الرئيسية » مقالات » بصراحة واضحة.. حوار ساخن وصريح مع المعارض السوري د. فاضل الخطيب .!.

بصراحة واضحة.. حوار ساخن وصريح مع المعارض السوري د. فاضل الخطيب .!.

بصراحة واضحة.. صحيفة الأمل الأسبوعية في حوار خاص، ساخن وصريح مع المعارض السوري فاضل الخطيب من العاصمة الهنغارية بودابست.!.
أجرت الحوار: نايا صنوبر
فاضل الخطيب، دكتور مهندس من محافظة السويداء، يعيش في بودابست – المجر.. يؤمن بمقولة غوركي »جئت لهذا العالم كي أعترض «، كان معترضاَ يوم كان شيوعياً، ومعترضاً بعد تركه الحزب. كان معترضاً ومازال على سياسات ومواقف بعض المعارضة. كان معترضاً يوم صار عضو في قيادة جبهة الخلاص، وتركها لاعتراضه معها. ومنذ بدأت حلاقة ذقني -كما يقول- كنت ومازالت معارضاً للنظام الذي يُمثل الفقر والاستبداد والفساد. مع مساواة المرأة بشكل كامل مع الرجل.. كتابه المقدس عنوانه »لماذا عليك أن تكون مستقيماً نزيهاً ونهايتك القبر؟.. لماذا لا تكون مستقيماً نزيهاً فنهايتك هي القبر؟!« وفيما نص الحوار:
1 – ما الذي جذبك إلى الحز ب الشيوعي سابقاً؟ هل هو المجتمع ؟ أم العامل الاقتصادي والسياسي؟
ج 1- جذبني إلى الحزب الشيوعي آنذاك – قبل قرابة أربعين عاماً ما كان يطرحه من أفكار تقدمية، وما كنت أقرأه في المجلات السوفييتية عن العدالة الاجتماعية والرفاه والمساواة في الدول الاشتراكية. وقد ساعد ذلك أنني ولدت وترعرعت في أسرة فقيرة جداً. أعتقد أنه عدة عوامل دفعتني للبحث عن الحزب الشيوعي والالتحاق به، كونه كان الأكثر دفاعاً عن أفكار الحرية وحقوق الفقراء، ولم يكن عندي معرفة عن تنظيمات أخرى في المنطقة التي عشت ودرست فيها حتى الثانوية باستثناء البعث والناصريين. لقد كان الحزب الشيوعي أكثر تنظيم أو فئة سياسية “معارضة”، وكان الشيوعيون أكثر الناس مضطهدون في التدريس والوظائف الأخرى نتيجة نزاهتهم ودفاعهم عن الفقراء وبنفس الوقت أكثرهم ثقافة، هذه هي العوامل الرئيسية التي جذبتني للحزب الشيوعي في تلك الفترة المبكرة من شبابي..
2 – أنت الشيوعي السابق لا تتفق مع الإسلاميين” فكريا ولا مذهبيا، فما هو سر قبولك في جبهة الخلاص، أم أن وجودك في الأمانة العامة لقيادة الجبهة جاء لحسابات وضرورات طائفية من مؤسسي الجبهة؟
ج 2- لقد ذكرت في رسالة انسحابي من جبهة الخلاص والتي نُشرت في بداية نوفمبر الماضي، ذكرت ملابسات انتخابي لعضوية قيادة الجبهة، ومختصر وجودي هناك كان هو أنني حضرت مؤتمر الجبهة قبل حوالي سنتين ونصف في برلين كضيف، وكلمة التحية التي قدمتها في ذلك المؤتمر ابتدأتها بالشكر لهم على دعوتهم، ولم أشارك بأي نقاشٍ، ولم أتخلّ عن أي فكرة وردت في مداخلتي، وهي موجودة على هذا الرابط:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=109969  
وأستشهد بفقرات قصيرة من تلك الكلمة:
(“في كثير من دول العالم نجد صاحب الثروة يريد أن يلعب دوراً سياسياً ما، معتمداً على ثروته ونفوذه المادي، والسياسي يريد أن يحصل على شيء من الثروة، بناءً على موقعه السياسي. هذه الظاهرة موجودة ولا يمكن تجاهلها، لكنها في سوريا الأسد مشوهّة جداً وهي بوابة الفساد الأولى. آمل أن تكون هذه الظاهرة أقل تشوهاً عند المعارضة الوطنية السورية.”..
