الرئيسية » مقالات » في الذكرى السنوية لانقلاب شباط الفاشي 1963 (1-2 )

في الذكرى السنوية لانقلاب شباط الفاشي 1963 (1-2 )

الكارثة العراقية التي اسمها “انقلاب شباط/فبراير 1963”

لم تكن هناك مفاجأة, ولم يكن هناك من السياسيين وغيرهم من كان لا يعرف أن مطبخ المؤامرات الدولية والإقليمية والعربية والمحلية قد أنضج طبخة غير اعتيادية تدفع بالعراق إلى دكتاتورية عسكرية ملوثة بالفاشية والعنصرية وكره الشعب ومصادرة مكاسب الشعب وثورته. بيد أن الكل كان ينتظر ويترقب وقوع الكارثة, الكل كان مشلولاً, وخاصة قائد الحكومة والمسؤول الأول عن صيانة الجمهورية الأولى.

في الثامن من شباط/فبراير 1963 نجح الانقلابيون الجدد الإطاحة بحكومة عبد الكريم قاسم الوطنية واختطفوا السلطة وقضوا على مكاسب الشعب. اقترن هذا الانقلاب بسيل من دماء قادة ثورة 14 تموز 1958 ومن مناصري الجمهورية الأولى من قادة وأعضاء القوى والأحزاب الوطنية العراقية والناس الأبرياء. ولم تكن حركة الانقلاب الناجحة مفاجئة لأغلب القوى السياسية العراقية, إذ كانت تتوقع ذلك في كل لحظة, حتى الفريق الركن عبد الكريم قاسم, رئيس الحكومة كان يعرف ذلك, ولكنه كان مشلولاً! كان قاسم يعرف أن حركة انقلابية تتجمع خيوطها لتطيح بنظام حكمه, وكان يعتقد بقدرته على إلقاء القبض على المتآمرين وهم متلبسون بجريمتهم. ذكر الأستاذ محمد حديد أن حديثاً جرى بينه وبين الزعيم قاسم منبهاً إياه إلى وجود مؤامرات تحاك ضده, فكان جوابه أنه يعرف ذلك وينتظر بدء تحركهم.
لقد كان لدى الحركة الوطنية, وبضمنها الحزب الشيوعي العراقي, معلومات مؤكدة تشير إلى أن حزب البعث والقوى القومية والمتحالفة تستعد لتنفيذ عملية انقلابية ضد نظام الحكم وبلغ قاسم بذلك عبر الكثير ممن كانوا يتصلون به حينذاك, ولكن قاسماً كان قد فقد الثقة بهؤلاء واعتمد على حسه الشخصي وعلى جواسيس البعث والحركة القومية الذين احتلوا مواقع مهمة في أجهزة الأمن العراقية.
كان عبد الكريم قاسم يعتقد جازماً بأن الشعب كفيل بإسقاط المحاولة وإفشال الواقفين وراء العملية, إضافة إلى تصوره الخاطئ بولاء كل من كان قريباً منه ومن أبدى له شكلياً جانب الولاء, رغم تلقيه التهديد الواضح الذي جاء على لسان مندوب شركات النفط الأجنبية عضو الوفد المفاوض وممثل شركة ستاندارد أويل أوف نيوجرسي.
كان عبد الكريم قاسم مخطئاً باعتماده المطلق على أجهزة أمنية غير مخلصة له ولا للجمهورية, وعلى قدرة الشعب في التصدي للمؤامرة, وهو الذي انتزع من الجماهير كل أسلحتها النضالية والوقوف إلى جانبه, كما عمل كل شيء من أجل إثارة كل المناهضين له للتوحد والعمل المشترك ضد وجوده في السلطة وضد الجمهورية الأولى. وحين طالب سلام عادل تسليم الشعب سلاحاً تدافع به عن الجمهورية وعنه وعن المكاسب وعن نفسها في آن واحد, رفض ذلك!
يتحمل عبد الكريم قاسم الجزء الأساسي من مسؤولية تدهور الوضع السياسي في العراق وانعدام الحياة البرلمانية الديمقراطية القائمة على أساس دستور ديمقراطي ومدني حديث. وهذا لا يغير من دور القوى المناهضة في تدهور الوضع في العراق حينذاك. تكتب الأستاذ إبراهيم كبة بشأن دور حكومة قاسم في سقوط الجمهورية الأولى مؤكداً أن حكم قاسم مَّر بمرحلتين, المرحلة التي تميزت في السنة الأولى من الثورة, ثم الفترة الثانية التي شهدت الانتكاسة حيث كان الفكر الرجعي يحاول طمسها. وهو ما حصل فعلاً.
وكان الأستاذ كامل الجادرجي وحزبه الوطني الديمقراطي قد رفضا التعاون مع عبد الكريم قاسم لرفضه إنهاء فترة الانتقال ووضع دستور ديمقراطي دائم وإجراء الانتخابات وتسليم الحكم للقوى المدنية وعودة الجيش إلى ثكناته والتي لم يصغ لها قاسم بأي حال.
منذ العام 1959 دخل قاسم في معارك عديدة ومعقدة جداً وبعضها غير عادل, فقد ناهض الحزب الشيوعي في أعقاب أحداث الموصل وكركوك وبدأ بتوجيه ضربات للحزب وللمنظمات المهنية المساندة له ويشهر بها ويثير الناس ضده.
اتخذ قرارات جادة ضد شركات النفط بإصدار القانون رقم 80 لسنة 1961 ووضعها في موقع العداء المطلق له, ولم يدعم ذلك بتحقيق وحدة الشعب ومناصرته لهذا الإجراء.
