الرئيسية » مقالات » الدانمارك الاولى في النزاهة فما رأي حكـّام الأمر بالمعروف …!!!

الدانمارك الاولى في النزاهة فما رأي حكـّام الأمر بالمعروف …!!!

منذ خطط رئيس الوزراء ستاوننغ وحزبه الاشتراكي الديموقراطي مع جملة الاحزاب الاخرى في مطلع القرن الماضي ، نمطا جديدا للحياة مفاده الوفاق في الحياة الاقتصادية والسياسة ، راحت الدانمارك في الاطار التضامني مابين ارباب العمل والطبقة الكادحة تنآى بنفسها عن التيارات الصراعية العاصفة باوروبا والتي آلت الى صعود الديكتاتوريات في المانيا واسبانيا وايطاليا . توجهت البلاد منذ ذلك الحين ـ سقوط البورصة ـ الى مجتمع الرفاهية ! ” انظر الهامش “1. وعلى الرغم من ارتفاع وانخفاض مناسيب مفهوم الرفاهية تبقى الحياة تتمتع بأرقى نمط اجتماعي لو قورنت بسواها . لقد جنـّبت سياسة الوفاق FORLIG من جهة اخرى البلد من التأثيرات العاصفة والباهرة آنذاك للشيوعية وشعاراتها في الدكتاتورية البروليتارية وتأميم الحياة الاقتصادية والسياسية . سارت البلاد على خطط برلمانية وتشريعات واقعية ومنجزات حضارية وحرية في التعبير ونمط الحياة المتفردة ،انها لم تأمر بالمعروف فحسب بل جعلت له قوانين بناء ونمو وحماية ، وهذا ما أكسب البلد سحرا وبهاءا في نظر القاصي والداني من الأفراد والجماعات . ان بلدا يقوم على ضمان مورد شهري على سبيل المثال ” مدخول ثابت ” مدى الحياة من المهد الى اللحد ، فانه يوفر عموما وقاية من الشرور . منذ ان يولد الطفل يكون له كارت الضمان الصحي مع راتبه المرسل كل شهر الى رصيده ! ” رصيد امه الحنون التي هي حاضنة الحب والتدبير والتعقل ” !!!! والكارت السحري هذا ـ لقليل من التوضيح ـ محدد بستة ارقام اولى هي يوم الميلاد : على سبيل المثال 241210 الرابع والعشرون من الشهر الثاني عشر من السنة العاشرة الحالية مضاف اليها اربعة ارقام اخرى تضعها دائرة المجلس البلدي مثلا 8459 وبذا يكون الرقم الذي على كارت الطفل هو 2412108459 لايمكن ان يشابه اي رقم آخر وبموجبه يأكل هذا المخلوق بضمان تام لايتزلزل ولايتزعزع ولايتعرض لجوع ولاعطش ولا هم ولاغم وبدلا من موعظة الواعظين من الموسورين والمتخمين ودعواتهم المملة للبائس والمعدم بأن يصبر على الفقر والفاقة وبدلا من أن يُدعى له بالصدقات والرحمة والرأفة ، فان البلد برمتها خرجت من بطون الكتب الى التطبيقات العملية لسان حالها يقول اضمن الناس اقتصاديا بالاعتبار الأول وضع تحت ايديهم الخدمات التربوية ، وتوخَ نتائج فاضلة . وبالمناسبة” الدانمارك من اولى بلدان العالم بالشهادات والدراسات والندوات المتواصلة ” هذا كله واعتبارات مرافقة عديدة اهمها تلاوين ثقافية لاتقف عند حدود الدولة الوطنية والقومية والانتماء الديني والتاريخي بل تذهب الى اقاصي الدنيا بالاطلاع على ما عند الآخرين وبالتالي فالشخصية هنا قابلة الى الاتساع والاستماع الى ما هو متعدد وليس بالضرورة الاقتناع