الرئيسية » مقالات » لا نور في نهاية النفق المظلم..

لا نور في نهاية النفق المظلم..

قد يكون من العسير على المرء التقبل السلس الخالي من الاستغراب.. لما يراد له ان يبدو كانه حراك اجتماعي او تدافع فكري بين اتجاهين يختلفان في وجهات النظر وطريقة التعاطي مع الامور ويشتركان في نفس المثابات المعتقدية..والذي بدأت بوادره بالجهر من خلال بعض السجالات المتحكم بها من بعد في موضوعة حقوق المرأة والمجتمع والتي تقتصر هنا على قيادة السيارة والاختلاط بين الجنسين في اماكن العمل او الدراسة في المملكة العربية السعودية..

فبالرغم من كون هذه التقاطعات من الأمور العادية والطبيعية، ويمكن أن تقع في أي بلد، بما في ذلك الدول الاكثر تمسكا بالموروث الديني والثقافي. لكن ما هو غير الطبيعي، ولا يمكن أن يمر على ذهن أي متابع ومدقق في بنية النظام السياسي السعودي، والطبيعة الأيديولوجية التي تشكل إطاراً حاكماً له ، هو تعدي التعارض حاجز المسائل الفقهية الخلافية الإجرائية ليصل إلى الاحتجاج على استئثار طرف معين لمهمة توجيه الفلسفة العامة للحكم، والتمرد الممنهج على اطلاق اليد الرسمي للمؤسسة الدينية السائدة ، أو على الأقل اظهار الاحساس بالغبن منها، ووضعها أمام طائلة المساءلة..

وما يثير الاستغراب هنا هو التواطؤ الصامت المشجع-وقد يكون المبرمج- من قبل الحكم للتذمر العلني والتبرم الذي طال بعض الرموز والعناوين الاقرب الى الثوابت الراسخة في الحياة الثقافية السعودية..والتي لا يستطيع المتابع ان يتغاضى عن الحاجة الى الاحتماء بالمظلة الاعلامية الرسمية عند المقاربة النقدية لفتاوى شخصية مفصلية مؤثرة في المنظومة الفقهية السعودية كالشيخ ابن باز .. حتى لو كان هذا “التحرش”من قبل شيخ اخر يلقب بابن باز..

فالكلام مثلا عن ان فتوى تحريم قيادة المرأة للسيارة على اعتبار انها كانت صادرة “لاعتبارات لا أظنها موجودة الآن أو يمكن مناقشتها وإعادة النظر فيها”..امراً يحتاج الى اكثر من الشجاعة العلمية البحثية ..وليس بالخافي ان التبريرات التي ساقها الشيخ ابن باز لتبرير فتوى والده والتي تحمل نوع من الايحاء بصدورها لدواع سياسية اكثر منها فقهية قد تثير بعض التساؤلات عن الهدف والتوقيت خصوصا مع تزامنها المثير لبعض الظن الآثم مع تصريحات الشيخ الغامدي الاكثر وضوحا والاشد انتقادا للمؤسسة الدينية السعودية رغم كون الشيخين من المنتمين لها فكريا وتنظيميا..

وقد يكون الشيخ الغامدي اكثر اندفاعا من خلال انتقاده للجدل الذي تمحور حول مصطلح الاختلاط والذي اثير بعد تدشين جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية بما” لم يُعرف عند المتقدمين من أهل العلم”معتبرا انه” كان أمرا طبيعيا في حياة الأمة ومجتمعاتها”واصفا الممتنعين عن قبوله “قلة لم يتأملوا أدلة جوازه، وهم من المفتئتين على الشارع أو المبتدعين على الدين”

وقد يكون الاكثر مدعاة للنظر هو الترحيب الضمني والاحتفالية الخجولة التي قوبلت بها هذه التصريحات من قبل الاعلام الرسمي السعودي الى درجة اعتبار قناة العربية لتصريحات الشيخ الغامدي حول الاختلاط كتطور”مفاجئ وأشعل النور في النفق المظلم منذ سنوات” -ليس من العسير معرفة من المقصود هنا بالنفق المظلم-وانه كان”شجاعاً وقال أموراً كانت تحدث في حياتهم العادية قبل 30 و40 سنة ” وان ما قاله” إظهار لحقائق كانت تخفيها جهات لا نعرف إلى ماذا تهدف من وراء ذلك”

ولكن اكثر المتفائلين برؤية الضوء في آخر”النفق المظلم منذ سنوات “لم يكن ينتظر ان يتم عزو فتوى واضحة وصريحة للشيخ ابن باز الى اعتبارات خارج نطاق الدواعي الفقهية البحتة ..مما قد يثير التساؤل عن مدى صدقية الطرح المعلن لاستقلالية المؤسسة الدينية وعدم خضوعها لاوامر ومتطلبات الحكم..