“أحس أحياناً ـ وآمل أن أكون مخطئاً، أن بدلات وبناطلين وربطات عنق بعض –زعماء- المعارضة غير قادرة على العمل المطلوب, وغير قادرة على إخراج عقلية حافظ الأسد وسلوكه من رأسها”.. “إن مسؤولية المعارضة الوطنية أمام الشعب والوطن أكبر من مسؤولية ومهمة استلام السلطة!”..
“على المثقف والسياسي والقائد والثوري والثري ألاّ يكون فوق الناس -أي ما يركب على ظهرنا-“..
“لسنا فقط مسؤولون عن الأعمال التي نقوم بها, بل عن الأعمال التي لا نقوم بها”..).
هذا من جهة، ومن جهة ثانية كانت المفاجأة قبل انتهاء آخر فقرة من أعمال المؤتمر، حيث جاءني في الاستراحة أحد أعضاء قيادة الجبهة والذي كان قد تردد سابقاً عدة مرات إلى بودابست – جاء يطلب موافقتي ترشيحهم لي إلى عضوية الأمانة العامة، ورغم معرفته أنني ضيفٌ ولست عضواً في الجبهة، وما كنت أريد حضور المؤتمر بالأساس. لم يكن أمامي من وقت كافٍ للتفكير السليم، وبعد نصف ساعة وجدت نفسي منتخباً في قيادة جبهة لم أكن بالأساس عضواً فيها. وبالنسبة للأخوان المسلمين، -وقلت ذلك أكثر من مرة- أنني كنت في تحالف مرحلي مؤقت معهم من أجل إقامة البديل الديمقراطي، وبعد ذلك سأكون أكثر المناهضين لإيديولوجيتهم وسياستهم ولكن بشكل سلمي وعصري، وقد بدأت تلك الفترة التي كنت وإياهم في الجبهة بتوترات شديدة معهم، بعثت على أثرها برسالة إلى أول اجتماع للأمانة العامة والتي لم أحضره، أعلنت فيها تمسكي بقناعاتي ومواقفي التي لم أتخلّ عنها وأعربت أيضاً عن رغبتي الواضحة بالاستقالة إذا لم يدعم حرية رأييّ وحقي في طرح وجهة نظري ثلثي أعضاء الأمانة العامة..
3 – كنت ضمن طاقم زنوبيا وفجأة خرجت عليها بتصريحات نارية مبهمة تتضمن تلميحات وكأنك لا تكتب للقراء، بل لأشخاص معينين، فهل توضح أكثر ما كنت تريد قوله؟.