به بل ربما الاندهاش به . السؤآل الذي يواجه بلداننا هو سؤآل لايتعلق بالدين فأدياننا شرف ومهابة لنا واعراقنا ايضا فنحن فخورون باصولنا وقومياتنا الخ السؤآل لماذا لاتتفضل حكوماتنا باتباع اسلوب ضمان راتب الطفل حسب كارت صحي وكارت بنكنوتي يُرسل راتبه شهريا الى رصيده الشخصي لكي نضمن الطفولة على الأقل !!!!!!! لماذا لا نضمن المرأة اقتصاديا على الأقل كي نخفف عنها الجور المتوارث !!!! لماذا لايكون الضمان الصحي شائعا لكل فرد وحيوان وحشرة !!! حتى القطط والكلاب هنا تتمتع بدفء وشبع وملابس واقية على الظهر في الشتاء مع كارت يتدلى على عنقها يشير الى مكان سكنها !!!! حتى الكلاب هنا تصدق معك !!!! هنا لاداع ٍ للكذب ولا النفاق واذا حدث ياللغرابة فان اجتماعا واجتماعا واتصالات تدور بين الادارة والعائلة لدراسة الحالة النشاز اياها . ولكي لايصار الى النفاق ولكي يضمن الصدق لابد من تمتع الشخصية باصالة بكونها مستقلة اقتصاديا وذات اعتداد تربوي وهذا ماهو متوفر . ان النزاهة توفرها ظروف السلام كما توفر ظروف السلام حرية التعبير اي الجواد اولا ثم العربة ! والمرء مضمون هنا اقتصاديا حتى في حالة العطالة وهو لايحتاج ان ينافق حزبه عندما يكون موظفا في جريدة الحزب ، انه يعمل بنزاهة وصدق حتى لو اقتضى طرده من العمل ” هذا افتراض ” وفي حالة طرده يتقاضى من صندوق العطالة نسبة عالية من راتبة حتى ايجاد فرصة اخرى له للعمل .. ان موجبات النزاهة متوفرة لأن موجبات الضمان الاقتصادي والثقافي مستمرة .. كل هذا بعيدا عن الصدقات والتشحذ وعطف الغني على الفقير !!!!! هل جعل الله الدانمارك الاولى بالنزاهة بينما يدعوها البعض بلاد الكفر ؟! بينما يتهالك الكثير على اللجوء اليها وهناك من يقول بحقها جئناها فوجدنا فيها الاسلام ولم نجد المسلمين !!!!
هل لايوجد هناك غش تجاوز تلاعب سرقات ضغوطات ؟ جريمة ؟ كل شيء موجود … في كل واد ٍ بنو ثعلبة …الاّ ان المسار العام هو كما يرد مثلا على لسان منظمة الشفافية الدولية وفي تقريرها السنوي الصادر هذا العام والباحث في مسألة الفساد ، ان الدانمارك دولة اولى بالنزاهة ، والصومال تعتبر وفق التقرير ! البلد الأكثر فسادا بعدها افغانستان وبورما والسودان والعراق . الملفت للنظر كما ورد في التقرير ان هناك ربطا بين الحروب والفساد . وليست الحرب هي التي تنتج الفاسدين انما الفاسدون هم منتجو الحرب !!! يالها من معادلة شنعاء ! تجعل من دولنا الكسيحة غير قادرة على الوقوف على قدميها للحظة بل ان تزج في اتون صراعات تنسيها انسانيتها فلاتبدو محاسنها الأصيلة بل ان أعداءها يريدون لها ان تظهر بالوجوه القبيحة والمتخلفة التي هي عليها ! وفي مفهومي السبب والنتيجة الفلسفيين عظة لمن قرأ قوانين الجدل ولم يخرج منها الا قتيلا او منبوذا لأن لا أحد يرضى عنك ناقدا او صادقا او نزيها .. ان الألسنة والأسنة والاحجار تتقاذفك كما قذفت حماد والحمار .
