الرئيسية » مقالات » ثورة تعود لأصحابها…التأريخ و الحقائق (3 ـ 6)

ثورة تعود لأصحابها…التأريخ و الحقائق (3 ـ 6)

القوى التي خالفت تيار ولاية الفقيه في إيران بعد عودة الخميني لطهران، کانت مختلفة و لکل واحدة منها موقفها و فهمفها الخاص ازاء ذلك الطرح العقائدي الذي يؤدلج الدين لمرام سياسية محددة وفرق مشروع فکري ـ سياسي خاص و ممنهج، الجبهة الوطنية بزعامة الدکتور کريم سنجابي والذي حظي بمنصب اول وزير خارجية لإيران بعد نجاح الثورة، کانت على الاغلب تيار سياسي لايملك قاعدة جماهيرية بإمکانها تحريك او دفع الاحداث بإتجاه معين، والاعم و الاکثر قربا للفهم، أن الخميني قد تمکن فعلا من وضع الجبهة الوطنية تحت إبطه و تمييع تواجدها على الساحة الايرانية حيث انها مالبثت ان تلاشت و انتهى تأثيرها. أما تيار”نهضة الحرية”بزعامة المهندس مهدي بازرگان والذي کان له نوعا من الحضور السياسي و الجماهيري سيما وانه کان من المقارعين لنظام الشاه، فقد حظي هو الاخر بمنصب اول رئيس وزراء للعهد الجديد، وبديهي ان الخميني قد کان ذکيا بوضع بازرگان في ذلك المنصب والامر لما يستقم و يتخذ سياقاته النهائية، هذا التيار کان حظه مع النظام أفضل من الجبهة الوطنية إذ أنه حظي بمنصب وزير الخارجية(الدکتور ابراهيم يزدي) بعدما تنحى الدکتور سنجابي من منصبه، لکن هذا المنصب کان آخر ظهور قوي و مباشر له على صعيد السلطة و النفوذ حيث ان نهضة الحرية الذي آلت قيادته فيما بعد لأبراهيم يزدي قد لبثت هي الاخرى رويدا رويدا في الظل و صارت مجرد قوة سياسية هامشية تعارض بطريقة”خجولة”ان صح التعبير. أما حزب توده‌، فإنه أساسا لم يکن بتلك القوة السياسية التي يعتد بها خصوصا وان ماضيه بالتعاون مع نظام الشاه لم يکن يمنحه أرضية جماهيرية صلبة کي تقف عليه والحق ان هذا الحزب قد سعى بطريقة أو بأخرى لکسب ود الخميني وإنتهاز الفرص بأية طريقة او اسلوب کان، والواقع ان الخميني وعلى الرغم من کراهيته و مقته لحزب توده‌، لکنه أبقاه لفترة محددة تحت أنظاره من أجل أهداف معينة منها التمويه على العالم والاهم من ذلك توظيف الحزب ضمن الاحزاب الاخرى کما کان هذا الحزب يفعل في عام 1982 تحديدا بتعاونه مع الحرس الثوري من أجل ماکان يسميه”إجتثاث” التيارات الليبرالية و غيرها من الساحة، لکنه وفي نهاية المطاف وبعد ان استنفذ أغراضه من جانب النظام الديني فقد تم الاجهاز عليه و محوه من الوجود.
