الرئيسية » مقالات » بلير.. المساءلة والتاريخ

بلير.. المساءلة والتاريخ

 الوجه الاخر من المساءلة التي تعرض لها رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير عن “جدوى الحرب التي شنت على العراق العام 2003” يتعلق بوظيفة التاريخ، من حيث هو سجل لا يصلح لغير القراءة، اما الفائدة فثمة قليلون يأخذون منها العبر.
الآن، في هذا الموضوع لدينا مشكلتان، الاولى، من اية زاوية نقرأ دروس التاريخ لكي نتعظ بها؟ والثانية، الى اية “حقيقة” نستند في استلهام تلك الدروس؟ لنتذكر المشكلة التاريخية التالية: عندما احترقت روما (هكذا كتب المؤرخون) كان نيرون يعزف، متسليا، بقيثارته، ودخلت هذه المفارقة( وقل القيثارة) في كراسات المدارس وكتب التاريخ، ثم نكتشف بعد ذلك ان القيثارة لم تكن قد اختُرعت آنذاك في عصر نيرون، ثم، وهذا المهم، لم يعتذر احد من الذين دسوا هذه الكذبة في كتب التاريخ، او في ذاكرتنا.
هناك الان شكوك في سلامة ومصداقية المدونات التي ارخت الثورات، من ثورة سبارتوكوس وثورة الزنج وثورة اكتوبر حتى الثورة العلمية التكنولوجية، وثمة نصف تلك الشكوك( كما يقول الروائي الامريكي المصلح هيرثورن) يمكن ان يكون صحيحا، ولو عدنا الى رواية “وداعا يا غولساري” لجنكيز ايتماتوف، والى رواية “السيد الرئيس” لاوسترياس سنجد اننا لم نلتقط كفاية تلك الحقائق العميقة في ما بين السطور، يكفي ان نتذكر ان ايتماتوف كان يسأل ثائرا عما دفعه الى الثورة فكان الاخير يجيب “ لا اتذكر” ولكن ايتماتوف، مثلنا، كان سليم النية، بل وكان صادقا في كفاحه من اجل الحرية الى ابعد الحدود.
القضية برمتها بسيطة، فان ما يعتبر حقيقة في جانب من جبال البرانس( كما يقول باسكال) يعتبر لا حقيقي في الجانب الآخر، وقد اخطأنا كثيرا(في العراق) في تدوين يوميات ثورة العشرين، بل واخطأنا قراءة انتباهات علي الوردي في ما حول الثورة، واخذتنا العزة بالاثم ونحن نستعرض هوسات عشائر الفرات والفلاحين الطيبين، فيما تقبلت الشعوب الاخرى الحقائق “المرة” التي اخفاها المؤرخون لكسب رضا الحكام، ويُزعم ان نيوتن اكتشف قانون الجاذبية الارضية لما لاحظ تفاحة تسقط من الشجرة، لكن الوثائق العلمية لأكاديمية العلوم البريطانية تبطل رواية التفاحة وتؤكد انه تم التوصل الى صياغة قانون الجاذبية بعد نيوتن بسنوات، لكن ليس من دون جهوده الرائدة والتأسيسية.
العلوم الحديثة تحذرنا مما يقال على انها حقائق تاريخية، سيما ان في تاريخنا الكثير من الرطانات والخرافات والاباطيل، وفيه وقائع لا اساس لها من الصحة، يكفي ان نكتشف حيرتنا وضياعنا حين نتجه الى قراءة الحقبة المبكرة للاسلام، بين هذه الفوضى من المعلومات والروايات والمؤلفات المتناقضة، قبل ان تدخل عليها الصراعات المذهبية، وهي تسفّه بعضها البعض وتطعن في سلامة نزاهة ونيات شريكتها في الدين، بل يكفي ان يشار الى قصة النعامة التي ترسخت في ذاكرتنا على انها تتقي الخطر عن طريق دس رأسها في الرمال، ثم يخبرنا العلم ان هذه الرواية لا ثبت لها ولم يشاهد احد نعامة تزاول هذه الحركة الملفقة، ويمكن ان نضيف الى حكاية النعامة الزائفة حكاية اخرى(اكثر زيفا) تتصل بدموع التماسيح، إذ نكتشف ان التماسيح لا تذرف الدموع لسبب بسيط هو انها لا تملك غددا دمعية.
