الرئيسية » مقالات » مقاربة للوطن والمواطنة.!.

مقاربة للوطن والمواطنة.!.

في التفكير السياسي المعاصر، وعند الحديث عن الدولة هناك مفهومان تقليديان مستقلان عن بعضهما، لكنه يتم الخلط بينهما، لاسيما أن تطبيقهما في منطقتنا مشوّه بشكل عجيب مثل أكثر المفاهيم، ونظرة على بلدنا سورية في نصف القرن الأخير تعطينا أكثر من تأكيد على تشوّه:
– الاستقلالية، والتي هي امتحان للسلطة التنفيذية في ممارساتها العملية.
– والنقطة الثانية تتمركز حول مفهوم دور الفرد (أي فرد) في مؤسسات الدولة.
ومن جانب آخر لابدّ من التأكيد على أن القومية والمواطنة، هما تعبيران منفصلان عن بعضهما البعض. فلا الانتماء للقومية العربية، أو أيّ قومية أخرى يجب أن يكون مكسباً أو انتقاصاً لحقوق المواطنة في هذا العصر.
والمواطنة هي باختصار، ممارسة المواطن لحقوقه في شكلها العام، وفرصة المشاركة في حكم الدولة، وحرية التعبير عن الرأي.
أما الوطن فهو المنطقة الجغرافية التي يجتمع عليها مجموعة من البشر التي تتعايش فيما بينها، ويتفاعل أفرادها مع هذه الأرض، لهذا يعتبر الوطن بأنه مجموعة متداخلة من علاقات عاطفية واجتماعية ومادية تأخذ شكلها المتعدد والذي يربط الأفراد فيما بينهم أيضاً..
كان مصطلح “أنا الدولة” هو السائد لفترة زمنية طويلة، خصوصاً أن الشعوب كانت على ديانات وأهواء ملوكها. ثم تطور هذا المفهوم وصار “الشعب الدولة”، وأصبح تعبير الشعب قريب أو مرادف لتعبير الدولة.
وتعبير الدولة القومية يعكس أو يشير إلى وحدة جغرافية – سياسية، حدودها تتطابق تقريباً مع انتشار مناطق توزع أبناء القومية. ويمكن القول بشكل عام، أنه صار مصطلح الدولة القومية هو التعبير السائد في أكثر دول العالم تقريباً، لكن هل يعكس ذلك حقيقة واقعية؟..
الدراسة التالية التي نستشهد فيها –رغم انقضاء عقود عليها، إلاّ أنها لم تفقد قيمتها ودلالتها.!.
في عام 1971 تم إجراء دراسة بإشراف الأمم المتحدة، تتعلق بالتوزع الديموغرافي – القومي ضمن حدود 132 دولة، وننقل بعض أرقامها:
تبين أنه توجد 12 دولة فقط، أي حوالي 9% ثبت أنها دول قومية..
وكان وضع 25 دولة، أي نسبة 19% يشير إلى أن 90% من مجموع مواطني الدولة هم أبناء قومية واحدة، وفي نفس الوقت هناك قوميات أخرى تعيش ضمن حدود الدولة..
وأكدت الدراسة، أن 25 دولة من بين الـ 132 المذكورة أعلاه، أي نحو 19%، يوجد فيها بين 75- 89% من المواطنين ينتمون إلى أبناء قومية واحدة… إلخ.
أقل من 10% من الدول يمكن اعتبارها دول قومية (تقريباً كل مواطنيها أبناء قومية واحدة). لكن أين تتموضع سوريا ضمن هذه الأرقام والنسب؟. قد يشكل العرب السوريون حوالي 85% من مجموع المواطنين، “لا توجد إحصائيات وإنما تقديرات فقط”. أعتقد أن الخريطة الإثنية السورية تشبه ربع دول العالم..
لو كانت تلك الدول، دولاً قومية لكان وجب علينا تسميتها قوميات بدون تردد. عندما تتطابق القومية مع الدولة، لا مبرر إذاً لفصلهما، لأنهما ترتبطان بعلاقة متشعبة ومتجذرة مع بعضهما. ورغم الأكثرية الساحقة للقومية العربية في سوريا هل يمكن تسمية سورية أنها دولة قومية؟ وهل يتناقض ذلك مع انتماء الأكثرية الإثنية للعروبة؟ وهل يتعارض هذا مع مصالح الأقليات الإثنية ضمن دولة سوريا؟ وهل تعتبر القومية عائقاً أو مساعداً لمستقبل أفضل لمجموع أبناء الوطن؟.. تناول هذه الأسئلة –بغض النظر عن شكل الإجابة لا يُغيّر من الحقيقة بشيء- إما يُساعد على النقاش بصراحة وبدون أحكام مُسبقة والاقتراب من فهم وتفهم بعضنا البعض على أساس المواطنة، أو يزيد تعقيد العلاقة الإثنية بين مكونات المجتمع السوري والتي ساهم النظام خلال عقود من الزمن في تعميقها بدل تخفيف حدتها، لأن الشمولية ألغت المواطنة بشكل كامل.. للتذكير فقط انه كان في قيادة الدولة السورية عشرات الوجوه البارزة من غير العرب، والأصدقاء الكورد يعرفون أسماءً ليست قليلة كانت في مراكز نفوذ كبيرة –كان ذلك قبل انقلابات العساكر واغتصاب السلطة وآخر أشكالها الشمولية “السلطانية” الأسدية..