ج 3- عملت في قناة زنوبيا بعد أن طلبوا مني ذلك، وكنت أعتقد بجدية العمل والرسالة التي يجب أن تحملها كمحطة تلفزيونية معارضة، لكن الواقع كان غير ذلك، وحاولت الإشارة إلى مواضع الخلل التي لمستها وفي أكثر من رسالة وحديث شخصي مع المعنيين في إدارة عمل المحطة، وعندما تبين أنهم قرروا إنهاء عمل القناة وإقفالها طلبت أن نقوم جميعاً أو من يرغب بتقييم عمل المحطة، لكن الطلب رُفض. بعد ذلك كتبت تقييم شخصي عن ملاحظاتي -غير المبهمة أبداً- خلال نصف عام من وجودي هناك، وهو موجود على هذا الرابط: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=177049  
أنا الوحيد الذي كتب بصراحة وبأمثلة عديدة تؤكد ما طرحته عن “الحصرم المعارض، وعن زنوبيا بلا تجميل، وعن أرملة أذينة المُغتصبة…)، وحتى الآن لم تتم عملية تقييم سياسي مهني أخلاقي من أحد، أما تقييم حسابات الربح فهي قضية تخص السيد جهاد خدام، والذي لم يدفع رواتب آخر شهر لعدد من العاملين ومنهم أنا فاضل الخطيب، كما أنه لم يدفع تعويضات سكن وعمل، واشتغل عدد غير قليل من العاملين بدون تسجيل رسمي –أي بشكل غير قانوني ويُذكّر هذا بأسلوب وطريقة عمله وتجارته في الوطن يوم كان والده جزء من النظام (نائباً للرئيس). أما بخصوص التلميحات الأخيرة فهي تدخل ضمن مواضيع أدبية ساخرة لا يستقيم فيها تسمية الأشخاص بأسمائهم، خصوصاً أنني تطرقت لموضوع ديون لم يدفعها السيد جهاد خدام بالاسم والرقم ولم تكن مبهمة أبداً(أجرة مكتب في بودابست وراتب وضرائب ومصاريف حوالي سنة كنت مسئولاً عنها، والمحكمة ستقرر لاحقاً)، ونُشرت في حوالي عشرين موقعاً، وسيجد السيد جهاد عبد الحليم خدام نفسه بين سطور كل موضوع أكتبه حتى يدفع ما دفعته مادياً وقدمته من عمل ومسئولية. إن موضوع كقناة زنوبيا وملابسات عملها وإدارتها وشفافيتها تبقى قضية أكبر من السيد جهاد خدام، طالما أنها لبست ثوب المعارضة، لذا كان من الواجب عليّ والأمانة تدعو للتعريف بحقيقة ما حصل كما لمسته وعرفته..
4 – الحزب الشيوعي سابقاً، وجبهة الخلاص لاحقاً، والآن الوقوف على مفترق الطرق، أي خلط للأوراق؟
ج 4- عندما كانت عندي قناعة بسياسة وأهداف الحزب الشيوعي قبل حوالي أربعين عاماً لم أتردد بالانضمام إليه والعمل بمنتهى الجدية الحزبية وكانت لي نشاطات يُفتخر فيها وبمصداقيتها، واعتقد انه حتى الذين افترقت عنهم أو افترقوا عنيّ لابدّ إلاّ أن يتذكروا ذلك بكل طيبة. وبعد مجيئي للدراسة في المجر “وكانت تُعتبر بمثابة فرنسا بالنسبة للدول الاشتراكية الأخرى من حيث الرفاه” وجدت تناقضاً بين ما قرأته وسمعته في الوطن وبين ما لمسته في البلدان “الاشتراكية” آنذاك، عشت بضع سنوات في صراع داخلي بسبب التباين حول القناعات النظرية وبين الواقع الذي عشته، سيما أن الحزب أخذ بشكل نهائي تبعيته ودفاعه عن الديكتاتورية وانسلاخه عن الواقع والجماهير، وفي آخر الأمر كان عندي الشجاعة للنظر في المرآة والخروج من الحزب الشيوعي قبل حوالي عشرين عاماً عندما اقتنعت بأنه فقد المبررات الأخلاقية كحزب مناهض للقمع والفساد والديكتاتورية. أما جبهة الخلاص فهي مرحلة استثنائية “قسرية التحالف” بسبب ظروف الوطن، ولم أبحث عنها أبداً، وحتى حضوري مؤتمرهم في برلين كان من باب الخجل بعد أن تردد على بودابست أكثر من مسئول في الجبهة ولمرات عديدة، وسيأتي الوقت الذي يقول آخرون ما لم أقله حول حيثيات ذلك والذي يُبرر موقفي أكثر من الذي ذكرت. الإنسان الذي لا يملك الشجاعة كي يكون صادقاً مع نفسه لا يمكن أن يكون صادقاً مع غيره، وقد تكون صراحتي في التعامل السياسي أيضاً خلقت متاعب لي مع البعض، وهو ثمن المصداقية وعدم اللف والدوران. وأنا كنت ومازلت صادقاً مع نفسي ومع غيري، ولا يوجد عندي إلا وجه واحد لا أخجل فيه، ولا يوجد عندي ما أخفيه حول ذلك، ولست على مفترق طرق، ولا أبحث عن دروب ولا أزقة ولم أتقلب على طاولات وكراسي هنا وهناك، وأوراقي واضحة. أنا عدت لمرحلة ما قبل جبهة الخلاص، لا أنتمي ولا أنوي الانتماء إلى أي حزب، رغم دعمي لكل الأصوات المساهمة بصدق من أجل التغيير وإقامة البديل الحر الديمقراطي..
