الرئيسية » مقالات » كاترينا تحت المجهر

كاترينا تحت المجهر

كاترينا واحدة من السفن الكبيرة الحجم, المخصصة لنقل الحمولات العامة. تتردد كاترينا على ميناء أم قصر, وتكاد تكون مهمتها مقتصرة هذه الأيام على نقل الاسمنت المكيس من الهند إلى العراق. تصل حمولتها الإجمالية المسجلة في بنما إلى 14500 طن, وهي مؤجرة لشركة الكيطان لتجارة مواد البناء, ويديرها طاقم متكامل من البحارة الباكستانيين والهنود, وسنروي لكم هنا ما حصل لها مع فريق التقييس والسيطرة النوعية في رحلتها الأخيرة إلى ميناء أم قصر, لكي تتصوروا حجم المضايقات والمعوقات والمعاكسات التي تتعرض لها السفن الوافدة إلينا, والتي تمارسها ضدها التشكيلات غير التابعة لوزارة النقل, ففريق التقييس والسيطرة النوعية يتصرف داخل الحرم المينائي بموجب السياقات الروتينية المتقاطعة مع متطلبات السرعة والمرونة المطلوبة في التعامل مع السفن القادمة إلى موانئنا, والتي تستدعي تبسيط الإجراءات, واختزال عنصر الزمن قدر الإمكان, وتستدعي أيضا تسهيل المعاملات الإدارية, وتقديم أفضل الخدمات.

وصلت إلينا (كاترينا) قادمة من الهند صباح يوم 6/1/2010 , وتوجه إليها فريق التقييس مباشرة, وسحب منها النماذج المرشحة للفحص, ثم انتقل الفريق مع النماذج المسحوبة إلى بغداد قاطعا أكثر من 500 كيلومتر في رحلة الذهاب من اجل إخضاع النماذج للفحص في المختبرات الموجودة هناك, والتي قضت (الضرورات) الكونية القصوى أن يكون مقرها الحصري في بغداد على وجه التحديد.

اما (كاترينا) فقد دخلت في غيبوبة مينائية, وأصابها الشلل التام من ساعة وصولها إلى الميناء ولغاية يوم 23/1/2010 وظلت مستلقية على رصيف رقم (7) من دون أن يُسمح لها بتفريغ حمولتها, بمعنى إن نتائج الفحص لم تظهر, ولم تُستلم من بغداد إلا بعد مرور أكثر من أسبوعين, وهي المدة التي توقفت خلالها جميع نشاطات فرق الشحن والتفريغ, وتعطلت خلالها الشاحنات المعدة للتوزيع على المحافظات, وتضرر بسببها عمال التفريغ, ووجدت (كاترينا) نفسها مضطرة لدفع الأجور والعوائد المالية المترتبة على هذا التعطيل المفروض عليها, بينما وجدت إدارة الميناء نفسها مضطرة إلى التضحية بوقتها الثمين بانتظار عودة النتائج من بغداد, ومن المناسب أن نذكر هنا إن المتضرر الرئيس من جراء هذه التصرفات العجيبة هو المواطن العراقي, الذي سيضطر في نهاية المطاف إلى دفع جميع التراكمات المالية المرتبطة بإجمالي الخسائر المتكررة, ومن المؤكد إن التاجر سيعوض أعباء هذا التأخير, ويضيفه على القائمة التي سيدفعها له المواطن العراقي صاغرا.

أسبوعان من الفحص المختبري لبضاعة سفينة واحدة فقط, ثم يعقبها فحص مختبري آخر تجريه تشكيلات وزارة الصحة للحمولات الغذائية, فما بالك بمصير عشرات السفن التي تنتظر نتائج فحص النماذج المرسلة إلى بغداد.

إنها دورة طويلة ومضنية للفحوصات, تخضع لها السفن الوافدة إلينا, وتصاحبها إجراءات منفرة, وسياقات تعجيزية, وترافقها أحكام وقرارات قاسية, وتترتب عليها نتائج تأخيرية تقع على رأس إدارة الميناء نفسه, وعلى رأس مالك السفينة, وصاحب البضاعة, وسائق الشاحنة, وسائق الرافعة, ويتأثر بها مناخ السوق المحلية.

واغلب الظن إن فكرة إنشاء, أو إقامة أية مختبرات داخل الميناء, أو في حدود محافظة البصرة تعد في نظر البعض من الأفكار المستبعدة والمستحيلة, أو ربما صارت الحدود الجغرافية للبصرة في نظرهم غير صالحة لتشغيل الأجهزة المختبرية لأسباب ومبررات غامضة, وإلا ما الذي يضطرنا إلى ربط مصير السفن الراسية على أرصفة الموانئ المطلة على الخليج بالمختبرات البغدادية الحصرية. وهل يجوز أن تلجأ الحكومة المصرية (مثلا) إلى فحص حمولات سفن ميناء الإسكندرية في مختبرات القاهرة. أو أن تصر الحكومة السعودية على فحص بضائع ميناء (بنت جبيل) في العاصمة الرياض, أو أن تضطر سوريا إلى فحص نماذج سفن ميناء طرطوس في العاصمة دمشق. أو أن تفحص الحكومة الإيرانية المواد المستوردة من ميناء المحمرة في العاصمة طهران. بربكم هل يصح مثل هذا الكلام ؟. إذن لماذا نخالف الناس, ونسير بالاتجاهات المعاكسة, ولماذا هذا الإصرار العجيب على عدم إنشاء مجمع مختبري مينائي شامل ومتطور في البصرة, بحيث تكون مهمته محصورة في فحص المواد المستوردة عبر منافذنا البحرية والبرية والجوية. أليست البصرة هي النافذة الوحيدة التي نطل منها على بحار الله الواسعة ؟. أليست هي الرئة البحرية التي يتنفس منها الاقتصاد العراقي ؟. ثم ما سر هذه الفعاليات والممارسات الخانقة لموانئنا ؟. ولماذا يجتهد بعضنا في تحويل موانئنا إلى موانئ طاردة ومنفرة ومقززة ؟. في الوقت الذي تواصل فيه الموانئ الخليجية المجاورة مساعيها الحثيثة نحو الرقي, وتسجل نجاحاتها العالمية, التي تشترك فيها جميع مفاصل دول مجلس التعاون في تعزيز إجراءاتها الهادفة إلى تقديم أسرع الخدمات, وأفضل التسهيلات, وابسط الإجراءات. حتى صارت موانئ دبي من أرقى الموانئ العالمية, وصارت الموانئ الكويتية من الموانئ المتقدمة, وعلى هذا المنوال سارت الموانئ العربية الحديثة, والتي حرصت اشد الحرص على احترام عامل الوقت والزمن في التعامل مع السفن, وحرصت على تلبية احتياجات السفن, وتوفيرها بأقصى سرعة ممكنة,

ختاما لا نرى أي مبرر منطقي لاستمرار إجراءات فحص نماذج السفن في بغداد, ولا خيار أمامنا إلا بتغيير هذه الآلية البليدة المرهقة, واستبدالها بمختبرات فعالة ومتطورة, على أن يكون مقرها على ضفاف شط العرب.