الرئيسية » مقالات » البعثيون والصداميون .. نكسانه مو نكسانه

البعثيون والصداميون .. نكسانه مو نكسانه

تحل اليوم الذكرى السابعة والاربعون لانقلاب الثامن من شباط الدموي ، الذي خطط له في اروقة المخابرات الغربية والامريكية تحديدا . ونفذه بمهارة فرسان العروبة من البعثيين والقوميين ، المدعومين حينها من المؤسسة الدينية الشيعية والقوى القومية الكردية . و الرجعية المحلية والعربية وعواصم عديدة في المنطقة والعالم ، من الذين تضررت مصالحهم صبيحة الرابع عشر من تموز 1958 . والذين يحملون اليوم زيفا راية مقاومة المحتل الامريكي ، الذي لولاه لما وصلوا الى السلطة في ذلك الصباح المشؤوم من العام 1963 . لينفذوا وبرغبة طاغية للقتل اوامر الادارة الامريكية في اجهاض ثورة 14 تموز ، وليدخلوا العراق وعلى متن القطار الامريكي الذي استقلوه ، نفقا مظلما ومرعبا لم يجلب لبلدنا الا الكوارث والدمار ، وليلف العراق ليل دامس طويل وليومنا هذا .

وعلى الرغم من كل الادلة والشواهد التي تثبت عمالة البعثيين للولايات المتحدة الامريكية ، والتي يريد البعض انكارها على اساس ان الامريكان هم الذي اطاحوا بنظام البعث . الا ان شهادة عميل امريكي كان يقبض راتبا من ” وكالة الاستخبارات الامريكية ” ( سي .آي . اي ) منذ العام 1957 ، تؤكد عكس ذلك تماما . ففي حديث شخصي منفرد لهذا العميل اي الملك الاردني حسين بن طلال ، مع محمد حسنين هيكل رئيس تحرير الاهرام المصرية . والذي جرى بعد سبعة اشهر من نجاح انقلاب 8 شباط وفي فندق ” كريون ” في باريس قال الملك ( تقول لي ان الاستخبارات الاميريكية كانت وراء الاحداث التي جرت في الاردن عام 1957 . اسمح لي ان اقول لك ان ما جرى في العراق في 8 شباط ” فيراير ” قد حظي بدعم الاستخبارات الاميريكية . ولا يعرف بعض الذين يحكمون بغداد اليوم هذا الامر ولكني اعرف الحقيقة . لقد عقدت اجتماعات عديدة بين حزب البعث والاستخبارات الامريكية ، وعقد اهمها في الكويت . أتعرف ان … محطة سرية تبث الى العراق كانت تزود يوم 8 شباط ” فبراير ” رجال الانقلاب باسماء وعناوين الشيوعيين هناك للتمكن من اعتقالهم واعدامهم ؟ ) ” 1 ” ويقول حنا بطاطو ( ان عضوا في قيادة البعث العراقي 1963 ، طلب عدم ذكر اسمه ، اكد في حديث له مع المؤلف ” بطاطو ” ان السفارة اليوغسلافية في بيروت حذرت بعض القادة البعثيين ، من ان بعض البعثيين العراقيين يقيمون اتصالات خفية مع ممثلين للسلطة الامريكية ) ” 2 ”