فمن اية زاوية نقرأ تاريخ الحرب تلك؟ واين نضع توني بلير منها؟
عندما يقال بان الصواب امر نسبي في النظر الى حوادث التاريخ، لا يبدو الوجه الثاني من هذه الحقيقة (الخطأ نسبي ايضا) مقبولا، وقد يفسر الكثيرون هذا التناقض بالقول ان للصواب امجادا فيما للخطأ ضحايا، غير انه في جميع الاحوال تجري المراجعة دائما في محاولة تعيين مواضع الصواب والخطأ، ويقدم الاعتذار طالما ثمة خطأ اودى بحياة اشخاص، وضحايا حرب العراق، البريطانيون مثلا، سقطوا بنتيجة اخطاء وتخبطات واضطرابات رافقت عملية الاطاحة بنظام صدام حسين، الامر الذي لا يجادل فيه احد.
ومن النادر ان لا يعتذر سياسي اوربي عن سوء ادارته لأزمة سياسية عصفت في بلاده، او عن خطأ تسبب في موت المئات من الجنود. انهم يعتذرون، احيانا، حتى من باب مزاولة ثقافة شديدة العمق في المجتمعات المتحضرة، او لأغراض “تعقيم” السمعة، وامتناع بلير عن الاعتذار عن خطيئة الحرب التي انخرط فيها (بصرف النظر عن صواب وعدم صواب القرار) اثار استياء واسعا لدى معلقي الصحف البريطانية واسر الضحايا والجنرالات المتقاعدين ، وربما بين اكثرهم قربا من بلير واعجابا به.
لم يكن بلير، منذ البداية، مصيبا تماما في عملية طهي الحصا “الجلمود” تكفي الاشارة الى انتحار جون كيلي كبير خبراء الاسلحة في تداعيات تقارير التفتيش على اسلحة صدام، والى قائمة شركائه في الحكومة وقيادة حزب العمال الذين استقالوا غداة وبعد حرب العراق بالاضافة الى جنرالات وقضاة، ما يعني شيئا واحدا، بان بلير لم يكن مقنعا كفاية في مبررات خوض حرب على ارض تبعد ما يزيد على الفي كيلومتر عن الجزر البريطانية، فضلا عن انه يطرح سؤالا وجيها ما اذا كان اولئك المستقيلين والمحتجين، من مهندسي سياسات حزب العمال، قد كانوا جميعا ضحية تضليل، ابتدا من وزير الخارجية روبن كوك ووزير الدولة لشؤون الدفاع توم واتسون والوزيرة كلير شورت واكثر من خمسين من كبار المسؤولين ومساعدي الوزراء والقادة النقابيين.
وإذ يُطرح(او ينطرح) ملف حرب العراق على طاولة المحققين البريطانيين، فان المحلل(من الخارج)لابد ان ينظر له من زوايا مختلفة، قد تبدو متضاربة، ذلك لان النظرة العراقية الى هذا الملف، مثلا(وان لم تبدأ المراجعة الجدية بعد) لا يمكن ان تتطابق مع عناصر “التحقيق” الذي يجري في لندن مع رئيس الوزراء البريطاني السابق، ومن الطبيعي ان يعكفوا هناك على الاجابة عن سؤال ملغوم هو: ما هي مصلحة بريطانيا في شن حرب العراق؟ واظن (قبل التطرق الى اجابات بلير) ان اثارة السؤال والتحقيق في هذا الوقت جاءا في غير صالح توني بلير، إذ تقترب بريطانيا من انتخابات “كسر عظم” بالنسبة للمصير السياسي لحزب العمال الحاكم وصفوته القيادية “اليمينية” واستطيع القول ان بلير اخفق في “اسكات مدفعية العدو” ولم يستطع رد “كيد” الخصوم الذين لا يريدون التسليم للفكرة التي يتمترس فيها بلير من ان صدام حسين كان يشكل خطرا على مصالح بريطانيا والغرب والعالم واستقرار الشرق الاوسط،.. وخطوط البترول.
