الرئيسية » مقالات » نسبية ميلان كونديرا والتخريب الضروري لبناء الانسان!

نسبية ميلان كونديرا والتخريب الضروري لبناء الانسان!

يتناول ميلان كونديرا الاحقاب الروائية مقننا اطرها المحكومة بمفاهيم قسرية منها الحق الديني وتابعية الايديولوجيا وظلال الفلسفة. انه يثير التساؤل عما هو نسبي في حالة آنا كارنينا وشخصيتها المتحررة عن الرباط المقدس ! هل لها الحق لو كسرت التزاماتها وفق الدين ؟ والدين يُحرّم، ووفق العقلانية الايديولوجية وهي تتقاطع تقاطعا تاما ، والفلسفة المثالية وهي على الخصوص تغتال في آخر كلّ ِ مطاف ٍ كلّ َ التحليلات الرياضية فهي مهما ناقشتْ وعي فيورباخ المادي، فانها تجافيه وتمضي الى التسليم الهيغِلي بالايمان بالروح المطلقة وتوقف ارادويا الديالكتيك المُعَوّل على ميكانيزم عمله اللآمتناهي بينما عند هيغل ” الخائن فلسفيا ـ من وجهة نظر الماديين ! ” فلا ديالكتيك في الخاتمة ! . الجميع يمانع يحرم يغتال ! اذن لا تجدد ولاتحرر لآنا كارنينا وسواها ، اذن آنا هي الضحية. لقد رسم تولستوي آنا كارنينا باعتبارها رمز النزوع التحرري وفي حالة من الصراع الحالم بالخروج من اطار الزوجية القاصم والانتفاض عليه بقوة الاحساس وبما يجافي التحريم الديني والعقلانية الايديولوجية والفلسفة المثالية وبالتالي فهي مفتاح للخروج من زنزانة الأطر المتعارف عليها او الزواج باعتباره مؤسسة اجتماعية انبثقت ! في مرحلة تاريخية معينة وهي عامل وضعي معيق . هل هي الضحية لو تدهور دورها التاريخي بانكفاء أشواقها وكبت ماهو حسي وملتهب بتحقيق الرغبة، والرغبة هنا اقدس القداسات بمفهوم الحرية وتلبيتها هي تحقيق لانتصارات انسانية وفتح من فتوحاتها، هنا اذن عقبة وأكمة ُ ” آنا ” وهنا حق حريتها وهذا نسبيا يتعارض مع حق الزوج وفق الثالوث اعلاه ” دين ـ ايديولوجيا ـ فلسفة ” بالاحتفاظ باطر الحياة المتعارف عليها … من الضحية هنا ؟… هنا الاحكام تتصادم صداما حضاريا .
هنا يبجل ميلان كونديرا دور فن الرواية التاريخي في تحقيبها الملحمي لهذه المعاناة واضرابها . أي انه يدعو الى لاسكونية في الأحوال ولامسطرة فولاذية يقاس عليها كل موقف ولاسرير بروكوست تقطع عليها الاقدام . ان سيرفانتس السابر للاغوار وتولستوي المصور للجموح اللآعقلاني ـ نسبيا ـ ليعطيان تـَوْقا ً لصراع الاضداد بالتحقق ، والمتجسد بالانعتاق من قضبان نفس كابـِتةٍ عـُمـْقيـّاً فهي نفس هائجة فوارة ثائرة تتوسم التخريب الضروري من اجل بناء الانسان في مملكة الحرية ! وهذا مايسعد كونديرا الروائي كون النفوس لاتركن الى زنزانة ابدية.