رفض الحوار الهادئ والبناء مع القوى الكُردستانية ومطالبها مما دفع باتجاه تشديد الصراع ومن ثم النزاع المسلح وإعلان ثورة أيلول 1961 المتسرع بسبب الأخطاء التي ارتكبها قاسم ذاتها وأخطاء القيادة الكردية.
طالب بصورة غير معقولة ومن أجل إبعاد الأنظار عن المشكلات الداخلية بالكويت وعبأ قوى عربية وبريطانيا وكل الغرب ضده, ولم يكن واقعياً في ذلك.
لم يطهر أجهزة الدولة ولم يبعد القوى البعثية والقومية المناهضة له من مواقع المسؤولية في الجيش والشرطة وأجهزة الأمن. ولم يدعم تنفيذ قانون الإصلاح الزراعي الذي وقعه بنفسه, بل ترك القوى المناهضة للقانون تشن حملات ظالمة ضد الفلاحين.
لقد نشا التحالف المناهض لحكومة عبد الكريم قاسم على قاعدتين, قاعدة طبقية اجتماعية مناهضة لكل المكاسب التي حققتها الثورة للمجتمع وللكادحين وسيادة البلاد, وأخرى فكرية وسياسية تستند إلى إيديولوجية قومية شوفينية عربية وخلفية دينية متزمتة ومناهضة لقانون الأحوال الشخصية.
لم ينفرد حزب البعث العربي الاشتراكي بالتحضير لانقلاب شباط وتنفيذه, بل شاركت معه مجموعة من القوى الاجتماعية والأحزاب السياسية التالية التي كان يهمها الخلاص العاجل من حكومة عبد الكريم قاسم, رغم وجود فوارق واضحة في الجهد الذي بذل من جانب مختلف القوى لتنفيذ المخطط الانقلابي. ويمكن بلورة القوى التي شاركت في هذا التحالف من الناحية الطبقية الاجتماعية والسياسية فيما يلي:
* فئات البرجوازية التجارية الكبيرة والبرجوازية العقارية وأوساط غير قليلة من البرجوازية البيروقراطية التي كانت ثورة تموز 1958 قد وجهت ضربات سياسية واقتصادية واجتماعية قاسية إلى مواقعها ومصالحها في البلاد وأجهزت على نظام حكمها الملكي الإقطاعي.
* فئات الإقطاعيين وكبار ملاكي الأراضي الزراعية التي أصابت الثورة مصالحها الاقتصادية في الصميم فصادرت مساحات واسعة جداً من تلك الأراضي التي كانت في حوزتها وأضعفت نفوذها وتأثيرها السياسي والاجتماعي, علماً بأن هذه الفئات قد استطاعت منذ عام 1961 استرداد الكثير من مصالحها المفقودة بإجراءات وقرارات صدرت عن حكومة قاسم نفسه.
* بعض أوساط البرجوازية المتوسطة, وخاصة التجارية منها, التي أرعبتها حركة الجماهير وتصاعد نضال العمال والفلاحين وتنامي نفوذ الشيوعيين في أوساط الشعب وتأثيره على الشارع والمبالغة بقوته. وعلى المتتبع أن لا ينسى بأن بعض فئات البرجوازية العراقية كانت على صلة متينة بالريف والأرض, وكانت تمتلك مساحات غير قليلة وتحصل على جزء غير قليل من الريع المتحقق في الزراعة, وبالتالي لم تكن منسجمة مع قانون الإصلاح الزراعي, رغم أن القانون كان إصلاحياً برجوازياً يخدم مصالح البرجوازية المتوسطة والصناعية وينشط عملية تراكم رأس المال والتنمية الزراعية الحديثة.
* أوساط قليلة من البرجوازية الصغيرة العاملة في القوات المسلحة ودوائر الدولة ومن حملة الفكر القومي الشوفيني. وجدير بالإشارة إلى أن جمهرة غير قليلة من الضباط القوميين العرب قد وجدت نفسها بعيدة عن مواقع المسؤولية في الثورة, وأن الثورة قد سارت, حسب رأيها في طريق مناهض للوحدة العربية, وبالتالي بدأت تمارس مختلف النشاطات لمناهضة حكومة قاسم وإسقاطها سواء بصورة علنية أم سرية وبالتعاون مع بقية القوى المناهضة لحكومة قاسم. لقد أصيبت هذه القوى بخيبة أمل كما يشير إلى ذلك بصواب الأستاذ الراحل حنا بطاطو.1 وإذ فشلت عدة مرات بإسقاط قاسم نجحت هذه المرة.
* القوى القومية الكُردية التي اصطدمت بسياسات قاسم إزاء المسألة الكُردية ولم يستجيب لمطالبها العادلة في الاعتراف بوجود شعب كُردي له حقوق وواجبات, كما له الحق في تقرير مصيره بنفسه, وبالتالي اصطفت مع القوى المعادية لحكومة قاسم والراغبة في إسقاطه والخلاص من نظامه السياسي.
* القوى والدول المجاورة, وخاصة الأعضاء في حلف بغداد والكثير من الدول العربية, التي رأت في وجود حكومة وطنية في العراق خطراً داهماً على نظمها السياسية.
* الدول الإمبريالية وشركاتها النفطية التي وجدت في قاسم نموذجاً خطراً على مصالحها في المنطقة, سواء بالقرار 80 أم باقتراح وتشكيل منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك).
* لا شك في أن القوى والأحزاب السياسية الوطنية كافة تتحمل مسؤولية ما آل إليه الوضع في العراق حينذاك ابتداءً من تفاقم الصراع في ما بينها وعجزها عن الائتلاف الواقعي, وانتهاءً بتشديد الصراع ضد حكومة قاسم التي لم تكن قادرة على السير خطوات إضافية إلى الأمام.
