الرئيسية » مقالات » الأزمة الإقتصادية وعولمة ( الأنانية )

الأزمة الإقتصادية وعولمة ( الأنانية )

لا نريد أن نقف من العولمة الاقتصادية أم الثقافية موقف المعادي فهي ليست شرا محضًا أو فزّاعة ينبغي تجنّبها ، كما ان انتقاد “العولمة” الجامحة الغير منضبطة يَجب ألا يوقعنا في فخ الأيديولوجيات الأصوليات أو الفاشيات التوتاليتارية ، فالعولمة أحدثت بلا شك واقعًا خصبًا لتبادل الخبرات المعرفية والتلاقح الفكري فاتِحَة مجالا رحبًا للتعايش الانساني.

وقد رحب المفكرون منذ مطلع التسعينيات ب”فتوحات العولمة ” معتبرينها مفصلا مهمًّا للانفتاح الحضاري ، يقول علي حرب في هذا السياق :”إن امبريالية الأسواق الحرّة التي يفزعون منها على مصالح الشعوب، هي أقل بكثير كلفة ، دماءً ودمارًا ، من المشاريع التي طرحت شِعَارات التحرر والتقدم الاجتماعي أو السياسي، فإذا بها تُنتج الكوارث على الصعيد الوجودي، بقدر ما ترجمت إلى أنظمة شمولية أو الى معسكرات بشرية راح ضحيتها الآلاف المؤلفة، مُشِكِّلَة بذلك الوجه الآخر للفاشيات القومية والأصوليات الدينية التي تسعى وراء أحلام مستحيلة حصيلتها سحق الشعوب وتدمير المجتمعات، تحت راية الدفاع عن الهوية أو مقاومة الغزو”[1]

بيد أنّ هذا الاحتفاء بالعولمة أخذت تتراجع حدته مع بروز جشع السوق الرأسمالي الذي انفجر أزمة مالية مدوّية العام المنصرم واضِعًا خبراء الإقتصاد أمام إشكاليّة حقيقية ومعضلة ماديّة جعلتهم يعيدون النظر في الكثير من الاستراتيجيات المؤسسة للاقتصاد ، فيما يشهد العالم اليوم علامات تدهور اقتصادي ونكوص حادّ يحمل في طياته بذور انهيار وفوضى في ظل جهودٍ دولية حثيثة للملمة التداعيات.
فهل ستنجح هذه المساعي لتوفير رخاء المجتمع البشري في ظلّ غياب الانسان ؟! وهل السبب يكمن في العولمة نفسها أم في أسسها و تطبيقاتها؟

عولمة “الأنانية “:

أحدثت “الثورة الصناعية “[2] علامة مؤلمة في تاريخ الانسان، حيث عملت على توليد “أنوية مادية “، بالغت في جشعها وتبلورت على شكل “رأسمالية مطلقة “، حيث تشكلت مجموعة صغيرة من “الأنوات ” امتلكت كل وسائل الانتاج، فيما اصبحت الكثرة مجرد أرقام عاملة في دولابها ، مكرّسة بذلك نوع من الاستغلال لم تشهده الانسانية من قبل.

ومنذ مطلع التسعينيات من القرن العشرين ، حذّر الكثيرون من علماء الاقتصاد من الآثار السلبية المحدقة بالبشرية جراء “الاحتكارات ” والظلم الذي أطلقه “النظام العالمي الجديد “، حيث أدت “الليبرالية الاقتصادية المطلقة عن الشروط”التي طالبت بتحرير التجارة الدولية من كافة القيود وبتحرير حركتها وتحويلها من القطاع العام الى الخاص، الى تحويل العالم والدول الى “مجموعة شركات” متنوعة الجنسيات، يَملكها في معظم الاحيان ” الحكّام” الذين يخوضون الحروب لضمان “أسواقهم” ؛ وفي دوامةٍ من العنف تدور رحى الحرب بين اركان العنف حيث يسيطر أصحاب الشركات ورؤوس الاموال، على مراكز صنع القرار التي تتحكم في الاقتصاد العالمي وتحرك الاستراتيجيات العسكرية، وكل ذلك على حساب الشعوب. انها ببساطة تحويل الدول الى “مافيات إرهابية” !
فماذا ينتج عن عمل المافيا هذه ؟

