الرئيسية » شؤون كوردستانية » علاقات كوردية اسرائيلية

علاقات كوردية اسرائيلية


بين اونة واخرى يخرج علينا البعض بقصص وحكايات عن علاقة اسرائيلية كوردية ، اوما يسمونه تغلغلا اسرائيليا في العراق عبر كوردستان ، بعض تلك القصص لا تخلو من الغرابة ، والسخافة ايضا ، وعادة يدور حديثهم عن حجم تلك العلاقات المزعومة ، التي لم تكن في احسن حالاتها تتجاوز زيارة صحفي اسرائيلي بهوية اميركية او اوروبية الى كوردستان وذلك في ستينات القرن الماضي ، او زيارة غير رسمية لمسؤول اسرائيلي من الدرجات الدنيا الى كوردستان ، او زيارة كوردية الى اسرائيل وخصوصا في الاوقات التي كانت كوردستان تكون مهددة بصورة مباشرة من قبل الحكومة العراقية ومن قبل بعض الجيران . او حتى ارسالهم بعض المساعدات المحدودة كي يدافع الكورد بها عن انفسهم. وقد حدث هذا والرئيس مسعود بارزاني يتحدث عنها بكل وضوح في كتابه (البارزاني والحركة التحررية الكوردية).

وما حيلة المحاصر في بيته من قبل جيوش جرارة من الوحوش الكاسرة ، هل سيقول لتلك الوحوش الكاسرة تفضلوا و اجعلونا وليمة لبطونكم التي لا تشبع ، ام انه سيستغيث باي كان في سبيل درء الخطر عن نفسه وعن اهله؟

ومن الذين (ابدعوا!!) في كتابة الحكايات المضحكة عن علاقات استخبارية كوردية اسرائيلية نذكر الكاتب الاميركي سيمون هيرش الذي الف قصصا ما بعدها قصص ولا تختلف عن افلام (جيمس بوند) المقرفة عن تعاون مخابراتي كوردي اسرائيلي ، ومع اول قراءة لرواياته تلك تتبين كيف ومن اية مصادر (صادقة!؟) يأخذ هذا “المؤلف” موضوعات حكاياته عن الكورد .

وفي الحقيقة ليس من المستغرب ان يكون بين من يتعمدون نشر تلك التقارير اناس يريدون من وراء هذا العمل ابتزاز الكورد ، ومحاولة الاساءة الى الجوهر الديمقراطي التحرري للحركة الكوردية . وهناك ايضا اناس قد يرددون تلك الحكايات عن نية حسنة ، وربما من باب الحرص على العلاقة الكوردية العربية ، مع محاولتهم فهم واستيعاب اجواء واسباب تلك الحالة.

ولكن ظهر فيما بعد بعض من لا ناقة لهم ولا جمل في حقيقة او كذب الحكاية ، ولكنهم يحشرون انفسهم في مسألة (العلاقة الكوردية – الاسرائيلية!) فقط لغرض في قلب يعقوب او نتيجة ل(ثقافة!) معاداة الكورد التي دشنتها انظمة عصور الحجر في الشرق الاوسط! او انها طريقة لجلب الانتباه كي يفتح لهم هذا الموضوع بابا من ابواب الرزق (!) ، وعملهم هذا بالنسبة للكورد مثار قرف واشمئزاز ، وهم يستحقون الشفقة على ما يفعلون اكثر من ان يحسب لافعالهم اي حساب اخر.

ان نشر هكذا قصص اصبح موديلا قديما مهلهلا ، واسطوانة مشروخة ، فأذا كان للكورد علاقة باسرائيل فهم ، فتلك ليست جريمة ، اذ هناك انظمة عربية تتحدث عن الصمود والتصدي والمقاومة لكنها توسط دولة مثل تركيا كي يقبل الاسرائليينن ان يجلسوا معهم على طاولة واحدة ، ان الكورد ،حسب رأيي المتواضع ، ليسوا من النوع الذي يخفى علاقاته ، وليس في الموضوع اي خجل ، انما الخجل يجب ان يعتري اولئك الذين سدوا كل الابواب على الشعب الكوردي ، وحاولوا الاجهاز عليه بسكين العنصرية الصدئ ، سواء في الفترة من تأسيس الدولة العراقية والى اسقاط النظام الدكتاتوري في العراق ، او في تركيا او ايران او سوريا، ، وعندما لم تستطع تلك الانظمة ان تحقق اهدافها طلعت على الشعب العربي المبتلى بتلك الانظمة باسطوانة علاقة كوردية – اسرائيلية .