لقد كان الانقلاب, الذي هيأت له ونفذته دمويا قوى عراقية جاءت بقطار أمريكي وإقليمي ودعم مستمر, قد مهد السبيل لممارسة مختلف الأساليب الفاشية لتصفية أقطاب الحكم الوطني والخصوم السياسيين, وخاصة قتل الشيوعيين والديمقراطيين التقدميين وجمهرة من أنصار قاسم. وإذا كانت المواقف السياسية للقوى القومية قد بدأت منذ فترة مبكرة للإطاحة بقاسم, فأن تحالفها الفعلي نشأ منذ العام 1961 حيث تشكلت الجبهة القومية من ثلاثة أحزاب قومية هي حزب البعث العربي الاشتراكي وحزب الاستقلال وحركة القوميين العرب. ولم يسجل التحالف القومي من حيث المبدأ سوى هدف رئيسي وأساسي واحد هو الإطاحة بنظام الحكم وانتزاع السلطة من عبد الكريم قاسم.
والتقت على شعار واحد أساسي ورئيسي:
” يا أعداء عبد الكريم قاسم, ويا أعداء الديمقراطية اتحدوا”.
إلا أن ترجمة هذا الشعار كانت تعني بلا شك الإطاحة بالحكم الوطني وإقامة البديل القومي الشوفيني المستند إلى تأييد الغرب والرجعيات العربية والقوى القومية الشوفينية.
وفي ضوء هذا الواقع وتلك الاتجاهات العقائدية المركبة اتخذت قوى الانقلاب التي تسلمت السلطة مجموعة من الإجراءات التي تعبر عن التصميم في ممارسة العنف والقسوة بأبسط وأقصى أشكالها. نشير في أدناه إلى أبرزها:
1. تشكيل مجلس قيادة الثورة من مجموعة أساسية من قياديي حزب البعث ومن بعض الجماعات القومية العسكرية, مع منح أنفسهم, وفق قانون صادر عنهم دون أي شرعية دستورية, السلطات الثلاث, التنفيذية والتشريعية والقضائية, واحتكار جميع أجهزة الإعلام دون استثناء وفرض الأحكام العرفية في البلاد.2 وهو قرار مخالف لمبدأ الفصل بين السلطات الذي اقر في الوثائق الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة وكذلك في شرعة حقوق الإنسان بكل أجزائها.
2. تشكيل محاكم خاصة لمحاكمة من يلقى القبض عليه مباشرة ومنح هذه المحاكم حق تنفيذ تلك الأحكام دون تأخير3. وهو قرار مخالف للشرعة الدولية ودساتير الدول الديمقراطية وحقوق الإنسان.
3. تشكيل لجان تحقيق خاصة سلمت قيادتها بيد البعثيين بشكل خاص مع مشاركة من بعض القوميين العسكريين. منحت هيئات التحقيق هذه الصلاحيات الكاملة دون استثناء في التعامل مع المعتقلين بما في ذلك التعذيب بكل صوره والقتل والدفن أو الرمي في نهري دجلة والفرات من الناحية الفعلية. وكانت لجان التحقيق الخاصة تخضع إلى لجنة تحقيق مركزية مقرها في بغداد, كانت في البداية تحت أمرة ضابط عسكري قومي يدعى مصطفى عبد الكريم نصرت, ومن ثم تحت قياد ضابط عسكري طيار من قياديي حزب البعث يدعى منذر الونداوي. وكان صدام حسين حينذاك عضواً في لجنة التحقيق المركزية4 التي مارست كل أشكال التعذيب بحق المعتقلين وقتلت الكثير منهم أثناء التحقيق وعلى أيديهم وأيدي جلاوزة التعذيب الآخرين.
4. تشكيل القوات العسكرية الخاصة التي سميت بالحرس القومي. منح هذا الحرس حق مطاردة واعتقال وقتل من يهدد أمن الحكم الجديد5. وقد صدر بهذا الصدد البيان رقم 13 لسنة 1963 الذي منح الحرس القومي حق قتل الشيوعيين في الموقع مباشرة. وضم الحرس القومي عدداً كبيراً من الشباب القومي الجامح أو المنحدر من الريف أو من بسطاء الناس من مختلف الأعمار الذين انجروا لهذا الحرس وراحوا يمارسون ما يطلب منهم إزاء الآخرين الذين وصفوا بالأعداء. كما ضم الكثير من المجرمين العتاة الذين كانت صناعتهم المفضلة هي التعذيب والقتل.
5. تأمين السيطرة الكاملة على أجهزة الدولة ومنع ممارسة الحياة الحزبية والسياسية أو إصدار الصحف والمجلات على كل القوى السياسية في البلاد وفرض الرقابة على إصدار الكتب والنشر بشكل تام.
6. شن حملة اعتقالات واسعة جداً شملت الآلاف من الشيوعيين والديمقراطيين الحزبيين والمستقلين وأنصار عبد الكريم قاسم والكثير من الشخصيات السياسية الوطنية والشخصيات الاجتماعية والعلمية وجمهرة كبيرة من الأدباء من شعراء وكتاب وكذلك مجموعة كبيرة من الفنانين من مسرحيين وسينمائيين وموسيقيين ومغنين وآخرين, إذ اعتبر هؤلاء كلهم وغيرهم في عداد المناوئين للنظام الجديد.
7. ممارسة شتى أشكال التعذيب القديمة والحديثة مع المعتقلين لانتزاع الاعترافات منهم حول تنظيماتهم ومواقع رفاقهم أو ممارساتهم السابقة ودورهم في دعم حكم عبد الكريم قاسم …الخ. وقد قتل على أيدي هيئات التحقيق عدد كبير من قياديي الحزب الشيوعي العراقي وكوادره وأعضاء الحزب, إضافة إلى بعض الوجوه المحسوبة على أنصار عبد الكريم قاسم.