إذا سألنا “كاميكاز” ياباني، بأن عملية انتحاره التي “يقوم بها” هي من أجل اليابان أم من أجل القومية اليابانية، سيكون سؤالنا لا معنى له، لأن دولة وقومية اليابان مترابطة ولا يمكن التفريق بينهما..
وكان قد استخدم هتلر مصطلحات “الدولة، الشعب، الأرض-الوطن” في خطاباته للجماهير، لأن للمصطلحات الثلاثة هذه كان نفس آلية التأثير التحريضي..
وبغض النظر عن السبب الذي جعل استخدام تعبير الدولة مرادفاً لتعبير القومية، فإنه يتم تناول هذه الشعارات بشكل حر وبدون تقييد في ثقافة وقيم الملايين التي تعتبر القومية حاجة ضرورية..
وهناك بعض المصطلحات التي لا تبتعد كثيراً عن موضوعنا هذا وتستخدم منذ عشرات السنين ومن قبل منظمات دولية وهي لا تعكس معناها. إن مصطلحات، “تحالف الشعوب”، “الأمم المتحدة” هي غير دقيقة.. بينما استخدام تعبير “العلاقات الدولية” لا يعكس المفهوم المقصود منه، والأفضل لو قلنا “العلاقات بين الدول”، ونجد أيضاً أنه هناك عشرات المنظمات التي تحمل تعبير الأممية ولا علاقة لأي منها بالأمة. لذلك من المفيد المرونة في قراءة بعض المصطلحات والتي غالباً ما يتم تفسيرها بأشكال مختلفة، والمهم ما هو أبعد من التعابير..
كما يجب التأكيد على أهمية التفريق بين وظائف الدولة والمهمات القومية.
يستخدم مصطلح القومية منذ بداية القرن التاسع عشر، وحتى في القواميس قد لا يوجد هذا التعبير قبل ذلك الوقت. وهذا يعني أنه لم يتم استخدامه، رغم أن كلمة القومية استعملت ولم تكن تشير إلى الدولة، بل إلى الأمة..
أما الجانب الآخر والأكثر سوءً أيضاً في مقاربة التعصب القومي وتوظيفه المشوّه، هو مفاهيم الإسلام السياسي للوطن والمواطنة. يقول سيد قمني في إحدى دراساته “أن أهم ما بقي من إنجازات محمد علي هو استقلال مصر كدولة معاصرة، وظلت مصر دولة لها نظمها وجهازها الهرمي التراتبي الإداري، ماكينة تدور على محور وروابط الوطن والمواطنة، حتى بدت المباراة بين الجماعات المتأسلمة وبين الحكام الوطنيين على من يتمكن منهم إثبات وضعة الدين في ذروة الروابط الاجتماعية المصرية، نعم لازالت الماكينة تدور، ولكن بناقص 12 مليون مواطن مسيحي، ومليون مواطن من ملل ونحل أخرى، تدور لكن إلى الخلف.”. ونحن نسأل من يعرف كم كان عدد المسيحيين السوريين؟ وغيرهم من “الأقليات” الأخرى؟ وأين هم الآن؟ وكيف تدور ماكينة السلطة القمعية منذ أكثر من نصف قرن؟.
إن أعلى الروابط هو الوطن، والإيمان به هو أكبر المقدسات..
الوطن لا يحدث بقرار، لكن عندما نقدم الدين أو القومية على الروابط الأخرى، “فإننا نكون قد أعدنا المجتمع إلى مفهوم القبيلة، نكون قد زرعنا بذور التفكك لا التجمع”، ولهذا نرى الشاب والذي يحتاجه الوطن “يذهب متستراً لينتحر في العراق عند كنيسة أو حسينية أو جامع أو ساحة عامة، لأنهم غسلوا مخه وقالوا له أن أهله الحقيقيون هم الذين سيعيش معهم في الجنة”، بدل أن يعشق ويحلم بالحبيبة مثل كل الشباب في هذه المرحلة وفي كل مجتمعات العالم الإنساني، ومن الممكن “أن يذهب لينتحر في أماكن أخرى وهي ليست وطنه، إنه يموت من أجل العشيرة ونسب العشيرة، إنه ينتحر متوهماً”، من أجل الذي لا علاقة له بالوطن ولا بالمواطنة..
