الكردي، فاغرورقت عينا عجوزٍ كانت قريبة مني، بينما الطفل الذي كان في حضنها يلعب بشعرها الأبيض.
السندباد من أربيل جلبَ مكافآتي، ومن جزر الأدرياتيك جلبَ لي ثلاثةُ أحجارٍ عجائبية، أغلقتُ يَدَيَّ عليها ونمت، ولما استيقظتْ كانت قد اختفت مع حُلُمِ الليلة الفائتة، ومن السليمانية أصدَرَ مجموعةً شعرية ترجمها واختارها من قصائد الشاعر عبدالرحمن المزوري، ومن القاهرة صدرت له مجموعتهُ الشعرية الثانية بعنوان “وطنٌ اسمه آفيفان” ومن دمشق صدر له “أنطلوجيا شعراء النمسا”. وفي إقليم تازة المغربي شارك بقراءات شعرية في مهرجان شعري في قاعة، وفي كازاخستان قدَّمه نائب رئيس جامعة كازاخستان الحكومية إلى الجمهور باسم الشاعر السندباد في قاعة الاحتفالات الكبيرة. وكانت آخر رسالة جاءتني منه وهو في طريقه إلى أهرامات الجيزة، وانقطعت عني أخباره منذ يومين ولا أدري أينْ حلَّ في بلاد الله!!!.