5 – برأيك ما هو السبب الحقيقي وراء توقف قناة”زنوبيا” ؟
ج 5- بعد انقضاء أكثر من نصف عام على أقفال قناة زنوبيا ووضوح أمور كثيرة، قد يكون من الجائز الاعتقاد أنها كانت فكرة “نصف ربحية” لاستجداء المساعدات المالية من بعض الذين كانوا مناهضين لسياسة حاكم دمشق، وإذا أردت أن أكون “غير بريء الظن” يمكن القول أنها كانت فرصة تجارية للسيد جهاد خدام، وقد يكون مردودها الربحي أقل مما كان يَتوقع. وأعتقد أيضاً أن توقفها جاء كنتيجة للنظرة إليها كشركة تجارية، ومنسجماً مع أحد أهدافها الذي جاءت من أجله “الربح”. ولهذا لم يكن هناك استراتيجية ورسالة سياسية حقيقية واضحة، غير تلميع وتحسين وتجميل صورة السيد خدام وشتم النظام. إن عمل المحطة وطريقة إدارتها ونوعية ومهنية برامجها والضبابية والهروب من مواجهة الأسئلة المطروحة حينها، وكذلك كيفية إقفالها وما رافقه من أعمال غير قانونية وغير إنسانية يدعم هذا الرأي. والقول انقطاع الدعم غير كافٍ، خصوصاً أنه من يعمل بالسياسة يعرف واقع أنظمة المنطقة وتشابه مصالحها، لذا كان يجب التضحية من أموال السيد خدام والبحث وإيجاد البدائل “كإجراء احتياطي” لما قد يمكن حدوثه وحدث. وربما كانت زنوبيا وسيلة ابتزاز متبادل بين أولئك وهؤلاء، وعندما انتهت حاجتها “الضاغطة”عند الطرف المموِّل (بكسر الواو) أغلق بابها الطرف المموَّل (بفتح الواو) وقام بحساب الربح والخسارة، وما نعرفه بالتأكيد أن قسم من العاملين تضرروا مادياً وأخلاقياً، لكنه لا يوجد ولا أي إثبات إلى تضرر السيد خدام مادياً.!.
6- ما الإضافات التي حصلت عليها من خلال عملك في قناة”زنوبيا”؟
ج 6- تعلمت أن أرى خلف الوجوه التي تتبسم أنه يمكن أن تكون هناك رائحة العفونة، تعلمت أنه يمكن أن تعطي وجهك وصدرك لبعض “الأصدقاء” نصف عام ولا تتجرأ على إدارة ظهرك لبعضهم يوماً واحداً. حصلت على وشم لا يمكن الافتخار به، وسيكلف الخلاص منه عملية جراحية قد تستغرق أكثر بكثير من فترة “دقه”، دفعتني لتغيير نظاراتي كي أرى بوضوح أكثر. إضافة إلى خسائر مادية بين بروكسيل وبودابست تزيد على 13 ألف يورو مسئول عن دفعها السيد جهاد عبد الحليم خدام وحتى الآن لم يدفعها..
