الرئيسية » مقالات » إرهاب.. تحت قنــاع الفلسفة

إرهاب.. تحت قنــاع الفلسفة

الإنسان بما أنه كائن محدود الوجود حاله في ذلك حال سائر الموجودات الّتي لها بداية و نهاية، قد يبقى أسيرا لهاجس الحتميات المادية و الإلهية، و الحقيقة أن الإنسان كائن حرّ و مجبر في الوقت نفسه، أو كما يقول جعفر بن محمد الصادق: لا جبر و لا تفويض و لكن أمرُ بين الأمرين”. أي أن الإنسان يعيش ممتزجا بالحالتين، فهو لا يملك قرار وجوده أو اختيار لونه و اسمه و طبيعة هيئته، لكنه حينا آخر يجد نفسه قادرا على الاختيار بين قرارين متناقضين و أن يتخذ قرارا مناقضا لرغباته و نزواته لأنه يمتلك مباديء أو يؤمن بمنهج معين، و لكن حتى هذه القرارات قد يتخذها مجبرا أحيانا دون أن يشعر بذلك، و هذه القضية و إن بدت طوال التاريخ الإسلامي كقضية لاهوتية ثيولوجية إلا أنها كانت تحمل بعدا سياسيا في المضمون، فنجد مثلا أن من كانوا يُسمون بالقدرية (رغم إنكارهم للقدر كحتمية) كانوا يُضطهدون باسم الرافضة “أي الشيعة حسب تعبير خصومهم” أو “الزندقة ـ و هم كل من جابه عقيدة الدولة”، بالتالي فإن كون الإنسان متأثرا و مؤثرا مسألة لا يمكن إنكارها، غير أن الإيمان بالإنسان الطبيعي لا يعني مطلقا اختفاء الإنسان ليصبح جزءا من هذه الطبيعة، فهو طبيعي من جهة التأثر و فوق طبيعي في التأثير على الطبيعة.

إن النازية، و هي من أحب الأمثلة لدى المسيري و التي يوجه من خلالها الطعن إلى الحضارة الغربية، كانت منهاجا ماديا متطرفا، و التطرف ظاهرة تشمل بدايات ظهور كل نظرية، فالخوارج على سبيل المثال كانوا من ضمن التطرف الذي رافق ظهور الإسلام و لكن حينما نسأل هؤلاء المفكرين في العالم الإسلامي: هل أن الإسلام يظهر جليا في أفعال الخوارج كالأزارقة و غيرهم؟ أم أنهم كانوا يُمثلون “فهما جزئيا” محاطا بغلاف من الجهل الذي يسهل عليه تعميم الفكرة الجزئية، كما أن فكر الخوارج رغم تطرفه كان لا يخلو من إيجابيات، كتحويل الدين إلى مدافع عن هموم الشعب، و لكن المسيري هنا يُصر على أن النازية ـ و هي قد هزمت و اندثرت منذ 60 عاما ـ هي التجلي الفعلي و الواقعي لفلسفة الغرب (المادّية)، و الحقيقة أن الإسلام نفسه كدين هو في لبه و جوهره الفلسفي يؤكد على أن العالم يدور في قانون السبب و المسبب و بالتالي يعيدنا الدين نفسه إلى المادة كطينة يستطيع الإنسان من خلالها إظهار إبداعاته، بالتالي نجد أن النازية حكمت ألمانيا و لكن مقابلها تجسدت مجموعة ديمقراطيات كبريطانيا و أمريكا و فرنسا و الدول الاسكندنافية، إذا فلماذا هذه الانتقائية و التركيز على نظام دكتاتوري إجرامي وصل إلى السلطة بفعل ظروف غير طبيعية و شاذة عاشتها هذه المنطقة من العالم، إنه الحب و الكره طبعا هو الذي يتحكم بأحكام المسيري المنطقية، و أحيانا ما نبدو منطقيين و لكن في الحقيقة نحن نبرر عواطفنا.