نجد ان الوسائل والنتائج ستكون “عنفية ” ونسجل في هذا السياق النقاط التالية :

· اولا: تراجع الديموقراطيات في كل دول العالم : فالنظام العالمي والعولمة الاقتصادية عدوها الاول الديموقراطية ، لأن كبرى الشركات تزيح السلطة السياسية أو تشتريها وتصبح القاعدة “كل فرد وله سعره” فالناخبين هم موظفون في شركات ” الرئيس ” المنتخب ! وهم يهتفون له في حملاته الانتخابية ، ويصبح التنافس على السلطة السياسية في الانتخابات هو مجرد تنافس على النفوذ الاقتصادي والامتيازات المادية .

· ثانيًّا : تكريس الصراعات والاعمال العسكرية : بما يضمن “فتح اسواق استهلاكية جديدة وتحريك “الركود ” في سوق الأسلحة ، وتحقيق المكاسب الاستثمارية بالدول المنكوبة ، واعادة توزيع ادارة الثروات من جديد بما يضمن استمرارية عمل المصانع وحصولها على المواد الأولية.

· ثالثًا : تدمير البيئة : بشكل مباشر وغير مباشر عبر استنزاف الموارد الطبيعية واستخدام الاراضي لطمر النفايات السامة واستغلال الغابات والثروة الخضراء وانبعاث الغازات السامة المسببة للاحتباس الحراري ….

· رابعًا :انهيارالانسان وحقوقه : وهو تحصيل حاصل لِمنطق الاحتكار ، فالانسان ككيان روحي ونفسي متكامل لا مكان له في هذه المنظومة المادية ، وهو مجرد “رقم استهلاكي” على جدول الاقتصاد العالمي يتم التعامل مع صورته المادية فقط وبعده الجسدي ، وتصبح المرأة فيه كائنا سليكونيًّا غبيًّا مستهلكا يحقق المتعة لاهثًا وراء عمليات تغيير الخلق، والرجل فيه “فرعونًا” يسعى لامتلاك “المال” المؤدي للسلطة الجانية للأرباح !


· خامسًا : عنف وسائل الاعلام والاعلان : التي تشكل الخيط الرابط الذي يتخلل شتى اعمال العنف ، حيث انها تخضع بالكامل لسلطة “رجال الاعمال المعلنين ” الذين يوجهون الاحداث المحلية والعالمية والسياسية والاقتصادية بما يتناسب مع مصالحهم! فتُلَوّن الاخبار وتُبدَّل الأحداث وتَنقلب المفاهيم ويتصدر الاعلامي النجم المطيع لاستراتيجية “فضائيته”، ويصبح الانساني الواعي في خبر كان !

لا شك في أن الدراسات الاقتصادية اليوم تتجه نحو مراجعة الآثار الكارثية التي خلفتها الأزمة في ظلّ توجه حقيقي نحو إعادة تبني قيم إنسانية ينبني عليها العمل الاقتصادي بعد أن حُيِّد الإنسان بالكامل عن عالم المال إذ أن مسلمّة :”أن على الاقتصاد أن يكون في خدمة الإنسان وليس العكس” جديرة بالاهتمام .

http://marwa-kreidieh.maktoobblog.com /

[1] علي حرب – تواطؤ الأضداد – الآلهة الجدد وخراب العالم – منشورات الاختلاف – ط1 – 2008 – ص – 256
علي حرب – حديث النهايات، فتوحات العولمة ومآزق الهوية، ، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 2000 .
[2] ندرة اليازجي – فلسفة الانسان الثائر – دار الغربال – دمشق – ط 2 – 1995 – ص : 75 – وقد تناول بعمق الأزمة التي أحدثتها الثورة الصناعية معتبرا أنها نقطة سوداء بتاريخ الانسانية .