7- هل لاختلاف الحزب الذي يدير شؤون الحكم في البيت الأبيض تأثيرٌ مصيري على المؤسسات؟
ج 7- رغم كل الملاحظات على عمل الديمقراطية في الدول الحرة، لكنها تبقى دول ذات مؤسسات مستقلة عن شخص الرئيس أو الحزب الحاكم، وتبقى حدود حرية تأثير الرئيس أو الحزب الأقوى باتخاذ القرارات داخل المؤسسات محدودة ومدروسة، يبقى تأثيرها ثانوياً وبسيطاً. وقد يكون تأثير اللوبي أكثر من تأثير أقوى رئيس أمريكي، والقرارات في أمريكا تصدر عن مؤسسات يؤثر فيها لوبي النفط، أو صناعة السلاح أو اللوبي اليهودي…إلخ. والرئيس يكون في آخر المطاف القاسم المشترك لنشاطات مختلف فئات اللوبي. ولا أستبعد أن يقوم الرئيس أوباما وتحت ذلك التأثير باتخاذ إجراءات غير شعبية يكون فيها هو حصان طروادة، وينتهي نجمه بانتهاء فترة رئاسته. سيتم استهلاك أوباما من خلال تمرير بعض الأعمال التي تحتاج إلى من يقوم بتنظيف مكانها أو ما يُشبه مشجباً لتعليق ما يخدمهم. وقد يذكرون الرئيس أوباما بعد سنوات كأضعف رئيس أمريكي. وحتى الذين كانوا يذكرون اسمه “باراك حسين أوباما” بدأوا يلعنونه وتخلوا عن ذكر اسم أبيه، وتحول إلى صليبي ولعبة صهيونية بنظرهم، رغم أنه لم يتغير. وقد لامست تلك الأفكار بعد انتخابه مباشرة قبل أكثر من عام في موضوع بعنوان “اطلبوا العلم ولو في أمريكا”..
8- قصور عمل المؤسسات هل ناتج من توقف التمويل أم سياسة الحزب الحاكم؟
ج 8- معلوماتي عن ذلك متواضعة، أنا لا أعيش في أمريكا، وبالتالي لا أعرف تفصيلات تنفيذ مثل تلك الإجراءات والقوانين الناظمة لها وآلية تنفيذها، وكما يقال “الشيطان يوجد في التفاصيل الجزئية”، لذا أعتذر عن الدخول في هذا الموضوع، لكني أعتقد أن عمل المؤسسات في أمريكا غالباً يكون مستقلاً عن الحزب الحاكم، رغم أنها ملزمة بتنفيذ القرارات التي يكون للحزب الحاكم دور رئيسي في إصدارها، العملية ليست بهذه البساطة لأنه هناك مؤسسات للمراقبة والمحاسبة، ولا تكفي رغبة الحزب الحاكم بإصدار هذا أو ذلك القرار كي يصبح ساري المفعول..