فليس من سوء النية المبيتة ملاحظة ان الكلام عن المناخ السياسي العام و” حالة الرعب و الخوف والمستقبل المجهول وبداية الانفتاح الفضائي وقد تكالب علينا البعيد والقريب”والى” تجمهر الآلاف، الغالبية العظمى منهم ممن يسمى بـ (المطاوعة) مساءً أمام دار الإفتاء في حين كان مجموعة من طلبة العلم و كبار العلماء مجتمعين في دار الإفتاء برئاسة سماحة الوالد رحمة الله”وبأن” ومن مخاض تلك الأبعاد السياسية و الاجتماعية والأمنية ولدت الفتوى بتحريم قيادة المرأة السيارة”..يتعارض مع المسوغات الفقهية التي ابرزها”الوالد” في معرض فتواه والتي اعتبر من خلالها قيادة المرأة للسيارة تؤدي بالضرورة الى مفاسد ” منها: الخلوة المحرمة بالمرأة، ومنها: السفور، ومنها: الاختلاط بالرجال بدون حذر، ومنها: ارتكاب المحظور الذي من أجله حرمت هذه الأمور”وجعله من الامور والاسباب “المؤدية إلى الرذيلة بما في ذلك رمي المحصنات الغافلات بالفاحشة” واعتبر الخوض في هذا الامر من ” الجهل بالأحكام الشرعية وبالعواقب السيئة التي يفضي إليها التساهل بالوسائل المفضية إلى المنكرات” والتي هي مما”يبتلي به الكثير من مرضى القلوب من محبة الإباحية والتمتع بالنظر إلى الأجنبيات” ..وختم فتواه بدعوة”كل مسلم أن يتق الله في قوله وفي عمله، وأن يحذر الفتن والداعين إليها، وأن يبتعد عن كل ما يسخط الله جل وعلا أو يفضي إلى ذلك، وأن يحذر كل الحذر أن يكون من هؤلاء الدعاة الذين أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم”

على الرغم من ان الخلافات الفقهية من الامور المنتظرة بل والضرورية في مجالات البحث العلمي ..ولكن من الصادم ان نرى مثل هذا التسقيط العلني لفتوى صادرة من قبل الشيخ الذي كان يقول ان من” قال إن الشمس ثابتة لا جارية فقد كذّب الله و كذّب كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد” دون ان يجرؤ احداً على الاعتراض عليه..والذي كان يطلق عليه لقب الوالد من قبل ملوك السعودية..ولا يمكن التغافل على انها يمكن ان تكون نقطة فاصلة ما بين مرحلتين من العلاقة ما بين المؤسسة الدينية والحكم في السعودية قد تطال رموزا وعناوين ومفاهيما اخرى..

ولكن وعلى الرغم من العقم المتوقع للاجابات التي يمكن ان نتحصل عليها على هكذا تساؤلات.. نستطيع ان نستنتج ان الضوء القادم قد يكون اكثر عتمة مما يخطط له البعض او ما ينتظره البعض الآخر..فالعملية لا تتجاوز تبديل وجوه وتغيير مواقع ولن تصل الى تغيير السياسات التي تكبل المجتمع وتمنع تطوره الطبيعي.. فالمجتمعات لا يتم تحديثها عن طريق القرارات الفوقية وليس من خلال نفس المؤسسة التي تتبنى –وبامتياز- نظرية تمام العورة بالنسبة للمرأة..تلك النظرية التي انتجت مجتمعا معاقا ينظر بعين واحدة..ويتكأ على قدم واحدة..ويدعي القدرة على التصفيق بيد واحدة..

ليس خافيا ان الاسلام السياسي يعاني من ازمة.. ازمة استهلاك رصيده الشعبي بسبب الاسراف في التموضع في موقع العصا في يد الحكم ومأزق ازدواجية علاقته لفكرة دمجه ضمن نظام الدولة ، لكونه يعارضها جذريا من جهة..ويتكأ عليها في مشروعية تمدده داخل المجتمعات معتمدا على التواطؤ التآمري للحكم من جهة اخرى.. مما ولد رفضا شعبيا متناميا لطروحاته..وتحوله الى عبءٍ فاقدٍ للجاذبية وغير مرغوب فيه من قبل الانظمة التي اصبحت تعمل جاهدة لاعادته الى المساجد والتكايا والزوايا المنسية..لحين الحاجة الى ورقته الضاغطة والمهيمنة على المجتمع..

ولكن الذي لا يفهمه الحكم العربي انه يتشارك مع قوى الاسلام السياسي في نفس الازمة..ولنفس الاسباب الحقيقية..اي الافتقار الى برنامج سياسي اقتصادي اجتماعي محدد، كما لدى الحركات والأحزاب السياسية الطبيعية، بل قد تكون بعض ممارسات الحكم معارضة لمفاهيم الدولة الحديثة برمتها؛ ونوع من التقاطع مع حاكمية هذه الدولة وإطلاقيتها.. ومع حاجتها للتشرعن من خلال الحصول على الدعم الشعبي اللازم لانشاء وتكوين دولة مدنية حديثة..

فلا تحديث ولا تنوير يتم عن طريق القفز على الارادة الشعبية او تجاهلها او اختزالها ببعض الرموز المنتقاة من قبل الحكم وطرحهم كبديل عن عناوين اخرى متعتقة ..ولا اصلاح دون الارتكاز على الراي الشعبي المعبر عنه بوضوح وشفافية عن طريق الاقتراع الحر والمباشر..وبدون ازالة العدائية المقننة والمشرعنة للمرأة وللمجتمع المدني ككل من الفقه السائد .. لا يمكن ان نعد وضع مفاتيح السيارة في يد المرأة المغيبة الا نوع من التساذج المفرط في التنويم الذاتي والتغافل المأساوي عن حقائق الحياة الاساسية..