القوة السياسية الوحيدة في إيران بعد نجاح الثورة والتي لم تستلم أي منصب سياسي معين رغم قاعدتها الجماهيرية العريضة و ماضيها التليد في مقارعة نظام الشاه و المساهمة الکبيرة في إسقاطه، کانت منظمة مجاهدي خلق التي أتعبت الخميني واقضت من مضجعه طوال العامين الاولين بشکل خاص وطيلة الاعوام الاخرى المتبقية من عمره بشکل عام. والحق ان الخميني قد حاول جاهدا للمارسة نفس اللعبة التي لعبها مع الجبهة الوطنية و نهضة الحرية لکن باسلوب آخر، إلا أن المنظمة التي کانت متمرسة في الامور السياسية وکانت تدرس و تراقب الامور الجارية عن کثب، کانت تنأى بنفسها بعيدا عن (العروض الخاصة)، وقد سبق وان المعنا الى العرض السري الخاص الذي قدمه أحمد الخميني الى مسعود رجوي لکي تتحالف المنظمة مع والده وبعدها(تنفتح الابواب کلها)بوجوه منظمة مجاهدي خلق، وهنا يجب أن نؤکد و بصورة قطعية من انه لم تکن هنالك أية قوة سياسية إيرانية يومئذ بإمکانها رفض ذلك العرض المغري. لکن رفض مجاهدي خلق لعروض الخميني و مساوماته الواحدة تلو الاخرى وإصرارها على ضرورة حسم الامور بينهما من خلال صناديق الاقتراع قد کلفها الکثير حتى ان الخميني ومن هول هذا الاصرار الاستثنائي للمنظمة على الصمود و المجابهة بالطرق و الاساليب الديمقراطية السلمية و السليمة، أطلق تصريحا ناريا مشهودا ضد المنظمة عندما قال:( عدونا ليس في امريکا، وليس في الاتحاد السوفياتي، وليس في کوردستان، وانما هنا أمام نواظرنا في طهران ذاتها)، والاغرب ان رئيس محکمة مدينة بم وبعد مرور شهر واحد على تصريح خميني آنف الذکر، أعلن قرارا غريبا من نوعه عندما قال:(مجاهدي خلق بأمر الامام الخميني هم مرتدون واسوأ من الکفار، وليس لهم أي توقير مالي و لاحتى حياتي، ولأجل ذلك فإن محکمة الثورة الاسلامية لاتعطي بالا لشکاويهم الکاذبة)، والامر الجدير بالملاحظة هنا، هو ان منظمة مجاهدي خلق ولحد تأريخ هذه التصريحات المتشددة لم تکن قد إرتکبت أية أعمال عنف و مقاومة ضد النظام، وطبعا کانت هنالك أيضا تصريحات عنيفة أخرى ضد المنظمة ومن جانب مختلف الشخصيات السياسية التابعة للنظام والغريب ان المنظمة وعلى الرغم من ان الخميني عندما واجهها بما اسماه بالمهلة الاخيرة لتحديد موقفها من نظام ولاية الفقيه، لم تکن لحد ذلك الوقت قد رفعت لواء العصيان و الثورة ضد النظام بل وانها أعلنت موقفا سياسيا خاصا من ذلك الطرح الفقهي المثير للجدل حينما قال رجوي في رسالة مفتوحة للخميني:(نحن لم نصوت لدستورکم”ولاية الفقيه”، لکننا ملتزمون به)، ان مسألة الاختلاف بين الخميني و نظامه الذي أسسه من جهة، وبين منظمة مجاهدي خلق التي خاضت نضالا سياسيا ـ کفاحيا مريرا ضد نظام الشاه وقدمت آلاف الضحايا من أجل تحرير إيران و تأسيس نظام ديمقراطي حقيقي يتنعم الشعب في ظله بحرية کاملة وغير منقوصة، من جهة ثانية، لم تکن صراعا على السلطة و النفوذ بقدر ماکانت صراعا بين مدرستين فکريتين مختلفتين عن بعضيهما تمام الاختلاف، وهو امر أقر به آية الله المنتظري أيام کان نائبا للخميني، والذي کان يعقد القضية أکثر أمام الخميني و رجال الدين، هو ان مدرسة مجاهدي خلق الفکرية ـ السياسية کانت تمتلك قطاعا عريضا جدا لايمکن الاستهانة به من الشارع الايراني، وذلك کان يعني فيما يعني ان بقاء المنظمة في الساحة السياسية سوف يقود بالضرورة الى تطوير و توسيع هذه المدرسة و زيادة روادها و أتباعها، وهو امر تحسب منه الخميني منذ البداية خصوصا مع رفضهم للإقرار بمبدأ ولاية الفقيه وعدم أخذهم بها، وان بوادر تعرض ميليشيات الخميني لمقرات المنظمة و أعضائها بدأت عقب التصريحات المتشددة الآنفة التي أشرنا إليها آنفا، ويکفي أن نذکر بأنه قد تم إغلاق أکثر من 250 مکتبا للمنظمة في سائر أرجاء إيران وکذلك تمت حملة مداهمة وإعتقالات طالت الآلاف من أعضاء المنظمة کما بدأت الروايات تتردد عن تعرض معتقلين من منظمة مجاهدي خلق لعمليات تعذيب تحدثت عنها وسائل الاعلام العالمية مما دفع الخميني للزعم بأن المنظمة تقوم بنفسها بتعذيب أعضائها و تضع وزر ذلك في عنق السلطة، وهو زعم تکرر لأکثر من مرة وعلى أکثر من لسان ويقينا ان هذا الزعم کان من الوهن و السماجة بحيث لم يکن من السهل أن ينطلي على الشعب الايراني لکن النظام الديني وعلى الرغم من ذلك تمسك بموقفه هذه واصر عليها لکي يجعل منها حقيقة و امر واقع.