وفي عودة اخرى الى احداث التاريخ ومسألة تأسيس اسرائيل ، فليس الكورد اية علاقة بالموضوع بل ان الجيش العراقي والسوري ساقوا ابناءهم في حرب فلسطين ليستشهد مهم هناك بالمئات ، وليس الكورد من عملوا لتأسيس اسرائيل كي يتهم ليل نهار من كل من هب ودب ، بل ان قيادات في العالم الاسلامي والعربي هم الذين باركوا تأسيسها منذ بدايات القرن العشرين ، وهنا استميح الاستاذ الكاتب جان كورد عذرا لاقتبس فقرتين مهمتين من مقال له منشور على موقع (الحوار المتمدن) عن تلك البدايات ، يقول الاستاذ جان كورد:
” في عام 1918 التقى ممثلون عن الطرفين الصهيوني والعربي في مؤتمر السلام بباريس لبحث مستقبل الشرق الأوسط بعد انهيار وسقوط الدولة العثمانية. الطرف الصهيوني كان برئاسة الدكتور حاييم وايزمان الذي أصبح فيما بعد أول رئيس دولة في اسرائيل، والطرف العربي كان ممثلا˝ بالأمير فيصل نجل الملك حسين، ملك الحجاز آنذاك. وبصدد ذلك يذكر البروفيسور يهودا ز. بلوم في بحثه عن “الملامح الأساسية للنزاع العربي – الاسرائيلي” بأنه على الرغم من أن الطرفين كانا يطمحان إلى انتزاع الاعتراف باستقلال شعبيهما، إلا أنهما لم يجدا أبدا˝ في تلك المطالب تعارضا˝ أو تناقضا˝ بين طموحات الطرفين العربي والصهيوني، وإنما تكمّل بعضها بعضا˝، وهذا ما يمكن قراءته في رسالة الأمير فيصل التي وجهها في الأول من آذار عام 1919 إلى البروفيسور فيليكس فرانكفورتر (عضو البعثة الصهيونية وفيما بعد عضو المحكمة الأمريكية العليا) حيث ورد فيها:
:” نحن العرب، وبخاصة المتعلمين من بيننا، ننظر بتأييد عميق إلى الحركة الصهيونية، وإن وفدنا هنا يعلم بدقة تلك المقترحات التي قدّمتها المنظمة الصهيونية البارحة لمؤتمر السلام، ونحن نعتبرها معتدلة وعادلة، ونحن سنفعل من طرفنا كل ما نستطيع من أجل مساعدتكم لتحقيق النصر. إننا نريد أن نعبّر عن ترحابنا القلبي بعودة اليهود إلى وطنهم. لقد كنا في علاقات وثيقة مع قادة حركتكم وبخاصة الدكتور حاييم وايزمان. إنه قدّم لقضيتنا خدمات جليلة، وآمل أن يكون في استطاعة العرب أن يحسنوا لليهود. نحن نعمل معا˝ من أجل شرق مبني من جديد ومفعم بالحياة، وأن تكمّل حركاتنا بعضها الآخر… وآمل أيضا˝ أن يساعد كل شعب الآخر من أجل تحقيق الانتصارات الفعلية..”
(أنظر آرنو أولمان – طريق اسرائيل إلى الدولة – وثائق – د. ت. ف. 1962 ص 266- الطبعة الألمانية)”

وبطبيعة الحال فقد كان لليهود ، قبل تأسيس دولة اسرائيل ، وجود كبير في العراق ومصر والمغرب واليمن وتركيا وايران والدول الاخرى ، وكانت لهم علاقات طيبة مع شعوب تلك البلدان ، وساهموا في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية لتلك البلدان بكل تفان وحيوية ، وكما يبدو ان تلك العلاقات لم تختص بها شعوب تلك البلدان وحدها ، بل تعدى ذلك الى الشعب الكوردي ايضا ، فمئات الالاف من اليهود عاشوا في كوردستان في سلام ووئام منذ السبي اليهودي ، فتحدثوا بالكوردية ، وتزيوا بالازياء الكوردية ، ومارسوا العادات والتقاليد الكوردية ، بل وساهموا في بناء المدن والحواضر الكوردية ، وهذه الحقائق مثار اعتزاز لنا ، وقد كان احفاد هؤلاء اليهود مخلصين واوفياء لكوردستان ، فعندما دكت طائرات صدام حسين مدينة حلبجة بالقنابل الكيميائية ، وحينما ذبح على حسن المجيد 182 الف كوردي في عمليات الانفال الاجرامية ، كان هؤلاء اليهود هم الوحيدين الذين نزلوا الى شوارع تل ابيب ومدينة طبرية يعلنون استنكارهم لذبح الكورد ، بينما صمتت عواصم العالم العربي والاسلامي والعالم كله صمت اهل المقابر.