ان المجرم صدام حسين لم يشارك ( على الاقل مشاركة فعالة ) في انقلاب شباط ، لانه كان في مصر حينها . ولكن جميع البعثيين الذين اشتركوا في انقلاب 17 تموز 1968 ، كانوا من المساهمين الفعالين في انقلاب شباط 1963 . واداروا بكل سادية حفلات التعذيب والاعدام بحق الالاف من الشيوعيين والديموقراطيين ، بعد ان حولوا العراق بأكمله الى معتقلات واقبية للتعذيب والموت . وعليه فان حزب البعث كحزب سياسي وليس كأفراد ، يتحمل المسؤولية التاريخية للسلوك الاجرامي في 8 شباط 1963 . والذي فتح على العراق ابواب جهنم ، ليصبح مصير البلد اليوم على كف عفريت . نتيجة الاحتراب الطائفي والقومي ( والتي بالاساس هي من مخلفات البعث وتركته الثقيلة ) ، وعدم وضوح الرؤية السياسية للاحزاب التي تملك السلطة تجاه المخاطر التي تهدد الشعب والوطن . ان ما يقال في بازار السياسة اليوم عن ضرورة التمييز بين البعثي والصدامي لهو ضرب من الجنون ، فأذا نجح البعث ( لا سامح شعبنا في ذلك ) بالعودة الى المشهد السياسي ثانية . فاننا سنكون امام 8 شباط جديد وبحلة جديدة ، حيث سينصب البعثيون المشانق على تقاطعات الشوارع وفي الساحات والمدارس بل وحتى في رياض الاطفال . ليشيدوا جمهورية البعث الثالثة من الجماجم ، بعد ان يحولوها الى نفاضات لسكائرهم وليسكروا بدماء العراقيين . والمفارقة التاريخية هي العمل على عودة هذا الحزب نازي النزعة الى المشهد السياسي في شباط تحديدا .

ولو فرضنا جدلا عدم مشاركة قادة البعث جميعم في حفلات التعذيب والموت حينها ، فهل نستطيع ان نقبل من انهم لم يسمعوا بها على الاقل ؟ واذا فرضنا انهم لم يستطيعوا فعل شييء تجاه ذلك لضعفهم وقتها ، فما هو مبررهم للاستمرار في العمل مع هكذا حزب لحين وصوله الى السلطة مرة ثانية في تموز 1968 ؟ ولماذا لم تتحرك هذه الحمائم المزعومة تجاه رفاقهم ، وهو يدشنون حكمهم الجديد ، بفتح ابواب باستيل العراق اي معتقل قصر النهاية ليستذكروا ويعيدوا ساديتهم من جديد .

ان النازي صدام حسين هو خريج مدرسة البعث بكل اجرامه ، وعليه فليس من المنطقي تمييز البعثيين بين صدامي وبعثي ( مثلما لا يجوز وفق القانون الالماني التمييز بين هتلري ونازي ) . لان الذي عليه تحمل النتائج هو الحزب الذي اوصله الى السلطة ، وهذا ما يؤكده مؤسس حزبهم اي ميشيل عفلق . الذي كشف بنفسه امام المؤتمر القطري السوري الاستثنائي عام 1964 قائلا ( في ايار ” 1963 ” أو قبله رجوت الرفيق حمدي – اي حمدي عبد المجيد عضو القيادتين القومية والقطرية العراقية – ان يذهب الى بغداد وينبه الزملاء الاعضاء هناك الى مخاطر الارتجال . يومها … كان كل المعسكر الشيوعي يقف ضدنا … لهذا فاني الححت عليه ان يسأل الاشقاء في العراق ، نظرا للمسار الذي اختطوه ، ماذا حصل بالحياد الايجابي ؟ ويعرف الرفيق حمدي اني حذرت باستمرار من سياسة سفك الدماء والتعذيب ، كائنة من كانت الضحايا ، لان خلافاتنا مع الشيوعيين لا يمكنها ان تبرر هذه الوسائل . لقد كان للثورة في أشهرها الاولى حقها المشروع في الدفاع عن نفسها ضد الذين وقفوا في وجهها بقوة السلاح . أما بعد ذلك ، وعندما صار لا يمر شهر او اسبوع الا ونسمع او نقرأ عن اعدام عشرات الرجال ، فقد اخبرت الرفيق حمدي ان هذا المسار سيؤدي الى ضرر كبير . وذهب حمدي الى بغداد وعاد منها ، ولكن دون نتيجة تذكر . وقد يقال ان عناصر غير حزبية داخل النظام شجعت هذه السياسة ، وهذا صحيح ولكن كيف يمكن البعث ان يتحمل مسؤولية الثورة والحكم في بلد عربي اذا كانت العناصر اليمينية تستطيع التلاعب به بهذه السهولة ؟ هل كان مسموحا تسليم الازمّة لعناصر غير حزبية او قليلة الضمير ، عناصر ساعية الى كسب رضى اليمين وهو ما يجعل لها مصلحة اساسية في قتل الشيوعيين . او عناصر دفعها فهمها او تربيتها الى مثل هذا المسار دون ان تعي ضرره ومخاطره على البلد ؟ ان الحزب هو الذي سيحاسب في النهاية امام الرأي العام في الوطن والخارج ) ” 3 “.