ان الوضع الداخلي في إيران وطوال العامين الاولين من عمر الثورة، کان ضبابيا و غير مستقرا بصورة يمکن من خلالها حسم الامور لجانب سياسي محدد، وان الخميني وعلى الرغم من جماهيريته الکبيرة بين اوساط الشعب الايراني، لکنه کان يعاني الامرين من أجل الامساك بزمام المبادرة بالاسلوب الذي کان يبتغيه، وقطعا لم يکن أبدا يفکر في نظام ديمقراطي او حتى مجرد نظام تتشارك به مجموعة من القوى و التيارات السياسية، بل انه کان ينتظر و بشغف و فارغ الصبر لکي تخلو الساحة له لوحده ويمسك الخيوط کلها بيده، ولما کانت منظمة مجاهدي خلق هي الطرف السياسي الوحيد الذي يقف و بصورة مباشرة ضد محاولات الخميني بهذا الاتجاه، فإنه عانى الکثير من جراء ذلك و دفع ضريبة باهضة بسبب موقفه هذا. وهنا، تجدر الاشارة الى أن الوقوف بوجه الخميني و تياره ولاسيما في ذلك الوقت کان أشبه مايکون بالسباحة ضد التيار او الوقوف بساحة مکشوفة أمام خصم مدجج بکل اسباب و وسائل القوة والابادة، لکنه ومع ذلك فقد قبلت منظمة مجاهدي خلق ذلك التحدي”الصعب جدا” والذي وبصراحة لم تکن هنالك قوة سياسية إيرانية تحسدها عليها بل وان الجميع(ومن ضمنهم حزب توده‌)قد راهنوا على أن المنظمة ستتلاشى و تنتهي لدخولها صراع من هذا الطراز وخلال فترة غير طويلة نسبيا، بيد ان العلة الاساسية لإصرار المنظمة على موقفها العنيد هذا لثقتها الکبيرة بنفسها اولا ولإيمانها بأنها المعنية بالدرجة الاولى بالثورة و مسؤولة عنها أخلاقيا ولم يأت هذا الايمان إلا بسبب قناعة المنظمة بأنها و الجماهير الايرانية صاحبة الثورة و مالکتها الحقيقية والواقع هنا يکمن مربط الفرس و نهاية کل الاسباب.
ولو تمعن المرء مليا في الاسلوب الذي کان مسعود رجوي يدير به الصراع الصامت القوي القائم بين المنظمة و بين الخميني، لرأى بوضوح أن اسلوب و تعامل رجوي کان ينبع من موقع الحرص و المسؤولية تماما کالاب الحريص على عائلته و بيته عندما يلم بها ظرف غير عادي، وان تلافي المنظمة و تحاشيها لکل حالات الاحتکاك و الاصطدام التي کانت تحدث من جانب ميليشيات الخميني في الوقت الذي کانت مصادر من داخل المؤسسة الخمينية الحاکمة تؤکد بأن المنظمة تمتلك ميليشيا مکونة من 500 الف فرد، ومن ضمن هؤلاء رفسنجاني الذي کان يعتبر الشخصية رقم 2 في هرم الحکم طيلة 30 عاما حيث يشير في مذکراته بأنه کان لمنظمة مجاهدي خلق عام 1981، 500الف من افراد الميليشيا، وذلك ماکان يدفع بالمراقبين حينها للحيرة من موقف المنظمة هذا و طول صبرها وتحملها والعبرة من وراء ذلك وللحديث صلة.