9- ألا تعتقد بأن المعارضة قد خبت صوتها منذ وصول أوباما إلى الحكم، وأنها صارت أشبه بمعارضة تحت الطلب؟
ج 9- أعتقد أن صوت المعارضة لم يتغير كثيراً، بل تغيّر وضع النظام السوري، والشكر الأول لراعي مصالح إسرائيل الأول الرئيس الفرنسي ساركوزي، وهو أحد أعداء حرية شعبنا والمدافعين عن قمع وفساد النظام خدمة لأمن إسرائيل، وقد تزامن ذلك مع خطاب جديد تحاول الإدارة الأمريكية طرحه. وبصراحة، ما الذي تغيّر؟ هل سحبت المعارضة عشرات الألوف من المتظاهرين ضد النظام من شوارع دمشق وحلب؟ أم استطاعت التأثير في اتخاذ قرار دولة حرة لرفع الغطاء السياسي عن النظام؟ أم تغيير في التنسيق بين فصائلها؟ أما إذا كان المقصود تصريح هنا للسيد حسن عبد العظيم أو مناورة لسيد آخر أكثر حُسناً وعِظماً، إن بعض تلك “المعارضة” ومواقفها ليست جديدة ولا يستطيع أولئك تقديم أكثر. وحول تعليق الأخوان المسلمين معارضتهم للنظام أعتقد أنها كانت سذاجة طفولية من خلال خلطهم لأولويات العمل والسياسة، وأشرت إلى ذلك في أكثر من مقال، ولا يستحق الآن الحديث عنها أكثر. المعارضة التي يُعوّل عليها موجودة وأكثرها مازالت “صامتة”، وصمود معتقلي الرأي في سجون القمع المخابراتي ما هو إلاّ رمز المعارضة الوطنية الصادقة التي تزرع جذورها عميقاً..
10- غالباً ما يتم لصق ما يجري في البلد من تجاوزات وسلبيات بالحاشية المحيطة بالحاكم مع الإصرار على أن الحاكم لا علم له بما يجري. هل الحاكم بريء حقاً؟
ج 10- الحاكم وما ورثه من سلطة مخابراتية يضع كل الحاشية المحيطة به وكل الحواشي المحيطة بالحاشية الكبيرة، وغالبية أبناء شعبنا، يضعهم على الأصبع الوسطى ولا يتجرأ واحد أو واحدة الشكوى أو الاعتراض. براءة الحاكم تقررها المحاكم المستقلة التي ستتشكل مهما طال الزمن، وسيكون لنا “نورنبرغ” في شرق المتوسط حتى لو تأخرت عشرات السنين، وقد يجلبوا عظام من قادوا وطننا من هزيمة إلى هزيمة، ومن قمعوا شعبنا باسم الوطن الذي هزموه، ومن قتلوا، ومن جوّعوا غالبية أبناء بلدنا باسم الممانعة وتحرير الأرض التي يُفرطون. قد يجلبوا تلك العظام أيضاً لمحاكمتها كبقايا وشواهد على الفقر والاستبداد، لتضاف درساً تشاوشيسكياً جديداً في التاريخ..
11- هل المواطن السوري يبحث عن الحرية أم عن لقمة العيش،أين تقع الأولوية برأيك؟
ج 11- المواطن في بلدنا يبحث قبل أي شيء عن لقمة العيش، لكنها تحمل معها ألم يتراكم وحقد يُضاف وكبت يشوّه كل شيء جميل. وحجم المأساة الاجتماعية الأخلاقية التي سببها النظام ستكلف المجتمع والوطن عقوداً –نعم عقوداً- من الزمن بعد سقوطه من أجل إعادة بناء أخلاق المواطنة وقيمها التي شوّهها النظام. وقانون التراكمات الكمية يعمل بهدء، وعدم ملاحظته لا يعني انعدامه..
12- ما سبب ضعف إعلام المعارضة وعدم قدرته على الصمود، أو الاستمرار، وخصوصاً الإعلام المرئي؟
ج 12- بشكل عام يجب أن يعكس الإعلام “السياسي” واقع السياسة ونشاطها التنظيمي الفعلي التي يُمثلها، والمعارضة في أي بلد تعكس بوجه عام درجة واقع وتطور هذا البلد. ما هو واقع تنظيماتنا المعارضة المبعثرة والمخترق أكثرها؟ لاحظ منظمات حقوق الإنسان والتي عددها أكثر من أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية!، وكل واحدة أكثر دفاعاً ودفعاً وتدفيعاً عن حقوق الإنسان من الأخرى!؟. مشكلة شعبنا ليست فقط في النظام، بل في بعض البدائل أيضاً –على الأقل هذا ما يمكن ملاحظته حتى الآن-. إذا أجريت استطلاعاً للرأي حول بيان سياسي لجبهة أو حزب ما، ومنشور في موقع إلكتروني، وبنفس الصفحة موضوع لإنسان يحاول الكتابة وإبداء الرأي بالشأن العام، فإنك تجد عدد قراء “الكاتب” غير المعروف أكثر من عدد قراء بيان الجبهة أو الحزب المعروف –إعلامياً على الأقل-. من أخطر ما يضر العمل المعارض هو دخول “البيزنس” السياسي وظهور دكاكين وعطارين.
