الرئيسية » مقالات » د. حبيب المالح في الذاكرة ابداً ! * 2 من 2

د. حبيب المالح في الذاكرة ابداً ! * 2 من 2

د.حبيب المالح مع ابنه البكر ايفان

لقد لعب الشهيد حبيب في تلك الفترة مع مناضلين آخرين في الموصل (1) دوراً هاماً في دعم الأنصار في جبل القوش، و في تلبية احتياجاتهم الإدارية و الطبية و قضايا المراسلات و الأخبار، اضافة الى العناية بمرضاهم و جرحاهم بالأمكانيات الموجودة في مدينة الموصل. اضافة الى دوره مع الوجوه الإجتماعية الديمقراطية و التقدمية ، في النضال من اجل الديمقراطية .
و لجهوده الكبيرة اختير لعضوية قيادة و فد اتحاد الطلبة العام في الوفد العراقي الكبير الى المهرجان العاشر للشبيبة و الطلبة ، الذي انعقد في صيف 1973 في برلين ، و كان عضواً فاعلاً اساسياً في تلك القيادة التي ضمّت اضافة اليه، الزملاء : رائد فهمي ( وزير العلوم و التكنولوجيا الحالي) ، نضال وصفي طاهر، ابراهيم المشهداني ، الفقيد سعد سعدي و انا بصفتي الطلابية التي جرى ذكرها .
و اضافة الى النشاط الكبير الذي قامت به تلك القيادة الطلابية في برلين في مختلف الفعاليات و في اللقاءات الكثيفة مع العشرات من الوفود الطلابية العربية و الإقليمية و الدولية ، في توضيح نضالات طلبة و شبيبة العراق بالوان طيفه من اجل : الديمقراطية السياسية و ديمقراطية التعليم و الحاجة الى التضامن . . لعب الشهيد حبيب دوراً كبيراً في توضيح معالم القضية الكوردية و نضال الشعب الكوردي من اجل حقوقه المشروعة في الحياة و الحرية كشريك للشعب العربي في دولة العراق . معبّراً بذلك عن روحه الأممية العالية و حبه للعراق بكل الوان طيفه ، فاضافة الى اعتزازه بانتمائه الكلداني، كان في كل صفاته و حياته نموذجا للتآخي و للنضال العربي الكوردي الكلداني الآثوري اليزيدي و المتنوع الأطياف . . من اجل عراق حر سعيد .
و مرّت السنين و تطورت الممارسات الوحشية للسلطة الى سياسة منظمة و آيديولوجيا، جُنّدت لها مؤسسات و (رجال علم و أدب) و اموال فلكية هائلة . . ثم صيغت بقوانين حكمت بالأعدام حتى على ابسط نشاط ديمقراطي طلابي لاحزبي (2) بوجود (جبهة احزاب) !! و اعتبر كل نشاط اتحادي طلابي خارج اتحاد السلطة البعثي، معادي لمسيرة (الحزب و الثورة) ، يحكم القائمون به عليه بالأعدام، ( من اجل بناء الأشتراكية العربية! ) حين كانت شعارات الأشتراكية موضة ذلك الزمان (3) . . بخطط خبيثة كثيرة الإحكام عملت لها و شجّعتها دوائر دولية غربية، و سكتت عنها الشرقية و ساهم قسم منها بها . . اضافة الى الدوائر الإقليمية . . التي دعمت ـ او أجبرت على دعم ـ البعث الحاكم آنذاك.
خططٌ هدفت الى غسل ادمغة الأجيال الجديدة و اعادة نحتها باهداف و شعارات ” نكسب الشباب لنضمن المستقبل ” و ” خذوهم صغاراً ” و ” النبي بدأ بواحد “، ونفذت السلطة ذلك بالأرهاب المنظّم (ارهاب الدولة) وبـ (يد الثورة الطويلة) . . الذي اسس لمجتمع و ثقافة و عقلية الإرهاب ـ المستمرة بشكل خطير في البلاد حتى بعد سقوط الدكتاتورية ـ .
و خلق جمهورية الرعب، التي راح ضحاياها المئات والآلاف . . و التي لم تستطع ايقافها القوى الوطنية التي سارت ـ او أُجبرت على السير بالبطش الدموي ـ كلاّ لهدفها هي من جهة، و لقصور وسائلها و ادواتها (لأسباب لايتسع لها المقال) في مواجهة نظام ارهابي حاكم مخطط له، استخدم و والف القمع الدموي بالديماغوجيا السياسية و الخداع من جهة أخرى . . و ادّت فيما ادّت الى تجميد أتحاد الطلبة العام لولب المنظمات الجماهيرية ـ عدا نقابات العمال ـ ، الذي افتقدته جماهير طلابية عريضة طلابا و طالبات و اوقع غيابه العمل الجماهيري العام في متاهات و متاهات . . في بلد نامي كبلدنا .
. . . .
. . . .
و بعد سنوات تخرّج حبيب طبيباً، و احب مهنته و سعى للتخصص فيها(4)، وعمل في مستشفيات اربيل الحكومية حتى صار طبيباً اقدماً في مستشفى اربيل الجمهوري ـ قسم الطوارئ، شهد و يشهد له ابناء المدينة و عينكاوه رجالاً و نساء بكفائته المهنية و بروحه الإنسانية العالية و تواضعه . . في وقت كان منغمراً فيه، بالنشاطات السياسية و المهنية و الديمقراطية . . من اجل الديمقراطية للعراق و الحكم الذاتي الحقيقي لكوردستان، التي صارت شعارات تتبناها كل قوى المعارضة للدكتاتورية، و تعرّض بسببها الى ضغوط و ملاحقات و محاولات ايقاع متنوعة ، من قبل ازلام البعث الشوفيني.