8. لم تكن ممارسات الاستبداد والعنف والقسوة مقتصرة على قياديي وكوادر وأعضاء حزب البعث فحسب, بل مارسها قادة الجماعات القومية الناصرية وغيرها أيضاً, رغم أن القوى الأخيرة حاولت رمي العبء كله على قوى البعث وحدها وحاولت إبعاد نفسها عن الجرائم التي ارتكبت بحق العراقيات والعراقيين في تلك الفترة في أعقاب سقوط حكم البعث.
لقد كان هذا الانقلاب الدموي والنظام الذي أقيم على أساسه البداية الفعلية لكوارث متلاحقة وصاعقة من إرهاب وقمع وغزو وحروب وأنفال وتهجير قسري وتعريب ومقابر جماعية حلت بالشعب العراقي وقواه السياسية الوطنية دامت أكثر من أربعة عقود, والكوارث بصيغة ما لا تزال مستمرة بفعل الاحتلال وقوى الإرهاب وسيادة الطائفية في الحياة السياسية والاجتماعية وبالواقع الاقتصادي المتردي وغياب التنوير الديني والاجتماعي ودفع دور المثقفين والحياة الثقافية إلى الوراء بدلاً من تنشيهم وتنشيطها.
نحن أمام وضع جديد يفترض أن نعي بأن القوى التي تسببت بكل ذلك لم تكن القوى الخارجية والعربية الإقليمية ودول الجوار فحسب, بل بالأساس كان الفكر القومي الشوفيني الذي حملته بعض القوى القومية العربية وحزب البعث العربي الاشتراكي بقيادة ميشيل عفلق والبكر وصدام حسين وعلى حسن المجيد وبقية الطغمة التي حكمت العراق ولا تزال تريد إنزال غضبها على الشعب بكل قومياته وأتباع أديانه ومذاهبه واتجاهاته الفكرية والسياسية الديمقراطية.
شباط/فبراير 2010 كاظم حبيب

الهوامش
بطاطو. حنا. العراق. الكتاب الثالث. الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار. ط 1. بيروت. مؤسسة الأبحاث العربية. 1992. ص 282.
2 تشكل مجلس قيادة الثورة في أعقاب انقلاب شباط من الأسماء التالية:
3 تشكلت محاكم أمن الدولة والمحاكم الخاصة لمحاكمة عدد كبيرٍ جداً من المعتقلين بتهم كثيرة…
4 الحرس القومي: تكونت قيادته من الأشخاص التالية أسماؤهم:
العقيد عبد الكريم مصطفى نصرت ثم المقدم الطيار منذر الونداوي وعضوية:
نجاد الصافي ومنح رتبة رئيس, أبو طالب عبد المطلب الهاشمي ومنح رتبة رئيس, أحمد العزاوي ومنح رتبة ملازم, صباح المدني ومنح رتبة ملازم, حازم سعيد ومنح رتبة ملازم وعطا محي الدين ومنح رتبة ملازم.
5 أما مكتب التحقيق فقد تكون من:
عمار علوش وناظم كزار, وعبد الكريم الشيخلي, صدام حسين التكريتي. خالد طبرة, شاهين الطالباني, كنعان الجبوري, علي رضا باوة, سعدون شاكر, فائق أحمد فؤاد, فاضل أحمد, أحمد العزاوي, وآخرين.


2-2
نماذج من أساليب التعذيب البعثية

إن فترة التحالف البعثي – القومي في الحكم, التي دامت قرابة عشرة شهور, تقدم للقارئة والقارئ نماذج صارخة جداً لسلوكية العنف والقسوة والإمعان في تعذيب الإنسان نفسياً وجسدياً ومحاولة تحطيمه معنوياً وتدمير حياته, سواء بالموت أو التعويق أو الإنهاء السياسي أو تحويل السياسي إلى مخبر يعمل في صفوف الحاكمين ضد رفاق دربه السابقين. وقد سجلت أقلام المعذبين أحياناً وشهود عيان أحياناً أخرى والتقارير التي كشف عنها في فترات لاحقة أو ما نشرته القوى القومية, بسبب صراعها مع البعثيين عما جرى في تلك الفترة, صوراً ومشاهد يصعب على الإنسان السوي تصور حدوثها أو أن في قدرة الإنسان ممارستها إزاء أخيه الإنسان. وسنحاول في أدناه عرض بعض المشاهد من أساليب التعذيب التي مورست في تلك الفترة العصيبة من تاريخ العراق السياسي.