أخشى أن تكون تجربة قناة زنوبيا وما رافقها من مشاكل، ليست حالة منفردة. قبل انطلاقة محطة سوريا الجديدة (لاحقاً زنوبيا) بحوالي نصف سنة قلت لأحد المسئولين عنها، عندي تخوف من أن تصبح المحطة عبئاً علينا وليس عوناً سياسياً لنا، أخشى أن نضطر للغوص في الوحل من أجل الدفاع عنها.!.
13- ما سبب الخمول السياسي الحاصل في الشارع السوري؟ ولماذا عزف الشباب عن الحياة السياسية؟
ج 13- بعد انقلاب الأسد الأب على رفاقه عام 1970 والذي لم تكن الأصابع الأجنبية غريبة عنه، بعد ذلك ألغى بشكل كامل النشاط السياسي، واتبع سياسة الخطوة – خطوة الكيسينجرية لتثبيت سلطته المطلقة وترويض أكثرية الأحزاب التي كانت موجودة من خلال ما سمّاها “الجبهة الوطنية التقدمية”، والتي أضحت مكتباً شكلياً يدير شؤونه مساعد في المخابرات. وما يقوم فيه الوريث هو متابعة سياسة والده بعد أن فرّغ بشكل كامل المجتمع من السياسة، وصار الإنسان مهموماً بتأمين الحد الأدنى من معيشته. والقمع الفظيع يلعب أساساً في هذا العزوف الظاهري عن ممارسة السياسة، لكنه سيكون السبب الأكبر لكسر عقدة الخوف التي ستتصدرها فئات الشباب، الشباب الذين هم أكثر الشرائح تضرراً من سياسة الفساد، وأعتقد أنهم سيقومون بالدور الرئيسي في التغيير، وقد يكون لثورة المعلوماتية والتي ترتبط بالشباب بشكل أساسي، سيكون لها الباع الأكبر في تكنيس سلطة المخابرات. هذا العزوف عن السياسة مؤقت، وسنسمع سوية عزف الأغاني التي تمجد الحرية والانعتاق من الديكتاتورية..
14- أيراودك إحساس ما بأن تغييراً سيجري في المستقبل القريب، وعلى ماذا تبني تفاؤلك؟
ج 14- إذا كان المستقبل القريب يعني العقد الذي دخلناه الآن، فجوابي نعم سيحدث تغيير ليس فقط في سوريا، بل في أكثر دول المنطقة، وبشكل عام يجب علينا أن نعيش التفاؤل دائماً، وأن نبحث ما يُدّعم ويقوّي هذا التفاؤل، لأنه يعطي القوة والثقة. والتاريخ وتطوره وسيرورته كانت دائماً تعتمد على التفاؤل أيضاً. طبعاً ذلك لا يكفي، لكنه ضروري. لا تستطيع أوربا تجاهل حقوق الإنسان في منطقتنا إلى مالا نهاية. أبني تفاؤلي على القمع نفسه والفساد نفسه –ميزة النظام الأولى- والذي سيُخلق حالة وضرورة التغيير عند فئات من الشعب سيكون الشباب طليعتها. ولكون النظام غير قابل للإصلاح، لذا سيأتي يوماً ترفع الدول الديمقراطية يدها وغطاءها عن النظام، وإذا لم يتغير أسلوب وسياسة غالبية المعارضة الوطنية، إذا لم تظهر أصوات غير قابلة للتدجين (لاحظ معارضة السيد حسن عبد العظيم) سيتأخر سقوط النظام حتى يسقط من تلقاء نفسه وبدون بدائل ناضجة صادقة شفافة وعصرية، وعندها نعيش مرحلة الفوضى وتصفية الحسابات وإعطاء المبررات للتدخل الخارجي المباشر تحت عشرين إسم وشكل. ورغم ذلك يمكن القول أنه “هناك شبح يجول” في الشرق الأوسط هو شبح التغيير الديمقراطي الحر..