ومن ابسط الامور التي لا يجهلها اي عاقل ، بأن اسرائيل لا يمكن في حالتها الراهنة ان تفكر بعلاقات ستراتيجية مع الكورد ، لان اي تفكير بهذا الاتجاه لا يعني سوى المزيد من المشاكل لها مع الانظمة العربية التي لا ترتاح لوجود اي كيان كوردي ، فاسرائيل يهمها اولا واخيرا امنها ، وهذا الامن لا يمكن توفيره الا بعقد ميثاق سلام مع الانظمة العربية والاسلامية ، وكل هذه الانظمة ودون اية استثناءات لا تريد لاسرائيل ان تبني اي علاقة مع الكورد ، نعم قد يكون هناك بين الاسرائيليين الكثيرين ، احزاب او افراد ، ممن يودون مساندة الكورد ، ولكن هذا لا يدخل ضمن اولويات السياسة الرسمية الاسرائيلية . لذلك فاي حديث في هذا المجال ليس الا من باب التكهنات التي لا تستند على اي دلائل او وقائع مادية ملموسة.

واذا كان هناك اليوم علاقة او لم تكن بالدولة اليهودية ، فالكورد وحدهم يملكون حق عقد اي علاقة مع اي جهة ، فالموقف الكوردي الشعبي يجب ان لا يكون رهينا بمزاج الاخرين ، بل يجب ان تكون مصلحة شعب كوردستان وحدها المحك في اقرار هكذا سياسات ، ونقطة اخر السطر.

وبالنسبة لاقليم كوردستان الذي يساهم بكل فعالية في عملية بناء العراق الفيدرالي الديمقراطي ويحارب الارهاب بكل قواه ، فقد اعلن الرئيس بارزاني مرات عديدة التزامه بالسياسة الخارجية للحكومة الفيدرالية وان حكومة الاقليم ليست لها اية علاقات مع الدولة العبرية ، ولكن اذا تغيرت الامور واصبحت لاسرائيل سفارة في بغدا د حينها لن يكون هناك من سبب يمنع فتح قنصلية اسرائيلية في اربيل ، اي ان الامر كله مرتبط بالسياسة الخارجية للعراق.

ومن البداهة القول بان التيارات السياسية الكوردية تؤمن بان السلام يمر عبر انشاء الدولة الفلسطينية الى جانب دولة اسرائيل والعيش بسلام معا وعودة اللاجئين الى ديارهم ، و لا يمكن لا للعرب ان يرموا اليهود في البحر ولا يمكن لليهود ايضا رمي الفلسطينيين في البحر ، فوجودهما حقيقة واقعة لا يمكن ان يغيرها لا عنف وتطرف بعض الاطراف الفلسطينية ولا التوجهات الضيقة لبعض قادة اسرائيل .

ومن جهة اخرى فلاقليم كوردستان علاقات طيبة جدا مع السلطة الشرعية الفلسطينية ، وفي العام الماضي زار الرئيس محمود عباس العاصمة اربيل ، وكان هناك استقبال حافل له من قبل القيادات الكوردستانية ، كما ان وفودا فلسطينية اخرى زارت كوردستان ، ويبدو ان ثمة علاقات وطيدة يتم التأسيس لها بين الطرفين ، وهذا شيء جيد ، وهو عمل مفيد للطرفين وفي الاتجاه الصحيح ، واعتقد ان مستويات معينة من العلاقة مع الاحزاب الاسرائيلية ستفيد العلاقات الكوردية الفلسطينية ايضا.