ان طريقة تغيير النظام الدموي في بغداد وتبعاتها ، والمرجعيات الدينية التي افتت بحماية البعثيين بعد التاسع من نيسان 2003 ( وهي نفسها التي افتت بأبادة الشيوعيين على يد البعثيين عبر البيان رقم 13 في العام 1963 ) . والاحزاب الطائفية والشيعية منها تحديدا ، بالاضافة الى الاحزاب القومية الكردية . الذين امتلكوا القرار السياسي في البلد منذ التاسع من نيسان وليومنا هذا ، ونتيجة لاخفاقاتهم المستمرة في حل الازمات التي عانى منها شعبنا ، وعدم توفير مستلزمات حياة كريمة لهذا الشعب الذي عانى الامرين من حكم البعث الهمجي . ونتيجة لاصرارهم الغريب على تكريس مفاهيم طائفية وقومية ، ادت الى نظام محاصصاتي مقزز . ساهم في استشراء الفساد بأشكاله المختلفة ، ونشوء طبقة من السياسيين الاثرياء الذين لا تزيدهم المناصب التي يحتلوها الا شراهة في سرقة البلد وثرواته ، وكأن بينهم وبين البلد ثأر قديم . كل هذه الاسباب مجتمعة وغيرها الكثير ، ادت الى ان تعمل الولايات المتحدة الامريكية باعتبارها اللاعب الاكبر والابرز على الساحة السياسية العراقية ، وبضغط من العواصم العروبية على اعادة الروح الى مومياء البعث .،بحجة ان هناك فرقا بين البعثي والصدامي .

وهذا الفرق بين الاثنين اي البعثي والصدامي ، يذكرني بحادثة جاءت في كناية بغدادية . وهي ان رجلا عمل مع بعض الفلاحين لجمع التمر ، وعند انتهاء اليوم اعطوه كمية كبيرة من التمر كأتعاب . فتناول الرجل قسما من التمر كعشاء ، ولكثرة التمر عنده فقد بال على البقية منه . وفي اليوم التالي وبعد انتهاء فترة العمل طالب بحصته من التمر ، فقال له الفلاحون من ان حصته بالامس هي لكل الموسم . فعاد صاحبنا الى التمر الذي بال عليه في أمسه وبدأ بفرز التمر قائلا ( هاي نكسانه هاي مو نكسانه ) ، وكرر نفس العملية حتى اتى على كل حصته من التمر . والحكومة العراقية التي يديرها بايدن والمسؤولون الامريكان ، الذين يتجولون في اروقة برلمان المحاصصة ، سيعزلون البعثيين قائلين ( هذا صدامي .. هذا بعثي ) الى ان يعود كل البعثيين الى المشهد السياسي ( وكأنك ياابو زيد ما غزيت ) .

قالوا استقلت في البلاد حكومة ……………………………………. فعجبت ان قالوا ولم يتأكدوا

أحكومة والاستشارة ربها ………………………………………… وحكومة فيها المشاور يعبد

بايدن هو الذي شرب الطلا ……………………………………… فعلام يا نوري المالكي تعربد

مع الاعتذار للشيخ الشبيبي


” 1 ” حنا بطاطو – العراق – الجزء الثالث ص 300

” 2 ” نفس المصدر ص 300

” 3 ” نفس المصدر ص 305

زكي رضا
الدنمارك
9 شباط 2010