أما الفلسفي في ميلان كونديرا فهو المشاكس بل ديوجين البحث عما هو فعلي وحقيقي فينا . انه يهيب بنا ان ننير مالا يُنار وان نتقصى ابعاد الظلام من مخبوء ولامكتشف . كونديرا السعيد بالصراع، بالابخرة المختبرية في تفاعل العناصر لو صح التعبير ومثل ذلك معاناة البطل ” ك ” في رواية كافكا ـ المحاكمة ـ باعتباره ضحية ” خطأ في ملف ” فهل هو الضحية بسبب قصوره ام بارادة الآهية ام ان عالم الحاسبات والاحصاء لايرحم بل يمضي بالضحية الى التفجير في حفرة . على البطل النموذجي ان يصارع المحيط ان يبحث ان يثور على نظام يعمل على ” نسيان الكائن ” على حد تعبير هيدجر أو تصغيره . نظام جديد زاحف بكل ديناصوراته التكنولوجية لكيما يغلق الباب على كلاوس هينس : بطل الكاتب الدانماركي اندرسون الذي ماعاد يصلح لو ظهر ببراءته وسذاجته في عالم الليزر والكومبيوتر ، وربما الموت هنا ارحم للبطل ” ك ” والابادة لكلاوس هينس من استمراريتهم في عالم لايرحم ، عالم يرمي غريغوري الحشرة الكافكوية في القمامة لا لذنب اقترفه سوى انه عاطل . ذنب من اذن ؟ تطور العلم ام تخلف الاشخاص ؟ وما ذنب الناس اذا غادر العلـْمُ انسانيتـَه ؟
لن يقوى “هينس كلاوس ” على نيل اميرة جديدة فهل هو المذنب في ذلك ام ذنب غريغوري الذي افترسته انياب البطالة في عالم لم تطق ايواءه حتى عائلته . و” آنا ” لا امل لها بما هو جديد ومرغوب به؟! وهنا لابد من المساءلة للدين والعتاب على الايديولوجيا ومناكدة الفلسفة وتقصي مصائر الناس والاشخاص . هل اعتبر الدين الانسان مذنبا وعقوبته تولد معه وانه ـ الانسان ـ يلهث لسداد فاتورة ذاته الخاطئة منذ الازل !!!؟ وماجريرته ان يكون مطواعا للايديولوجيا الخيانية بطبيعتها بل الجزئوية والنخبوية؟ وما خطب الفلسفة التي أشاحت بوجهها عن الكائن وماعادت تواكب التحديق الديوجيني بشكل ذري! وعليه لابد من رد على الجميع بأداة سحرية هي البلسم لكل الجروح انها الرواية ! يقول كونديرا : ” اذا كان صحيحا ان الفلسفة والعلوم قد نسيا كينونة الانسان ، فانه يظهر بوضوح ان فنا اوروبيا كبيرا قد تكوّن مع سرفانتس. وما هذا الفن الاّ سبر هذا الكائن المنسي . ” .
ها هي اذن عبقرية ميلان كونديرا التي تطلق اسئلتها الحارقة فتجترح هكذا مفارقات وتبعث هكذا دخانا في الاجواء . وأيضا لتقول ان الكثير من الفواجع والفضائح والتآمر جديرة بالكشف في بيت العنكبوت أي في دهاليز وأقبية الذات البشرية في عوالمنا المغطاة بارادة الاجرام والعنف والاغتيال . ان مضادات كونديرا لن تلقى الرواج في عصورنا فهي عصور قناعات ومسلمات . سيجري شتم هذا الروائي ـ الأديب في عوالم أقل دموية وقتله في عوالم سواها . نعزي كونديرا ماضيا ونعزي مريديه حاضرا . انه وتاريخ الرواية يضربان رأسيهما بجدار كونكريتي ـ مسلّح ! . وكذلك يفعل اضرابه من عباقرة . انه من الصعب جدا ان نذوّب الانسان القديم المتحجر في اعماقنا وتحويله الى زهرة على ماء او طائر في فضاء . والى ان يتحقق ذلك سيجري دمع وحبر كثير .

*******
تـَوْقٌ أخير : ليكتب كل سجين او سجينة على جدران محكوميته او فكره القامع او زيجته الموجعة ، ليكتب : ” السجن ليس مذهبي … وليس فيه مأربي . لا أرتضي لي قفصا ً … وإنْ يكن ْ من ذهَب ِ ” .