لقد كان الشهيد في طليعة من قاسوا و واجهوا حملة البعث الوحشية ضد الحزب الشيوعي و القوى و الشخصيات الوطنية و الديمقراطية في عامي 78 و 1979، و كان من قلائل الكوادر الذين تصدّوا لأعادة بناء المنظمات سريّاً في اربيل لكفاءاته النضالية المتنوعة و روح مبادرته و اخلاصه لقضيته . . لمواجهة هجوم البعث الهستيري المنفلت، فواصل الى جانب ممارسته مهنة الطب ، نضاله و عمله ضمن اطار الخطط التي وضعت لذلك في ذلك الوقت العصيب، حتى صار احد ابرز مسؤولي التنظيم الحزبي السريّ في اربيل في غمرة بواكير النضال من اجل اسقاط الحكم الدكتاتوري . .
و قام الشهيد و رفاق و رفيقات منظمته في تلك الظروف القاسية بواحدة من اكبر المآثر في لمّ المنقطعين و تغطية انسحاب المطاردين و حمايتهم و ارسال المتطوعين الجدد الى تشكيلات الأنصار الجديدة في الجبال، و بالنشاط الذي كانوا يؤججوه في مدينة اربيل و خاصة بين الطلبة و الجنود رافضي الحرب بعد اشتعال الحرب العراقية ـ الإيرانية، الذي وصل قمته اثر افتتاح جامعة صلاح الدين فيها ـ بعد الغاء جامعة السليمانية ـ . . اثر تزايد المواليد المدعوة للخدمة العسكرية و للأحتياط بقوة القانون العسكري بالأعدام . . لسوقها الى الحرب التي اشعلها صدام .
و تعرّض بفعل تلك النشاطات و رغم كل اشكال التمويه التي اتبعها، الى انواع المضايقات و التهديدات و التوقيف العشوائي المؤقت لأغراض التخويف فقط، بسبب شعبيته الكبيرة و التفاف الناس الكبير حوله الذي ادىّ الى تعاملهم الحذر معه، كي لايتسبب اعتقاله الكيفي بدون وجود مستمسك ضده بيدهم، بردود افعال قد لا تحمد عقباها في مدينة كان يتزايد الحقد فيها على البعث الشوفيني الحاكم، و على أساليبه الوحشية التي لم تعرف حداً . الى ان اعتقل في ايلول 1980 في عينكاوه باختطافه من الشارع العام المؤدي اليها، ثم اطلق سراحه بعد معاملته بوحشية، بعد ثلاثة اسابيع .
و مرّت الشهور و فيما كنا نستعد و نحن في الأنصار، لألتحاق د. حبيب بنا، لتعذّر بقائه في المدينة في غمار جهود بذلت لمحاولة نجدته، وصلت انباء مؤلمة متضاربة عن اعتقاله و عن اختفاء اثره تماماً ، حيث اعيد اعتقاله في ايار 1981 في عينكاوه في موجة عنيفة من موجات القمع الوحشي في المحافظات و المدن الكوردستانية التي شملت اربيل آنذاك . . اثر تزايد نشاطات السخط الشعبي على حكم البعث الدكتاتوري مشعل الحروب . .
انقطعت اخبار الشهيد حبيب، رغم الجهود المتنوعة التي بُذلت لتتبع اثره . . الى ان نقلت لنا مفرزة انصارية كانت في عينكاوة مطلع عام 1982 ، خبراً يتداوله اهاليها، بأن ازلام الأمن العام اجبروا عائلته الصغيرة للحضور باقصى السرية لأستلام رفاته من بغداد . و تبين انه في صباح يوم 9 من كانون الثاني، اتّصل مكتب امن عينكاوة بعائلته طالبا حضورهم اليه، فذهب والد د. حبيب و اخبروه باعدامه، و ان عليهم السفر الى بغداد لاستلام جثمانه على ان يصل الجثمان ليلا، و ان لايتم الحديث بذلك لأحد والاّ تعرضوا للموت.
فسافر الأب و عدد من رجال العائلة الى بغداد، الى المكان الذي حدد لهم من دائرة الأمن العامة، لإستلام الجثمان الذي رفضوا تسليمه ايّاهم مالم يدفعوا 120 دينار كثمن للصندوق. و بعد ان نقل الجثمان من بغداد بمرافقة الأب و مرافقيه، سمحوا للسيارة بالدخول الى عينكاوة بعد الثانية عشر ليلا ، و منعوا النساء من الذهاب الى المقبرة . و قد دفن الشهيد في ليلة شديدة البرودة صادفت في 9 / 10 كانون الثاني عام 1982 ، بحضور الأب و الأقارب الأربعة من الرجال الذين رافقوا الجثمان بعد سمحوا لهم فقط بالحضور، وسط اجراءات امن مشددة . و لم يسمحوا بالقاء النظرة الأخيرة عليه و لا بأقامة اية شعائر على روحه الطاهرة !!
لقد استشهد د. حبيب المالح في اقبية التعذيب و هو في غمرة عطائه السياسي و الطبي . . و صان باستشهاده حزبه المناضل، و حمى ارواح و مصائر عشرات العوائل و مئات المناضلين و المناضلات،
و عاش و يعيش عميقاً في افئدة الطيبين نداء للخير و للمحبة ، رجالاً و نساءً، كلدانيين و آشوريين، عرباً و اكراداً ومن كل الأطياف العراقية، و تعددت الروايات و الحكايات التي تروي مناقبه و شجاعته و عميق حبه لشعبه العراق بإسلامه و مسيحييه و يزيدييه و صابئته .
و تسبب استشهاده و استشهاد نخبة من مناضلي احزاب كوردستان، بتزايد السخط الصامت من اجراءات الدكتاتورية و حزبها الأرهابي الدموي . . السخط الذي تفجّر بعد اقل من شهر بأندلاع انتفاضة الربيع في كوردستان عام 1982 تحت شعار :
” نحن اخوان الجنود و اعداء الدكتاتورية ” !!