لقد ربط تقرير منظمة الشفافية مرة اخرى بين العنف والفقر والفساد فأشار الى هاييتي من اكثر دول الامريكتين فقرا ، وتأتي في المقدمة بعد غينيا والعراق . والسؤآل من اين نبدأ … العنف ؟ الفقر ؟ الفساد ؟ في محاولة للقضاء على سمات مناقضة للمكانة المرموقة لبني الانسان ، اننا حقا منكوبون بهذه الظواهر فالعنف يقتل ويكم الافواه خصوصا في بلدان لايقوى مواطنها ان يقول مايريد : ” مقتل الرجل بين فكيه ” ويفقر المر فيه حد التصحر والتعهر ، ويفسد لأن ظروف الحياة وقوانينها فاسدة … من أين نبدأ؟
لقد وصلت حرية التعبير في دول العالم التي قضت نسبيا على ” العنف ، الفقر ، الفساد ” الى درجات من حقوق الانسان بانتقاد الرؤساء والاحزاب والحكومات جهارا ومناقشة الاديان حد التجاوز على غير المقبول منها ، تغيير المناهج التربوية العامة وبما يتناسب مع الجديد والمعاصر كل اشكال ومضامين الأحقاب الفكرية والابداعية ، والازياء والعادات والديكورات . العلاقات العاطفية والجنسية والاختلاط . لقد بزّت الدانمارك في هذا المجال ، وكما خرق سلمان رشدي المجال الديني ! دبج كورت فيسترجورد وطعّج الكاريكتيرات ،وفي مرة سابقة قرابة 7 سنوات خلتْ رسم احدهم صورة يسوع ومريم العذراء على نعل الاستحمام وقد بيعت منه كميات قليلة وجرى فورا رفعه من الاسواق ! … وقد كان الرسم من الناحية الابداعية جميلا لكنه يجرح المشاعر ويطعن في المعتقد الديني ويثير ضجة عالمية نحن ضدها وفي غنى عنها ، لكن هناك من يقول بأن الفن والادب يهدم الصروح والدول والمعتقدات مدعيا ان له الحق في ذلك ومن اجل ان لايبقى شيء على حاله فيجب عليه اي الفن والأدب ان لايذعن لأية مسلمات وقوالب خالدة ابد الدهر . لابد ان يُكشف المستور في جوهر حياة الدول والاشخاص والأفكار والمذاهب،لابد من تتغير وتكسير للقواعد ، لأنها تسقط مع الزمان ان لم تـُسقط … وتلخيصا لهذا المحتوى قال بيرناردشو : ” اللآقاعدة هي القاعدة الذهبية ” . ! والثقافة هي لولب التغيير ولذا يرتعش غوبلز النازي خوفا منها فاذا سمع بكلمة ثقافة وضع يده على مسدسه . ولذا يبقي الحاكم الدكتاتوري على جانب ضئيل من الثقافة ” ثقافة بالقطارة ” ليدعي انه متنور بينما في حقيقته فهو مروّج لسكونية الحياة وعدم تفاعلها بجماليات تنوعها وغرائبياتها التي ترهب السكونيين والطائفيين ومثقفي الحزب الواحد .
الدانمارك اولى من حيث النزاهة لكنها ليست بلا مطبات واولى بحرية الثقافة والتعبير لكنها ليست بدون صراع وحمى وصداع !. فهل يقوى اي حاكم عربي ان ينتقي الايجابي من تجارب هذه الشعوب حتى يضمن القيمة الرائعة للنص الشريف ” الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ” ومن هو ؟ .

تـَوْقٌ أخير : ما أروع الآية القرآنية لو يجري التثاقف والتلاقح الحضاري بين بني البشر على ضوئها وفي الصميم من سمو معانيها السلمية ” وجعلناكم شعوبا وقبائل لتتعارفوا ان اكرمكم عند الله أتقاكم ” . والسؤآل هو :هل حقا تعارفنا وتكارمنا ؟ ام تهامزنا وتلامزنا وتبارزنا !!!!!!!!
2010/1/25

*******
هامش 1ـ ان الازمة الاقتصادية في الثلاثينات من القرن الماضي ، قد سادت اوروبا وذلك بعد افلاس البورصة في الولايات المتحدة الاميركية وفي الأيام 21ـ29 اكتوبر عام 1929 قدرت الخسائر بملايين الدولارات وكثرت البطالة اثر ذلك وتصاعد الصراع الطبقي ( 30 مليون عاطل عن العمل في العالم سنة 1932 )وفي غمرة التخلخل العاصف ، تقف الدانمارك على قدميها وتشرع قوانين للضمان الاجتماعي وحماية البيئة والمجتمع ، العمل ،المتقاعدين والعجزة . وكما صعدت الديموقراطية في الدول الاسكندنافية ، التهب الصراع الطبقي في بقية الدول ، وظل الصراع دائرا بين احزاب اليمين واليسار ، ولم يعالج بطريقة الوفاق في الدول مثل المانيا واسبانيا والبرتغال وبذا فقد ظهرت النازية والفاشية . وأيضا بدأت الحرب الأهلية في اسبانيا .