تعرض جميع المعتقلين السياسيين دون استثناء إلى مختلف أساليب التعذيب الجسدي والنفسي, مع الفارق في نوع وشدة ومدة التعذيب ونهاياته وعواقبه على الفرد, ومن ثم على العائلة. ففي الوقت الذي تعرض بعض المعتقلين للضرب والتعليق والفلقة وما شاكل ذلك, إضافة إلى الإهانات المستمرة, تعرض آخرون إلى أشكال أخرى من التعذيب الأكثر شراسة واستخدام أدوات أخرى لتهشيم وتقطيع جسم الإنسان أرباً إربا. ننقل بعض المشاهد الواقعية دون تعليق أو إضافات:
نشر كتاب “المنحرفون” إفادة الدكتور علي الزبيدي, الأستاذ المساعد في كلية الآداب بجامعة بغداد, جاء فيها وصفاً لعملية التعذيب التي تعرض لها, كما تعرض لها معتقلون آخرون يقول فيها ما يلي:
“إنهم يربطون يد الموقوف وراء ظهره ثم يربطونها بحبل يتدلى من بكرة في السقف ويجذبون طرف الحبل الآخر فيرتفع جسم الإنسان .. إن اليدين المعلولتين ترتفعان مع الحبل إلى أعلى من الجهة الخلفية وما أن تصل إلى مستوى قريب من الكتف حتى تشعر الضحية بالآم هائلة وتزداد هذه الآلام كلما ازداد الجذب وتصل إلى غايتها عندما يرتفع الجسم كله .. وكانوا لا يرفعون الجسم إلى ارتفاع عال بل إلى الدرجة التي تظل القدمان تلامسان الأرض بأصابعه … ويعلو صراخ الضحية وهي تتوسل بهم أن ينزلوها … ولكنهم يستمرون في التحقيق والصراخ: تكلم .. اعترف أنك قد .. وتتوالى الكلمات البذيئة والسب الرخيص فإذا أصر على عدم الاعتراف كما يريدون يجذبون الحبل أكثر فأكثر فيشتد الصراخ والاستغاثة … ثم ينهالون عليه بالضرب بالعصي الغليظة .. أو بأنابيب المطاط (الصوندات) .. وعندما تصل ألام المتهم إلى حد لا يطاق يحشون فمه بالقطن فإذا أغمي عليه أنزلوه وسكبوا عليه سطلاً من الماء أو حقنوه بإبرة خاصة ليعاودوا تعذيبه حتى يخبرهم بما يريدون .. وإذا قصر أعادوه إلى مكانه بعد أن يتعبون من تعذيبه ويتركونه في غرفة التعذيب أو يحملونه ويعيدونه إلى مكانه السابق في القاعة… وهكذا كان .. يأتي الحرس إلى المكان ليأخذوه مرة أخرى .. لن تتجاوب أرجاء القصر المشؤوم (المقصود هنا قصر النهاية, أي قصر الرحاب الخاص بسكن الوصي على عرش العراق عبد الإله بن علي بن الحسين سابقاً, ك. حبيب) بصراخ المعذب … لقد شرعوا بتعليقه مرة أخرى ويستمر هذا الصراخ مدة تطول أو تقصر ثم تخمد فجأة .. وما أن تمر فترة ربع ساعة أو أكثر من خمود الصوت حتى يأتي الحرس إلينا ثانية يقود رجلاً آخر إلى جحيم التحقيق والتعذيب وجمد الدم في عروقنا .. كان كل منا ينتظر أن يأتيه الدور ولكن متى؟”1.
جاء في هامش الكتاب الذي أصدره الدكتور والمؤرخ الراحل علي كريم سعيد بشان تعذيب أعضاء قيادة الحزب الشيوعي العراقي ما يلي:
“أولاً: روى خالد طبرة (وهو أحد أعضاء هيئة التحقيق الخاصة. ك حبيب) لصفاء الفلكي (سفير في أكثر من بلد وبعثي ساهم بكل المراحل السابقة) قائلاً له: حفرنا أنا وسعدون شاكر (وزير داخلية ومدير أمن عام بعد ناظم كزار) قبراً لمحمد صالح العبلي وجئنا به وأنزلناه إلى القبر (الحفرة) وبعد مدة بداخله, طالبه سعدون شاكر بالاعتراف أو الموت؟ فرد عليه العبلي بشجاعة واتهمنا بخيانة الوطن. فأطلق عليه سعدون شاكر (الرصاص) فمات فوراً دون أن يعترف أو يتنازل, وحصل الأمر مع مهدي حميد.
ثانياً: المحامي حمزة سلمان الجبوري عضو لجنة مركزية جيء به مع الضابط الشيوعي مهدي حميد من نقرة السلمان إلى بغداد (مركز تحقيق المأمون) وطالبوه أمام حشد من المعتقلين بالاعتراف ثم طلبوا منه أن يعد من الواحد إلى العشرة وقبل أن تنتهي أطلق عليه (الرصاص) فمات. ثم جيء بمتي الشيخ مباشرة فرفض الاعتراف فقتل بنفس الطريقة.
ثالثاً: قتل عضو المكتب السياسي جمال الحيدري والصحفي عبد الجبار وهبي بعد اعتقالهما مع العبلي في دار فاضل الخطيب والد الدكتور الراحل عطا الخطيب والدكتورة عطية الخطيب, فوراً بعد رفضهما الاعتراف, وقتل معهما أبن جمال الحيدري ونرجس الصفار الصبي فاضل الحيدري, وعمره 14 سنة, وكان يقوم بنقل البريد أحياناً.
رابعاً: مقتل توفيق منير العاني بدار هاشم عبد القادر المملوكة لعزيز شريف, مقابل السفارة المصرية والمجاور لدار عز الدين الراوي (أخو عبد الهادي الراوي). وتمت العملية بعد أن أبلغ أحد عناصر الأمن بوجوده فنزل عليه الحرس القومي من سطح الدار, وعلى عكس ما أشيع من أنه قاتلهم فقتل, لم يكن الراحل يحمل سلاحاً بل بادره بالرمي بصليات كثيرة فتناثرت دماؤه في كل مكان. ويذكر أن نوري السعيد كان قد سحب جنسيته العراقية مع كامل القزانجي (من قادة الحزب الوطني الديمقراطي السابقين) (الذي قتله البعثيون في محاولتهم الانقلابية في آذار العام 1959 في الموصل, ك. حبيب) ومع آخرين في العام 1954 وسفَّره إلى خارج البلاد. وكان توفيق منير حائزاً على جائزة جوليو كوري للسلام.
خامساً: أعتقل متي الشيخ مع الدكتور محمد الجلبي في دار الأخير ونقلا إلى مركز المأمون, فقتل متي الشيخ مع عضو اللجنة المركزية الآخر حمزة سلمان الجبوري, ومهدي حميد, في حين نقل الجلبي إلى قصر النهاية, ووضع في السرداب مع سلام عادل والآخرين2, ثم نقل عضو اللجنة المركزية نافع يونس إلى بناية محكمة الشعب, وقتلا هناك في تموز 1963, أي بعد شهر من تقرير د. علوش”3.