يقول المسيري:

و عملية التفكيك هذه هي جوهر ما يسمى “الاستنارة المظلمة” أي رؤية الإنسان باعتباره طائنا طبيعيا تحركه غرائزه الوحشية المظلمة القابعة داخله، أو القوانين الآلية الموجودية خارجه و لا يمكنه تجاوزها، و قد تحدث هوبز عن أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، و تحدث داروين عن علاقة القرد بالإنسان، و أجرى بافلوف تجاربه على “الكلاب” و افترض أن النتائج التي توصل إليها تنطبق على الإنسان، و يلاحظ أن الحضارة الغربية الحديثة يوجد فيها عدد كبير من الأفعال تبدأ بمقطع de أو dis و كلها أفعال ذات طابع تفكيكي تقويضي، تعبر عن جوهر المشروع التحديثي التفكيكي الغربي” المصدر السابق ص 56

إن هوبز حينما يصف الإنسان بالذئب فهو لا يعبر عما يجب أن يكون عليه الواقع، و فرق كبير بين أن نطرح موضوعا نصف فيه الواقع كما هو و موضوع آخر يهدف إلى وصف (ما يجب أن يكون عليه الواقع)، و المسيري حيث يريدنا أن ننظر إلى “ما يجب” أن يكون عليه المجتمع و الفرد الإنساني، يطرح علينا كلام باحث يصف الواقع “كما هو”، و بالتأكيد فإن مقولة هوبز صحيحة، فطوال التاريخ كان الإنسان هو الذي يقتل أخاه الإنسان، و قصة إبني آدم تؤمن بها الأديان الثلاث، حيث نجد إنسانا يقتل إنسانا آخر و من خلالهما تبدأ سلسلة القتل البشري، كما أن الناس و منذ بدء الخليقة و إلى الآن يبحثون عن مبررات لأفعالهم، و هي الصفة التي تحكم غالبية المجتمعات “التزاحمية”.

إن تفكيك الواقع هو الذي يمثل السبب الرئيسي و الأساسي الذي جعل تلك الحضارة الغربية تنطلق نحو النجاح رغم إخفاقات رافقت هذه العملية، كما أن التعددية في الغرب هي تعددية في الصميم قائمة على أن الحقيقة هي أمر نسبي و بالتالي يملك كل طرف حق ادعاء امتلاك الحقيقة، و ما دام لا يلجأ إلى القوة لفرض وجهات نظره لأن استخدام القوة هنا يعني التخلي المسبق عن وسائل الإقناع و تطوير الفكرة عبر النقاش، و محاولات المسيري باتجاه نقد العلمانية لم يهدف إلى بلورة تطبيق أرقى للفكرة بقدر ما استهدف الطعن و إيجاد “مثالب” الحرية على طريقة “مثالب العرب” أو “مثالب العجم” حينما كان الأقدمون لا يستخدمون إلا النقد السلبي الذي كان يهدف إلى إيصال المنطق إلى نتيجة مسبقة، فكان البحث يهدف إلى استنتاج مسبق يوصل المفكر إلى أن المذهب أو الدين الفلاني (زندقة و باطل و كذب).

إن مشكلة العقل الشرقي أساسا تكمن في أن هناك فارقا كبيرا بين ما يفهمه هذا العقل عن “العلم” و عن وظيفة العلم الحقيقية، فالشرقي ـ المسيري هنا خير نموذج ـ يريد من العلم و بكافة جوانبه أن لا يصف الواقع كما هو، بل يضيف إليه الجمال الخيالي الذي لا علاقة له بالواقع، فلو أراد عالم طبيعي أن يصف لنا نظام “الآكل و المأكول” في عالم الحيوان فإن على هذا العالم أن يضيف إلى هذا النظام القبيح ـ لأنه نظام قائم على الغريزة ـ قصيدة حمد و شكر و ثناء على روعة هذا النظام، مع أن وصف هذا النظام الطبيعي بالقبح أو الحسن هو شأن فلسفي و ديني لا علمي، فهناك ثلاث أنواع أو مظاهر للحقيقة، الأولى الحقيقة المادية العلمية و التي يسهل على الإنسان الوصول إليها، الثانية هي الحقيقة الدينية التجريدية التي تستطيع أن تتجاوز حتى بدهيات العقل البشري، الثالثة و هي الحقيقة الفلسفية و هي الأرقى كونها تنظم وجهي الحقيقتين ذات المظهرين المتناقضين، و الحقيقة هي أن الفلسفة وحدها القادرة على نزع السلبية التي تحكم علاقات الدين بالمادة، و من هنا نجد إضفاء الصنمية على كل ما هو مادي و محسوس بالرغم من أن الإنسان يدرك حاجته إلى المأكل و المشرب قبل أن يدرك حاجاته الروحية، بينما يريدنا المسيري أن نقول بالعكس من ذلك حتى و أن تناقض هذا مع هذه الحقيقة البديهية التي لا تحتاج إلى كثير نقاش.

