الرئيسية » مقالات » الانتخابات و التسقيط السياسي

الانتخابات و التسقيط السياسي

هل يمكن توصيف الأجواء الانتخابية السائدة الآن في العراق بأنها ساحة التسقيط السياسي بالضربات القاضية؟؟
هل هي فعلا الفرصة المثالية للانتقام من الخصوم السياسيين وابعادهم عن الطريق ليخلو أمام البعض؟
هل بدأ العراق يعود الى النفق المظلم ومرحلة الاصطفافات العرقية والطائفية والمذهبية؟
هذه بعض من هواجس المتتبعين للواقع السياسي العراقي حتى لحظة كتابة هذه السطور والايام كما يقولون حبلى بالمفاجآت والخفايا التي من شأنها التلاعب بمقدرات المواطن البسيط وجعله يدفع الثمن الغالي من أجل وصول هذا الحزب أو ذاك لسدة الكرسي الوثير.
الانتخابات العراقية، رغم حداثتها وكل مافيها من هفوات، تعد متطورة قياساً لدول الجوار رغم انني لاأحاول اجراء مقارنة بين التجربة العراقية بكل علاتها مع نظيراتها في المحيطين العربي والأقليمي، لكنني وددت من القارئ الكريم التنبه لبعض اللذين يتشدقون بتصريحات نارية عن الانتخابات البرلمانية المقبلة وتوصيفها بأنها السيئة والمزورة وووو الكثير من الخطايا والثغرات.
يمكن القول أن ما تشهده الساحة الانتخابية من تنافس مشروع وآخر غير مشروع، لا يبشر بالخير الوفير في مناوشات السياسيين الساعين لنيل ثقة الناخب العراقي وهذه المناوشات تعددت أساليبها وتنوعت بدءاً من اقصاء او حظر او شطب مرشحين مرورا باستعراض أخطاء الحكومة وهفواتها، رغم أن الجميع مشارك فيها، ومن ثم التلاعب بأموال الناس وأرزاقهم من خلال ايقاف التعيينات، أو الذهاب الى الخطاب الطائفي الذي بدا للجميع أنه انتهى ومات، وصولاً الى قيام ممن لا يملكون حتى حظوة بين عوائلهم بالتهديد لايقاف تصدير النفط وحرمان العراقيين من مصدر ثرواتهم، التي لايعرفون الى أين تذهب، حتى وصل الأمر بالبعض بكيل التهم والشتائم والسب لأناس هم شركائهم في العمل السياسي السابق.
يعرف الداني والقاصي أن مفردة البعث في العراق قد ولت الى غير رجعة ولايمكن للناخب العراقي الذي ذاق الأمرين تسليم رقبته للرفاق مرة أخرى وبالتالي لايمكن لكل أموال الدنيا أن تعيد جلاوزة صدام وبعثه الى منصة الحكم ليتسيد على رقاب المحرومين والمنكوبين، وهذا يعني أن هاجس البعث وعودته يجب أن يغادر الذين يثقون بقدرات أبناء شعبهم وأن يسعوا ليحظوا بحبهم بعملهم المبني على المبدئية والنزاهة والاخلاص وايثار مصالح الشعب على مصالحهم.. ثم الأساس والمنطق والحكمة تقول أن لا عراقي يتمنى عودة الظلم والاستبداد الا اذا كان الحال القادم اسوأ مما كان عليه في زمن النظام المقبور.
ولذا اعتقد أن على السياسي الناجح، والساعي ليتبوأ مكاناً في ادارة هذا البلد، أن يدثر الماضي الى الأبد ويستلهم منه الدرر المضيئة لا الأيام السود والخزي والعار، وينظر نحو المستقبل الذي ينشده ويسعى اليه كخادم للعراقيين من كل طائفة وعرق ولون، يستمد من الماضي العبر ومن الحاضر يستمد الأفكار النيرة البعيدة عن ماجرى خلال السنوات السبع الماضية ليبني له ولبلده ولاهله مستقبلاً زاهياً.
كما لابد من الاشارة اذا كان الجميع يريد بناء دولة القانون والمؤسسات المبنية على مفاهيم الدستور فلم هذا الصراع الذي لا ينتهي بين المرشحين ومحاولات التقاط الأخطاء والهفوات بما يظهر المنافس بصورة مقيتة أمام الناخب، اعتقاداً من بعض المرشحين أن الشعب لايفقه اللعبة، واذا الجميع يريد سيادة القانون فأذن من الذي يفتعل كل هذا الجدل العقيم الذي لا ينتهي؟ ومن الذي استفاد وملأ الجيوب خلال عمر الانتخابات الماضية؟ ومن الذي فضله حزبه وتكتله ومنافعه الاجتماعية على هموم الناس والمبادئ والدين الذي يعتقنه؟
والغريب في الأمر أن الجميع لو طبق واحد في المئة من شعاراته وهتافاته لكنا نحن في القمة بين دول الكون واسمحوا لي أن أورد تقييما عالمياً حول مستوى المعيشة في العالم استناداً لعدة معايير حيث حصل فيه بلدنا الممتلء ثروات وخامات وكفاءات وأحزاب بالمرتبة 170 من بين 194 دولة في العالم حيث اعتمد هذا القياس على المعايير التالية:
تكلفة المعيشة، الترفيه، المستوى الأقتصادي ، البيئة، الحرية، الصحة، البنية التحتية، السلامة، المخاطر، لكنهم للأسف لم يضعوا عدد الأحزاب المتنافسة بسرقة ثروات البلد والأخرى التي تشهر بها دونما أن تجد حلاً المشكلة ياسادتي في عراقنا المنكوب المظلوم أن الجميع لايستطيع الاعتماد على برنامجه السياسي والانتخابي ورصيده من محبة وثقة الشعب ولا على مقدار ما قدم أو سيقدم للناس في حملاته الانتخابية، الاغلبية يسعى الى الحكم عبر الخطب والجعجعة واسقاط الآخرين والتصيد بالماء العكر ومحاولة الصاق التهم أو العيوب أو الأخطاء بالمنافسين لأنهم للأسف غير مدركين أن هذه الألاعيب قد هضمها المواطن البسيط في كل زوايا العراق من شماله الى جنوبه وبات هذا المواطن يبحث عن الذي يخدمه لا أن يجعله عبداً لديه، فلا البطانيات ولا أرصدة التعبئة لهواتف المحمول، ولا النقود ولا الوعود ولا الخطاب الديني المعتمد على الحلال والحرام ولا التستر خلف عباءة المرجعية الدينية تنفع هذه المرة ولن تكون العكازة التي يتكأ عليها الجائعون للسلطة..
هذه المرة عليهم أن يدركوا أن خيار الشعب وقناعاته تبدلت وهو يبحث عمن رسم له في مخيلته صورة المنقذ من السنوات السبع العجاف التي لم يرى فيها العراقيون سوى صور الموت ولم يشموا فيها الا رائحة الدم والطائفية.. هذه المرة على السياسيين الاحتكام للناس لا الاحتكام الى المناوشات السياسية المكشوفة الأوراق والنيات لان الناس على يقين أن الأطراف المتخاصمة الآن ستجلس لتتناول الطعام بحبور ومرح بعد الانتخابات.