الرئيسية » مقالات » د. حبيب المالح في الذاكرة ابداً ! 1 من 2

د. حبيب المالح في الذاكرة ابداً ! 1 من 2

د.حبيب المالح مع ابنه البكر ايفان *

كان في صباه من اصغر السجناء السياسيين في سجن نقرة السلمان السئ الصيت . . حيث اعتقل و عُذّب بوحشية اثر انقلاب البعث الدموي الأسود في شباط عام 1963 ، و لصموده و بسالته و لكونه عراقي كلداني من عينكاوة . . حكم عليه بالسجن سنوات قضّاها في تلك القلعة النائية في الصحراء الجنوبية، امعاناً بالقسوة و بالتمييز العنصري العرقي، رغم صغر سنّه .
بدأت صداقتنا الحميمة منذ ان التقينا في اجتماع اللجنة التنفيذية لأتحاد الطلبة العام في كوردستان تهيئة لمؤتمره اواخر عام 1971 ، حيث كان مسؤولاً عن فرع الموصل للإتحاد و كنت احضر الإجتماع كمشرف طلابي من سكرتارية الإتحاد في بغداد، حين كنت سكرتيره، وكنا حينها طالبين في كليتي الطب . . حبيب في جامعة الموصل وانا في جامعة بغداد، وتوثقت صداقتنا اكثر الى ان صارت لقاءاتنا تتكرر، كلما زار حبيب بغداد حيث كان ينزل في بيت اخيه في محلة الدورة في بغداد.
كنا في مطلع السبعينات نتناقش حول ظروف واوضاع الطلبة الصعبة حين كان نشاط البعثيين الصداميين يتزايد في المؤسسات التعليمية، هادفاً تحطيم الحركة الطلابية الديمقراطية التي كان رأس رمحها آنذاك ” اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية ” . . وكيفية مواجهة ذلك النشاط و ترتيب طرق لإخفاء وحماية الطلبة المهدّدين. و كان حبيب وباعتباره المسؤول الطلابي في الموصل ينقل تجربة محافظتهم وخططهم في مواجهة الأرهاب المسعور ضد الطلبة الديمقراطيين في الموصل . . التي كان مسؤولها آنذاك المناضل الفقيد ” توما توماس ” ، الذي لعب من جهته دوراً هاماً في رص صفوف طلبتنا من خلال اتباع السبل التي من شأنها تصليب عودهم في الدفاع عن النفس والمواجهة . .
كان طلبة الموصل الديمقراطيون بمعنويات عالية لثقتهم بانهم بقيادة قائد طلابي مجرَّب، فكانوا يثقون بما يتم توجيههم به من خلال التنسيق الطلابي والسياسي، ومن خلال الطلبة الأتحاديين و الناشطين حزبياً، و كنت و زملائي في السكرتارية نستفيد من متابعة الحديث معه عن نشاطات طلبة الموصل في تلك الظروف الصعبة، لتعميم دروس تجربتهم اضافة الى تجارب الفروع الأخرى في تقوية نشاطات منظمات الأتحاد عموماً .
مرّت السنين سريعاً حين كنّا شباباً متحمسين ساعين لإثبات وجودنا و ساعين لتحقيق اهدافنا سريعاً حين لم نكن نجيد التفريق بينها و بين احلامنا النبيلة في بلادنا . . بلاد النهرين اللذين ” استفاضا دماً و نقمة من عهد سام و حام ” (1) . . فتواصلت لقاءاتنا في الموصل و بغداد ، و ساهمت بفاعلية مع كل الجهود في تقوية اعادة تشكيل فرع لأتحاد الطلبة في الموصل، الذي كان لولبه الفاعل الشهيد د. حبيب الذي تحمّل اعباءً كبيرة متنوعة آنذاك . . طلابياً، كعضو في سكرتارية الإتحاد في الإقليم و كمسؤول لفرع الموصل الكثير الصعوبة و التعقيد، اضافة الى مهامه الحزبية المتنوعة . .
وفي الوقت نفسه . . كان طالباً في كلية الطب التي تطلبت جهوداً دراسية صعبة من جهة، و زوجاً شاباً احب زوجته و استقبل ابنهما البكر ” ايفان ” حديثاً من جهة اخرى ! حين لعبت زوجته الشابة دوراً هاماً في استقرار حياته كأنسان احبته، و دعمته ـ رغم تعقيدات متنوعة ـ في حياته و كفاحه و صانته بعملها كمعلمة، من العوز و الفقر حين كان طالباً، كما كان يردد بتأثّر . .