ولكن ، في موضوع العلاقة الكوردية الاسرائيلية و كرأي شخصي بحت اقول ، المفروض ان لا يكون موقف الحكومة الفيدرالية وحكومة كوردستان مانعا امام علاقات غير رسمية بين الاحزاب الكوردستانية وحتى العراقية مع الاحزاب الاسرائيلية ، وبضمنها الاحزاب الفلسطينية التي تعمل داخل دولة اسرائيل والاحزاب الفلسطينية المؤمنة بالحل السلمي للقضية الفلسطينية في مناطق السلطة ، ان علاقات من هذا النوع ستعمل على تقريب وجهات النظر من اجل بناء سلام دائم بين شعوب المنطقة ، كما انها تساعد في تقدم الجهود الدبلوماسية المبذولة في هذا الاتجاه ، لا ادري لماذا كل هذا التطير من اسرائيل ؟ لماذا يتطير البعض من الواقع ، اليست اسرائيل حقيقة واقعة على الارض؟


وليس صحيحا ابدا ان اي علاقة كوردية – اسرائيلية في المستويات الشعبية تعني انتحارا كورديا ، ان الانتحار هو الانقطاع عن الواقع و العالم و مصالح الشعب والوطن، واذا كان على الكوردي احترام مشاعر الاخرين فحري ، بهؤلاء الاخرين ايضا احترام مشاعر الكورد. والتضحية في سبيل بقاء الود يجب ان يكون متوازنا ، ومسألة الخضوع الى كل نزوات الاخ الاكبر، او مجرد القبول بفكرة مصطلح الاخ الاكبر في السياسة ، لا تعني شيئا ذات قيمة في عالم اليوم ، وعلى الكورد تجاوزه عمليا وفي كل تفاصيل الاحتكاك ، ودون اي تردد.

ويبدو ان اليهود من اصول كوردستانية كانوا سباقين الى تأسيس جمعية صداقة كوردية اسرائيلية ، فقد نشر الاستاذ نزار جاف لقاء مع شخصية اسرائيلية عضو في حزب الليكود انتخب عدة مرات عضوا في بلدية القسطل وهو من اصل كوردستاني ، يقول انه وزوجته واولاده ما زالوا يتكلمون الكوردية في البيت ، وكان لهذه الشخصية رأي في العلاقة الكوردية الاسرائيلية وكما جاء في الحوار الانف الذكر فيقول الاسرائيلي الكوردستاني الاصل:

” نحن نريد و نطمح أن تكون هنالك علاقات صداقة قوية بين الشعبين الاسرائيلي والكوردي ونريد أن نبلغ الشعب الكوردي من خلال تأسيس هذه الجمعية بأن هنالك العديد من الاصدقاء والمخلصين للشعب الكوردي في إسرائيل ونريد من خلال نشاطات هذه الجمعية توسيع العلاقات الثنائية وتطويرها في مختلف المجالات بما يخدم مصلحة الشعبين. ونريد أيضًا من خلال هذه الجمعية التعرف إلي النشاطات الثقافية والفنية والفكرية والسياسية ونقل صورة عنها الي الشعب الاسرائيلي”.

ويضيف:
” آبائي وأجدادي نشأوا وترعرعوا في عقرة ودائمًا كانوا يتحدثون عن تلك المدينة بشكل خاص وكل ما يتعلق بكوردستان بشكل عام، وبالنسبة إلي قلتها وأقولها الآن أيضًا، أنا بالدرجة الاولي كوردي وإسرائيلي ثانيًا، ومن ثم يهودي”.

اسرائيل دولة صغيرة كحجم جغرافي في قلب الشرق الاوسط ، لكنها كبيرة الشأن عسكريا واقتصاديا وسياسيا ، وتوازي قوتها الطاقة الكلية لكل الانظمة العربية والاسلامية ، وغالبية دول العالم اعترفت بها ، فتعقد معها اوثق العلاقات وعلى رأسها كل الدول الكبرى في العالم ، كما ان كل الدول العربية وبدون استثناء لها علاقات او صلات او رسائل من تحت الطاولة مع اسرائيل ، والعلم الاسرائيلي يرفرف في سماء اكثر من دولة عربية ، والفلسطينيون انفسهم ، ومعهم جماعة حماس يلتقون الاسرائيليين ويفاوضونهم ، وهذا ليس سيئا ، فالحوار والتفاهم يجب ان يكون هو الاداة الاهم لخلق السلام المنشود ، ولكن الكورد لم يفعلوا عشر معشار ما فعله العرب في هذا المجال ، فلماذا يجب ان يكون الكوردي سيئا عندما يعقد صداقة عابرة وفي حالة اضطرار قاهر مع بعض الاسرائيليين ، بينما اخواننا في العالمين العربي والاسلامي يكونون وطنيين و(مقاومين) لاسرائيل ولكنهم لا يترددون ابدا في عقد كل انواع العلاقات وتبادل القبل والابتسامات امام الكاميرات ويوسطون دولا اخرى لتقنع اسرائيل للجلوس معهم وجها لوجه ؟ عجبا ، هل يريدون من الكوردي ان يكون ملكيا اكثر من الملك!؟