يصف عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي حينذاك والراحل صالح مهدي دگلة الوضع بعد اعتقاله مباشرة كالآتي:
“وفي الحال جاءني ضابط الحرس القومي الجلاد أحمد أبو الجبن (أحمد العزاوي, الذي قتل في دمشق في العام 1976 على أيدي الأمن العراقي الصدامي, ك. حبيب), وقد منحه الانقلابيون رتبة ملازم واصطحبني إلى القاعة الرئيسية لنادي الاقتصاديين الذي حولوه إلى مقر رئيسي للحرس القومي. وأمام العشرات من المعتقلين صار يوجه اللكمات ويزعق أنه هو (يقصدني) الذي كتب وطبع هذا النداء “الخياني الحقير”. وكان يتصور أنه بالتستر على المطبعة يستطيع خداعنا ولكن يقظة الثوريين من الحراس سرعان ما كشفت بوسائلها الذكية جهاز الخيانة. أعادوني إلى غرفة التعذيب ورموني على الأرض بحراسة صبي يحمل رشاشة سترلنگ. عرفت, مع الأسف, فيما بعد أنه فلسطيني من المفترض أن يتعاطف مع كل المضطهدين أمثال شعبه ولكن ما العمل وهو مضلل صار يتسلى بشتمي حيث جاوز حدود الأدب واللياقة فبدأ يكيل لي ولعائلتي أقذع الشتائم, فما كان مني إلا أن أرد عليه بمثلها وبأقذع منها. هنا لم يتمالك الصبي “الحارس القومي” أعصابه فراح يطلق عليَّ الرصاص من رشاشته وأصابني في مناطق مختلفة من جسمي وأصاب الحائط الذي اتكأت عليه أيضاً.والذي انطلقت منه شظايا أصابت وجهي واستقرت في أسناني. أما الإصابات البليغة فواحدة في صدري وأخرى استقرت في مفصل ركبتي فضلاً عن شظية كبيرة استقرت في صدغي الأيسر بالقرب من الأذن”4.
وهذا نص آخر يوضح الأساليب التي مورست في تعذيب المناضل الراحل حسين الرضي (سلام عادل) السكرتير الأول اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي بعد أن اعتقل في التاسع عشر من شهر شباط/فبراير 1963 وأعلن عن إعدامه وإعدام رفيقيه محمد حسين أبو العيس وحسن عوينة في السابع من آذار/مارس من نفس العام. وكان القادة الثلاثة قد قتلا تحت التعذيب, ولم يكن إعلان الإعدام سوى ذر الرماد بالعيون وإخفاء حقيقة التعذيب القاتل.
” وبعد أن فشلت كل أساليبهم في النيل من إرادته الفولاذية ضربوه بالهراوات حتى أدموه, علقوه من رجليه مشدوداً إلى السقف, أوقعوه مغشياً عليه … قطعوا من لحم ساقه وذروه بالملح … كسروا عظامه …طوحوا به في سراديب “قصر النهاية” أياماً وليالياً … مطروحاً في مياهها الآسنة الباردة مقيداً عارياً … حرموا عليه الأكل والشرب والمنام, لم يبقوا في جسده مكاناً تمتحن فيه بطولة وإرادة الإنسان الشيوعي إلا وسلطوا عليه آلات تعذيبهم الجهنمية. وامتدت أيديهم الآثمة إلى عينيه الجريئتين رغم كل هذا العذاب … ضغطوهما بالأصابع حتى ينزف منهما الدم وسال منهما ماء الرؤية … وأخيراً طرحوه أرضاً .. مهشماً .. مشوهاً .. بقية إنسان كبير كان بالأمس مليئاً بالحيوية والحب للخير .. لكل البشرية … للشعب العراقي .. وسيروا فوقه عجلة حديدية ضخمة (حادلة, ك. حبيب) سحقت جسده النحيف…”5.
نشر كتاب المنحرفون قوائم كثيرة عن أشخاص قتلتهم قوات الحرس القومي أو غيبوا بعد إحالتهم على هيئة التحقيق الخاصة, كما عرضوا لصندوق خشبي صغير استخدم لنقل متتابع لـ 120 جثة قتل أصحابها من قبل لجنة التحقيق الخاصة ودفنت في مناطق مختلفة6, كما عرض الكتاب لمقبرة جماعية دفن فيها الكثير من القتلى حيث جاء تحت صورة المقبرة الجماعية ما يلي: “منطقة الجزيرة ما بين بغداد-الكوت .. وقد دفنت عشرات الجثث في هذه المنطقة الخالية من قبل مكتب التحقيق الخاص التابع إلى الحرس اللاقومي.. أخذت الصورة يوم 15/12/1963″7.