وقد يكون الاستشهاد بزعيم الإخوان المسلمين السابق، المصري مهدي عاكف خير دليل على فهم الإسلام السياسي للمواطنة والوطن، حيث قال “طز في مصر وأبو مصر واللي في مصر” ولا يعيبه ذلك، بل هو يفخر بأن يحكمه ماليزي مسلم أو أفغاني من كهوف بورا تورا، على أن يحكمه مصري غير مسلم.
وفي سوريا شيء مشابه، ونقرأ في أدبيات الأخوان المسلمين أن الاحتلال العثماني لم يكن احتلالاً، رغم أن أهل الجزيرة العربية أنفسهم هم من ساعد في إسقاط الخلافة بالتحالف مع الإنكليز، “إن الجيوش التي انطلقت في القرن السادس الميلادي غازية نصف العالم ومقيمة أول خلافة إسلامية، هي نفس الجيوش التي خرجت في القرن العشرين لتساهم في القضاء على آخر خلافة وتقيم بديلاً عنها دولاً مستقلة”..
إن سوريا موجودة قبل ظهور الديانات السماوية بآلاف السنين، وتغيرت لغة سوريا مرات عديدة وتغيّر دينها أيضاً مرات عديدة، لكنها ظلت سوريا، فالمجتمع يحتفظ بتلقائيته وبحدٍ أدنى من الروابط حتى يمكنه الاستمرار في الوجود وعبر متغيرات الزمن.
إن النقاش الدائر بين بعض المثقفين من الأخوة الأكراد، وبينهم وبين بعض المثقفين العرب حول موضوع القومية والمواطنة، وطرح فكرة الحكم الذاتي، تعتبر مؤشر صحيّ إن بقيت ضمن إطار النقاش العقلاني، بعيداً عن التعصب من أي طرف كان، وبعيداً عن الأحكام المسبقة. إن الكتابة بناء على طلب أو لإرضاء أحد، أو البحث عن الشعبية المفقودة لبعض تجار السياسة والنصب، من خلال التلاعب بأفكار ومصطلحات تدغدغ مشاعر الشارع العربي، إنها قضايا يجب القفز عنها. ويجب الارتقاء بالمسئولية عند تناول مسألة أو قضية حقوق الشعب الكردي ضمن سوريا التي هي ملك لكل مواطنيها. على الأصدقاء الكورد الحذر، خصوصاً من الذين ساهموا في الفساد والاستبداد عقوداً من الزمن ثم جاءهم حلمٌ بصبغ شَعرهم وشِعارهم “كمعارضين” للنظام وخدماء للوطن، لكنهم قاموا بتجديد جواز سفرهم ومتابعة سلوكهم السابق. أن انعدام المصداقية والنزاهة في الأمور الصغيرة مؤشر في القضايا الكبيرة.
أعتقد أن الكثير من العرب السوريين لا يعرفون إلاّ القليل عن القوميات الأخرى التي نعيش معهم في وطننا كلّنا، وهو تقصير مشترك من الضروري العمل على تجاوزه وإيلائه اهتماماً أكثر. وعند تناول أي نقاش “إثني” لا يجوز تجاهل سكان البلد الأصليين من الآشور والسريان وغيرهم.. إن القضية(المسألة) الكردية في سوريا هي مسألة عربية وآشورية سريانية أيضاً، إنها مسألة كل مكونات المجتمع، لذا من المفيد مراعاة تلك الخصائص أيضاً كي يكون للحوار نتائج إيجابية، كي لا يكون حجة بيد المتطرفين من هنا وهناك، كي لا تصبح المبادرة لحلّ مشكلة سبباً لخلق مشاكل أخرى، كي لا نعطي نحن مبررات للنظام في تعاطيه العنصري مع هذا الموضوع.. إن مشاركة المثقفين من “أقليات” أخرى غير عربية وكردية في هذا النقاش مهمة مطلوبة وواجبة ولا يمكن تجاهلها. أعتقد أن التنسيق بين ممثلي “الأقليات” القومية في سوريا مهمة أولية تخدم حقوقهم وتطلعاتهم القومية المتشابهة كثيراً، وتسهل الحوار مع الأكثرية العربية. إن الشجاعة والدقة والمرونة مطلوبة وخاصة من الذين يقفون في الصف المعارض للقمع، والطامح للتغيير الديمقراطي الحر..
الوطن ليس المكان الذي نعيش فيه فقط، بل المكان الذي يعيش من داخلنا أيضاً، فلنبحث عنه في داخلنا، وهذا يتطلب معرفة أنفسنا جيداً ومعرفة بعضنا البعض قبل كل شيء.!.
ملاحظة: بعض التعابير حول نظرة الإسلام السياسي للمواطنة مرجعها دراسات لـ”سيد قمني”..
بودابست، 12 / 2 / 2010. .