و بعد ان اسفرت جهود الجميع عن اعادة تشكيل فرع الإتحاد في الموصل . . و اسفرت النشاطات الطلابية المتنوعة عن تنظيمات و ركائز طلابية نشيطة سواء في الجامعة ” جامعة الموصل ” او في ثانويات و معاهد المدينة و عموم المحافظة ، بين الطلاب و الطالبات، صار من الضروري عقد كونفرنس طلابي لفرع الإتحاد . . و قرر مكتب سكرتارية الأتحاد تكليفنا د. لؤي الألوسي ( طالب طب آنذاك) وانا بالسفر الى الموصل لحضوره وفق لوائح الإتحاد و في الموعد المرسل من سكرتير الفرع الفعلي آنذاك الشهيد د. حبيب المالح .
و رغم كل الصعوبات و الإجراءات القمعية و التهديدات التي كانت تسود المدينة بمختلف الصور . . بالطائفية و التطرف الديني تارة، و باثارة الروح القومية الشوفينية تارة اخرى، وبالإدعاء بالدفاع عن الأخلاق و عن الحجاب من عناصر عرفت بلا اخلاقيتها، مدعومة من بيوتات مالية و عسكرية و تجارية معروفة . . انعقد الكونفرنس الطلابي بحماس كبير في طابق علوي لعمارة لم يكتمل بناؤها، رغم البرد في مساء و ليلة من شتاء 1972 و بحراسة منظمة القصابين في المدينة . و قد حضره ما ناهز الأربعين زميلة و زميل اتحادي (2) آنذاك يمثلون الجامعة و معاهد و ثانويات المحافظة، اسفر عن تحديد المهام الطلابية و عن انتخاب لجنة تنفيذية انتخبت الشهيد حبيب سكرتيراً . .
و تكررت الزيارات المتبادلة في بغداد ، و في الموصل رغم المخاطر و حضر اغلبها د.عصام الناصري ( طالب الطب ) عضو السكرتارية مسؤول بغداد آنذاك، وهو من الأخوة المندائيين . . و كنا نتخلص من مطاردات رجال الأمن بصعوبة و بالجهود و العلاقات الحميمة الواسعة التي استطاع الشهيد حبيب نسجها في المدينة. كان منها ما جرى عند خروجنا من البيت الذي كان حبيب و عدد من الزملاء يستأجرون غرفة فيه، في محلة الدواسة الشعبية آنذاك . . حين ذهبنا الى ركن الشارع العام حيث محلات ” اسواق كرزات الموصل” التي كان الزميل “عبد ” ينتظرنا وفق موعد معه عندها، الزميل الذي لم يشارك في اي نشاط او مناسبة طلابية، لتفرغه لمهام اخرى.
جاء ” عبد ” الينا مسرعاً و بهيئة حاول فيها عدم جلب الأنظار الى انه كان يحاول الإفلات من مراقبة مشددة كادت تنطبق بوجهنا من جهات متعددة. و اخبرنا بهدوء بان هناك كمين لألقاء القبض علينا (3) و بعد همسات سريعة بين حبيب و عبد مشينا بحذر بالغ متلمسين منفذاً . . حتى انقطع مشينا ذلك بظهور عدد من سيارات المرسيدس (4) و بضجيج عالي من فرعين متقابلين خلفنا مباشرة. في اللحظة تلك تماماً دفعني حبيب بسرعة الى باب جانبي انفتح ، مشيراً بحزم :
ـ عزيزي هنا !! لن يتمكّنوا منّا !!
و مرّت دقائق بقينا فيها صامتين مصغين الى ما خلف الباب . . حتى تأكّد لنا اننا في أمان . و اوضح لي حبيب ان الفندق يعود لمطربة ريفية شهيرة ، يحميها شيوخ من ” باب الحديد ” يخاف منهم رجال الأمن في المدينة لتنفذهم في دوائر الأمن العليا، بعد ان لقنوهم دروساً لاينسوها، و وصلوا معهم بأن لايعتبوا شارع مجمّع المطربة المكون من فندق ، مطعم و بار و عمارة سكنية ! و ان الزميل الطالب عبد المتفرّغ لنشاطات متنوعة اخرى لديه ابن عم يعمل حارسا في الفندق، و يقوم عبد بعدد من خفارات الحراسة مكانه عند مرضه او انشغاله . . و ان حبيب يوظف تلك الإمكانية لأنجاز امور كثيرة السريّة متنوعة، بعيداً عن اجهزة الأمن الصدامية . (يتبع)

شباط / 2010 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* حقق ابنه ” د. ايفان المالح ” (الظاهر في الصورة مع ابيه) حلم ابيه، بنيله شهادة الدكتوراه العليا قبل شهور في السويد .

1. من مقطع لقصيدة الجواهري الخالد عن انقلاب شباط الدموي عام 1963 . . ” أمين لاتغضب ” .
2. غادرت الزميلات الكونفرنس بالتدريج بعيد الغروب، صحبة مرافقين من اقاربهن، كانوا ينتظروهن في الشارع وفق مواعيد متفق عليها .
3. من اساليب القاء القبض في ذلك الوقت، ان يتم القبض بطريق الإختطاف من الشارع .
4. التي كانت من موديلات معروفة بعائديتها للأمن .