المجد للشهيد ” د. حبيب المالح ” !
الخلود لشهيدات و شهداء الشعب العراقي بكل الوان طيفه !
و الف مبروك لأبنه الدكتور ” ايفان حبيب المالح ” على نيله الدكتوراه في جراحة الأورام !

(انتهى)

شباط / 2010 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* تصويب : ورد خطأ في القسم الأول من المقال ان الشهيد كان مسجونا سياسياً في سجن نقرة السلمان اثر انقلاب شباط الدموي 1963 ، والصحيح انه كان مسجونا سياسياً اثر ذلك الإنقلاب في سجن العمارة ثم في سجن بعقوبة .

1. سواء من اهاليها او ممن قدموا اليها للعمل او للدراسة، ومن كل الأطياف العراقية .
2. لأن النشاط الجماهيري و الديمقراطي الواسع بين الشباب التقدميين المتنوعي الوجهات ـ اضافة الى تأثيراته المستقبلية اللاحقة ـ كان يخيفهم اكثر من النشاط الحزبي ذي الطابع المحدود، كما ورد في عدد من الوثائق الداخلية للبعث و التي كشف عنها بعد سقوط الدكتاتورية .
3. حيث تنصح كبريات الإحتكارات النفطية و المالية و العسكرية رجالها و الحاكمين بأمرها في بلداننا بمسايرة الموضات و الموجات الفكرية . . و ان يكونوا (اشتراكيين) حين تطغي موجة الأشتراكية، (قوميين اقحاح) حين تطغي موجة القومية و (اسلاميين بل و طائفيين للنخاع) حين تطغي موجة الدين و الطائفة . . ” لتلبية المصالح الدائمة بلا اصدقاء دائميين ” كما ردد و. تشرشل و يرددون .
4. كان د. حبيب مجتهداً في علمه و مهنته كطبيب و ساعياً الى بلوغ مراتب عليا من التخصص، الاّ ان ظروف البلد و ظروفه الصعبة حالت دون ذلك. و قد حقق ابنه ” د. ايفان المالح ” (الظاهر في الصورة مع ابيه) حلم ابيه، بنيله شهادة الدكتوراه العليا قبل شهور في السويد .