يحاول المسيري أيضا فرض مصطلح آخر على الساحة الفكرية في عالمنا المسلم الشرقي ألا و هو مصطلح مرجعية و هو يقول عنه: و هي الفكرة الجوهرية التي تشكل أساس كل الأفكار في خطاب ما، و الركيزة النهائية الثابتة له، التي لا يمكن أن تقوم رؤية العالم دونها، و المبدأ الواحد الذي تردّ إليه كل الأشياء و تنسب إليه، و لا يُردّ هو أو ينسب إليها، و عادة ما نتحدث عن “المرجعية النهائية” باعتبار أنها أعلى مستويات التجريد، تتجاوز كل شيء و لا يتجاوزها شيء. و يمكننا الحديث عن مرجعيتين: مرجعية نهائية متجاوزة ترتكز إلى نقطة خارج عالم الطبيعة و المادة و الحواس الخمس، هي في النظم التوحيدية الإله الواحد المنزه عن الطبيعة و التاريخ، الذي يحركهما و لا يحل فيهما و لا يمكن أن يُرد إليهما، أما في النظم الإنسانية الهيومانية (التي لا تعترف بالضرورة بوجود الإله) فهي الجوهر الإنساني و رؤية الإنسان باعتباره مركز الكون المستقل القادر على تجاوزه.” ـ العلمانية تحت المجهر ـ ص 57

إن النقطة المركزية التي سنناقشها هنا هو أن وضع الإنسان مقابل الله و بهذه الاعتباطية هو تجاوز لكل المنجز العقلي البشري و بشتى انتماءاته البشرية، أو بالأحرى هو صيغة “معقلنة” لتخريفات سيد قطب و محمد الغزالي السقا و الإخوان و تنظيمات القاعدة و غيرها من تلك التي تضع الإنسان و المادة في معسكر و كأنه في مواجهة مع الله و الملائكة و سائر جيوش السماوات، و لاحظ معي عزيزي القاريء كيف أنه وضع تعبير “النظم التوحيدية” من غير أن يحاول و لو حتى أن يعرفها لنا، إلى جانب التعبير الآخر “الإله الواحد المنزه عن الطبيعة و التاريخ” ليصبح بمقدوره أن يدخل أو يخرج من إطار هذه التعريقات حسب المزاج، فتصبح كل عقيدة أن تكون “غير توحيدية” و “مشركة” و “تؤله المادة”، بالتالي خرجنا مع المسيري مرة أخرى من الساحة الموضوعية الواقعية لندخل ـ و الشيطان في التفاصيل كما يقول المثل ـ إلى ساحة العواطف و الحب و البغض، و مرة أخرى خرجنا حتى من البحث الفلسفي عن الله لندخل في تصنيف الله نفسه كواحدة من الممتلكات فالله الإسلامي هو غير الله المسيحي و هو غير الله اليهودي و غير الله الشيعي “الرافضي حسب تعبيرهم”.