وفي الملحق رقم 1 الذي نشره الدكتور الراحل علي كريم سعيد في كتابه الموسوم “العراق البيرية المسلحة حركة حسن سريع وقطار الموت 1963” والصادر في عام 2002 يؤكد على تنظيم مهرجانات من التعذيب والقتل لعدد كبير من الضباط الأحرار في أعقاب نجاح انقلاب 8 شباط ومن ثم في أعقاب فشل حركة حسن سريع في عام 1963, أولئك الذين ساهموا في ثورة تموز كالزعيم الركن داود الجنابي, والمقدم إبراهيم الموسوي, والعميد عبد المجيد جليل, والعقيد حسين خضر الدوري الذي قلع له طه الشكرجي أذنيه بكلابتين, قبل رميه بالرصاص بأمر من صالح مهدي عماش. كما يذكر بأن طه الشكرجي كان قد قتل تعذيباً في مقر اللواء 19 في معسكر الرشيد النقيب عمر فاروق جلال من حماية عبد الكريم قاسم وآخرين. كما كان “على قائمة الإعدام 34 ضابطاً من أصل حوالي مائة معتقل في مقر اللواء 19, فنادى عليهم (طه الشكرجي, وهو أحد الضباط البعثيين المسؤولين عن التحقيق, ك. حبيب) وأخذهم بسيارة لوري إلى منطقة قريبة من عكركوف, وتم هناك رميهم ودفنهم في نفس المكان, وكان بين القتلى المقدم فاضل البياتي, والرئيس الطيار منعم حسن شنون, والرئيس الأول جلال أحمد فهمي, والنقيب عباس الدجيلي والرئيس هشام إسماعيل صفوت, والنقيب حسون الزهيري وكلهم من الضباط الأحرار, وإبراهيم الحكاك ولطيف الحاج وصاحب أحمد المرزا (طالب بكلية الطب) وصبيح سباهي وغيرهم”.8
وفي مكان آخر يشير الدكتور سعيد إلى أن الملازم أيوب وهبي الملقب بابن شيتا قد دخل في عام 1963 إلى نادي الأولمبي الذي كان أحد مقرات التحقيق والتعذيب السيئة الصيت ببغداد “فرأي مجموعة من الضباط يقفون جانباً, فسأل مَن هؤلاء؟ فقالوا هذا الرائد حافظ علوان مرافق عبد الكريم قاسم, وهذا الملازم نوري ناصر أحد مرافقي قاسم, والملازم الطيار طارق محمد صالح أبن أخت عبد الكريم قاسم والملازم الطيار كريم صفر والرئيس غازي شاكر الجبوري, فسحب أيوب وهبي أقسام رشاشته ورماهم جميعاً دون تردد, فلم ينج غير حافظ علوان الذي احتمى بعامود كونكريتي, وغازي الجبوري الذي اكتشفه فيما بعد ناقل الجثث بسيارة الإسعاف إنه ما زال حياً, فأخذه إلى مستشفى الرشيد العسكري حيث أنقذه أطباؤها بأعجوبة”9.
عرف الشعب العراقي في أعقاب ثورة تموز 1959 صحفياً بارزاً ومتميزاً في كتاباته ومقالاته الصحفية حيث كان يكتب باسم “أبو سعيد” في جريدة اتحاد الشعب, وكان أحد الكوادر المتقدمة في الحزب الشيوعي العراقي, إنه الإنسان الطيب عبد الجبار وهبي. اعتقل عبد الجبار وهبي مع رفيقيه جمال الحيدري ومحمد صالح العبلي وتعرض إلى تعذيب شرس يصف جزءاً من عواقب التعذيب عليه بعض البعثيين الذين شاهدوا وهبي في قصر النهاية, إذ كتب الدكتور على كريم سعيد يقول:
“يقول الضابط محمد علي سباهي الذي كان عضواً وأحد مؤسسي المكتب العسكري لحزب البعث العربي الاشتراكي قبل 8 شباط: “في عام 1963 زرت في قصر النهارية عمار علوش وكان مشرفاً على التحقيقات, فرأيت عنده عبد الكريم الشيخلي (وزير الخارجية فيما بعد)وأيوب وهبي وخالد طبرة, وفوجئت بالصحفي عبد الجبار وهبي ممدوداً على الأرض وكان على وشك الموت ويطلب الماء, ويجيبه خالد طبرة (مدير عام فيما بعد): “ها گواد (قواد) تريد مي (ماء)!!”, ولم يعطه. وكان الدكتور فؤاد بابان قد أخبرني بمدينة السليمانية عام 2001 قائلاً: كنت معتقلاً في قصر النهاية “فرأيت عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) منشور الرجل من تحت الركبة بآلة نشر خاصة, وكان إلى جانبه شخص آخر لديه يد واحدة معلق منها”10.
يشير طالب شبيب, وكان في قيادة البعث ووزير خارجية حكومة الانقلاب, إلى أن ستة من مدراء البلديات الذين عينهم وزير الشؤون البلدية محمود شيت خطاب وذهبوا لتسلم مناصبهم ووجهوا بالحرس القومي الذي تناولهم بالضرب تأديباً لهم لكي لا يعودوا ثانية إلى مناصبهم, فليس الوزير يعين مدراء البلديات, بل هم الذين يقومون بتعيين مدراء البلديات. جاء وزير الشؤون البلدية بهؤلاء الستة إلى مقر حازم جواد وكان طالب شبيب موجوداً هناك. فسألوه عما جرى لهؤلاء الجرحى “وكأنهم خارجون تواً من غرفة إسعاف وتضميد, يحملون رؤوساً معصوبة وأيدي وأرجلاً وأقدماً مجبَّرة. وكان منظرهم أشبه بتظاهرة أثارت استغرابنا, فقال إنهم رؤساء البلديات الذين وافقتم على تعيينهم, قام رجال الحرس القومي بضربهم تأديباً لهم, وطلبوا منهم أن يعودوا مرة أخرى إلى مراكز عملهم, لأن قيادات الحرس القومي قد اختارت بنفسها رؤساء بلديات آخرين, وهم الآن يمارسون وظائفهم دون الرجوع إلى وزير البلديات”11.
وبصدد أساليب التعذيب التي مارسها البعثيون ضد المعتقلين كتب المحامي خالد عيسى طه في مقال له حول تجربته مع المندائيين أثناء وجوده في المعتقل كتب يقول:
“.. أدخلونا ذات ليلة في غرفة .. و في الصباح التالي رأيت منظرا لن أنساه ما حييت إذ رأيت شخصا كهلا ، شيخا مسنا قد وثقت يديه ورجليه بكرسي وكان هناك رجل من الحرس القومي يمسك بيده شمعة ويريد بها حرق لحية الشيخ بينما كان شيخنا يصرخ و يصرخ .