ان مشكلة توني بلير، في ما تعلق بموقف الرأي العام البريطاني، يمكن قراءتها في تصدع الاجماع من خيار الحرب في صفوف حزبه، حزب العمال، وبخاصة في هيئات الحزب القيادية وممثلوه في البرلمان، وكانت الترخيصات التي حظي بها للذهاب الى الحرب لم تكن لتمر من مجلسي العموم واللوردات لولا تأييد كتلة المحافظين(المعارضة) ووقوفها معه، والمشكلة هنا تتمثل في ان يد بلير بقيت رهينة (المعارضة) فيما كان يواجه انشقاقات متناسلة في صفوف الحزب الحاكم.
ديفيد كاميرون زعيم حزب المحافظين أشاد علنا في تصريح لموقع شبكة تلفزيون “سي إن إن” الأمريكية السبت 30-1-2010 بشهادة بلير أمام لجنة التحقيق بشأن قرار المشاركة في الحرب على العراق عام 2003 وقال كاميرون عن الحرب ما كان يتحرج منه بلير: “بصرف النظر عمَّا حدث ، فالعراق بالفعل بات أفضل حالاً دون صدام حسين ونظامه الوحشي، والمهم (الآن) بالنسبة لبريطانيا وحلفائها معرفة الأخطاء التي ارتكبت في العراق “.وبرأيه كذلك فإن “المهم ليس الأدلة التي قد تقدم أمام اللجنة حول صحة قرار بريطانيا عسكريا لإسقاط نظام صدام حسين، بل تحديد الدروس المستفادة من هذه الخطوة”..
وكان مايكل هاوارد زعيم المحافظين السابق قد قبل، في حديث مع صنداي تلغراف في 2-2-04 تبريرات الحرب كما قدمتها حكومتا الولايات المتحدة وبريطانيا، فيما كانت حكومة بلير، آنذاك، تتهرأ باستقالات متتالية لاركانها العماليين، وتحت ضغط التظاهرات الصاخبة لنقابات العمال والطلاب والعاطلين والفوضويين واليسار والجاليات المسلمة وجماعات السلام، وقد عبر توني بن القائد “التاريخي” للجناح اليساري العمالي عن استغرابه ازاء ما قال انها “عملية سطو على حزب العمال وتوريطه في الحرب من قبل بلير ومجموعته”.
مقابل ذلك، فان توني بلير، في حقيقة الامر، لم يكن مغامرا، او متهورا، بحيث قادته قدماه الى حرب مجهولة النتائج، اذا ما اخذنا بالاعتبار افكاره وطموحاته المبكرة لتحديث السياسة البريطانية واعادة احياء الدور البريطاني في عالم ما بعد الحرب الباردة.. ذلك البرنامج الذي انقذ حزب العمال من ضياع امتد لاثني عشر عاما اغترب فيها عن الحكم والسياسة معا.
كان بلير على قناعة لا تتزعزع بان مشاركة بريطانيا في عملية العراق العسكرية من شانها ان “تحسن” معادلة الصراع الدولي، باعطاء التجارة وحقوق الانسان والبراغماتية زخما اكبر، وفق ما كان يراها في خيار “الخط الثالث” الذي روج له غداة اكتساحه انتخابات العام 1997على نحو غير متوقع، وبقي هذا الاكتساح بمثابة وقود لفوزه العام 2005 للمرة الثالثة، على الرغم من ان النتائج غير المشجعة
(بريطانيا) للحرب بدأت تظهر على نطاق واسع، فيما انكفأ الخط الثالث الى سلسلة من الجرعات العشوائية، كان المحافظون قد احسنوا الافادة منها، على اية حال.
على انه من التبسيط القول بان توني بلير يعاني العزلة في صفوف الطبقة السياسية البريطانية، او انه فقد بصمته على اقدار المرحلة المقبلة، فهو، باختصار شيّد ما يمكن تسميته بـ “البليرية” التي قال عنها زعيم الكنيسة الإنجيلية روان ويليامز، بانها خطة لتنقية بريطانيا من الشوائب.
ــــــــــــــــ
كلام مفيد:
“ثمة طريقة مضمونة ليكون لديك أعلى مبنى: أن تدمر كل المباني من حولك”.
نصيحة