إن الله أو الإله هو ليس شيئا ماديا يمكن أن نتوصل إليه كما نتوصل إلى تعريف للأرض و التربة و الهواء و غير ذلك من الأشياء، فتصورنا عن الله يختلف من دين أو مذهب إلى آخر ناهيك عن الأشخاص فكل فرد من الأفراد قد يمتلك تصوره الخاص عن الله و هذا يذكرني بمقولة رائعة لأحد الفلاسفة حيث يقول: أنا لـــست ضـــد الله و لكنني ضد تصوركم الخاطيء عن الله”. فالمسألة هنا مسألة ما يتصوره الإنسان عن خالقه، فقد يؤمن أحدهم بأن الله محب للحرب و القتال فيفنى حياته و حياة الآخرين في هذه الفكرة، بينما يؤمن آخر أن الله هو محب للسلام و المحبة و يقضي كل حياته ناشرا السلام بين الناس، فهذان هما “تصوران ـ نموذجان” مختلفان للإيمان بالله، فهل هو نفس الإله و كلاهما يتصور عنه فكرة مختلفة، أم أن الله واحد و لكن الاختلاف في الأوهام التي نتصورها إيمانا بالله؟ إن المسيري يرفض الفكرة المنطقية الواقعية التي تقول بنسبة كل الأفعال الناقصة و الشر إلى الإنسان و المادة و يصر على أن نصنع وهما أو لنقل بعبارة أخرى أن ننسب كل شيء إلى الله ـ و الله هنا محدود بحدود تعريفات المفكر ـ و مرة أخرى نجعل الإنسان يقع ضحية للإنسان تحت شعار الإيمان بالله، و لا يظنن القاريء أننا هنا شططنا عن الموضوع و خرجنا عن الموضوع الذي طرحه المسيري، فالكاتب الذي نحن بصدد نقد أفكاره في نقده للعلمانية يؤمن بأن الله لم يخلق الإنسان كصفحة بيضاء، كما سيأتي، و لكنه إنسان يولد مع فكرة، و لا ندري ما هي هذه الفكرة، فإبن البوذي يولد بوذيا و إبن المسلم يولد مسلما و ..إلى آخر القائمة، و التنوع و التغيير لم يحصل في العقائد و الأفكار إلا بفعل الحضارة الحديثة و ثورة الاتصالات التي تنشر الفسق و الفجور حسب المسيري.

و النقطة الأخرى التي نؤاخذ المسيري عليها ها هنا هي أن الله حسب تعريفه يحرك هذا العالم و هذا التعريف يُدخلنا مرة أخرى في متاهة أغرقت اللاهوتيين المسلمين لقرون، فمن ذا الذي يحدد لنا أين تبدأ إرادة الله و أفعاله و أين تنتهي و أين هو الإنسان في كل هذه المعادلة و المعمعة؟ بالطبع لا جواب على هذا بل تجاوز سريع لأسئلة قد تكلف أجوبتها شعوبا بأكملها، إن القرآن ككتاب مقدس للمسلمين يصنف كل أفعال أو أغلب أعمال الطبيعة إلى الله و هنا نحن أمام إشكال، فإذا كان الله وضع هذه القوانين المادية كلها فلماذا يضيف القرآن الشر و السوء إلى الفعل الإنساني و بالتالي وقع القانون المادي نفسه تحت طائلة تصنيفين ـ إلهي و إنساني ـ دون أن نمتلك أي مقياس، و لا أحد بالتأكيد يملك هذا المقياس، للتفرقة بين الإلهي و الإنساني و الطبيعي، و إذا كان الإنسان قادرا اليوم على تصنيف الأجنة و استنساخ و إبداع الأنواع و التحكم بالأمطار؟ فهل هذا يعني أن الإنسان بالفعل قد أزاح الله عن سلطانه؟ لو نظرنا بسطحية و بمنهج المسيري الانتقائي فإن ذلك سيكون صحيحا، و إلا فإن الفلسفة تظهر لنا أن الطبيعة هي هبة الله للإنسان و عليه التوصل إلى قوانينها بعقله و إلا فإن قوانين الطبيعة نفسها كفيلة بالقضاء عليه، فعليه أن يبني السدود ليتفادى الغرق و لا ينسب الفيضان الكارثي إلى الله و أن يزرع الأشجار ليتفادى التصحر و يأكل الغذاء الصحي و هكذا نجد أن الرمز الديني للعطاء الإلهي ليست صيغة حرفية جامدة، و إذا كان الإنسان حائرا في تعريف نفسه طوال آلاف السنوات فكيف به يجد تعريفا لخالقه؟ إن الخلط بين حاجات الإنسان ـ و الإنسان و كل متعلقاته نسبية ـ و بين الإلهي المطلق هو الذي جعل الشرق غارقا في غياهب التخلف و الظلمة، فعلى الإنسان قبل كل شيء إيجاد صيغة واقعية للعيش فقد اكتشف كل دين أنه لم يعد يعيش معزولا كما كان الحال في القرون الماضية و بالتالي عليه إيجاد صيغة تعايش.