فكرت في داخلي إذ لم أكن أتخيل يوما أن يكون هناك حزبا بكامله يحمل السلاح ويهدد لحية رجل مسن بريء!!!! فبدا لي أن حرسا قوميا يمثل حزب البعث قد ترك كل الأهداف المعادية وركز على لحية الشيخ المندائي” الصابئي” ….
سُحبت إلى الغرفة بعدما عذبوني بقيادة حرس.. ولم أدرك بعدها النتائج ولكن علمت فيما بعد بان هذا الشيخ كان يعود لعائلة تلقب ب(الصگر..).
أيام تلت أيام و سنين تلت سنين و تبدلت الأجواء و حدث انقلاب على انقلاب البعث وجاء عبد السلام عارف .. وكانت كل معرفتي بالمندائية أنهم أناس طيبون جل احترافهم يكمن في الصياغة ..وما كانت صورة الشيخ لتغادر مخيلتي وسألت نفسي: ترى ما الذي فعله ذلك الشيخ وما الذي اقترفه ليعذب هكذا ؟؟؟؟” 12
شباط/فبراير 2010-01-31 كاظم حبيب
الهوامش

1 هيئة الدليل الدولي. المنحرفون من الحرس القومي في المد الشعوبي تحت أشعة 18 تشرين الثاني 1963. مصدر سابق. ص 84/85.
2 ملاحظة: من الجدير بالإشارة إلى أن جميع هؤلاء الذين قتلوا على أيدي الحرس القومي وأعضاء لجنة التحقيق الخاصة كانوا قد تعرضوا لأشرس أشكال التعذيب الهمجي الذي يصعب تصوره ثم قتلوا بأبشع صور القتل بما في ذلك قطع الأصابع والأيدي وأعضاء من الجسم, في ما عدا أولئك الذين قتلوا على عتبة بيوتهم أو الذين قتلوا في دورهم مباشرة وحال اعتقالهم. ك. حبيب. ويمكن التدليل على ذلك من أكثر من مصدر في هذا الصدد, ولكن بشكل خاص ما كتبه الدكتور علي سعيد كريم في كتابه عن طالب شبيب نقلاً عما ذكره الدكتور تحسين معلة, وهو من البعثيين البارزين وكان يحتل موقعاً مهماً في حزب البعث الحاكم, حيث قال ما يلي:
“بعد اعتقال قيادة الحزب الشيوعي بأربعة أيام طلب مني حمدي عبد المجيد الحضور إلى “قصر النهاية” لعيادة بعض المرضى. ذهبت إلى هناك وبدأت من السرداب فرأيت سلام عادل نائماً وسط القاعة طاوياً نفسه على الأرض مشدود العينين مدًّمى. وعبد الرحيم شريف العاني بنفس الحالة وكذلك حسن عوينة وعبد القادر إسماعيل البستاني وحمدي أيوب العاني وآخرين لم أتعرف عليهم وكانوا بحالة مزرية ينامون مباشرة على أرضية السرداب الرطبة. حاولت تضميد جراحهم وانتقلت لردهات أخرى وكتبت لهم الأدوية المطلوبة وكنت أعودهم يومياً لمدة أسبوع. وتعاملت معهم كما يتعامل طبيب مع ردهة اعتيادية للمرضى حتى جيء في أحد الأيام بهاشم جواد (وزير خارجية قاسم) وأعطوه وجبة عشاء “خبز وتمر” فسألته : هل تشكو من شيء؟ فأجاب مذهولاً “شنو يعني؟” فقال له أحد الحراس القوميين: هذا د. تحسين معلة, فوقف مرتجفاً” نعم نعم!! قلت أنا طبيب وأستطيع أن أخدمكم…”. ويبدو أن الدكتور تحسين معلة كان يقصد بأن الدكتور هاشم جواد كان قد فقد جزءاً من قدرته على التفكير بسبب التعذيب الذي تعرض له أيضاً مع الآخرين وسوء المعاملة اليومية وسوء التغذية. ك. حبيب.
3 سعيد, علي كريم د. عراق 8 شباط 1963, من حوار المفاهيم إلى حوار الدم. مراجعات في ذاكرة طالب شبيب. طبعة أولى. دار الكنوز الأدبية. بيروت. 1999. ص 200.
5 دكله, صالح مهدي. من الذاكرة. “سيرة حياة”. دار المدى للثقافة والنشر. دمشق. ط 1. 2000. ص 97/98.
5 الغد. مجلة كانت تصدرها لجنة الدفاع عن الشعب العراقي, ومقرها مدينة براغ في جيكوسلوفاكيا. العدد 2/ 1964.
راجع أيضاً: خيري, زكي وسعاد. دراسات في تاريخ الحزب الشيوعي العراق. اليوبيل الذهبي. طبعة أولى. لندن. 1984. ص 386.
6 هيئة الدليل الدولي. المنحرفون منشورات عربية سلسلة رقم 1/ 1964. مصدر سابق. ص 62.
7 نفس المصدر السابق. ص 63.
8 سعيد, علي كريم د. العراق البيرية المسلحة, حركة حسن سريع وقطار الموت 1963. الفرات للنشر والتوزيع. بيروت. 2002. ص 141/142.
9 نفس المصدر السابق. ص 142.
10 نفس المصدر السابق. الهامش ص 59.
11 نفس المصدر السابق. ص 167/168.
12 (موقع بحزاني الإلكتروني بتاريخ 27/3/2007).