15- ما الجائزة التي ستنالها سورية إذا ما تخلت عن إيران؟ ومِنْ مَنْ؟
ج 15- التخلي عن إيران يعني: احتمالات مشاكل ضمن أجهزة الأمن وازدياد الصراع على النفوذ بينها، ضعف النظام الأمني والخوف من تصفية حسابات شخصية واغتيالات نتيجة المنافسة على اقتسام الغنائم المتبقية لهم، احتمال ظهور مشاكل طائفية على السطح يصعب ضبطها، وذلك بعد سنوات من الترويج والتبشير الطائفي الإيراني. وقد لا يُستبعد تبديل الوريث الحالي شخصياً عن سدة الحكم والملكية. زواج النظام السوري مع نظام ولاية الفقيه الحالي لا رجعة عنه. وقد يحدث تغيير أو تقليص في دور إيران داخل سوريا إذا انتهت سلطة اليمين المحافظ في طهران، وقد يكون الأسد –بعد تنفسه الصعداء الآن- قد يكون أكثر السعداء بتغيير نجاد وحاشيته، كي يبدأ الأسد مرحلة جديدة تبدو للشارع السوري والعربي أنها أكثر “استقلالية”، وقد تكون عامل قوة جديدة له. أعتقد أنه لا يوجد في المنطقة سوى تركيا ترغب وبجدية بإضعاف علاقة النظام السوري مع إيران إلى أبعد تقدير. إيران الآن رغم أنها عنصر ضمانة لاستقرار النظام داخلياً وورقة ابتزاز خارجياً، لكنها قد تصبح قريباً عبئاً ثقيلاً عليه، وقد تكون خطراً عليه أكثر بعد أن كانت عوناً له حتى الأمس القريب جداً..
16- هل تعتقد أن النظام جاد فيما يتعلّق بموضوع السلام مع إسرائيل؟
ج 16- النظام جاد في المفاوضات وليس في السلام، النظام يريد استمرار المفاوضات سنوات طويلة، وخلالها قد يحصل شيئاً لخلط الأوراق من جديد مما يضمن له الاستمرار في الحكم والملك. شيء واحد مقدس عنده لا يعلو عليه، هو السلطة والحفاظ عليها ضمن أسرته، وكل الخطوات والسياسات والمبادرات و..إلخ. يجب أن تخدم هدف السلطة والملك. هذا ما كان يوم انقلاب الأب وهذا سيبقى مع الوريث. وهو يَعرف كما إسرائيل تعرف أن المنفعة متبادلة بينهما، والشعارات والممانعات هي إكسسوارات تجميلية لعملية تبادل الأدوار والمنافع في المنطقة، وإن حصل أي سلام بين هذا النظام وإسرائيل سيكون لمصلحة إسرائيل وعلى حساب الوطن..
17 – هل توفيت فكرة الإصلاح أو التغيير في سوريا المستقبل؟
ج 17- لم تتوفَّ فكرة الإصلاح لأنها لم تكن موجودة. من طرحها كان يعتقد متفائلاً بذلك مع قدوم الوريث الشاب، لكن الواقع يؤكد أن هذا النظام غير قابل للإصلاح، حتى لو كانت عنده النية في الإصلاح لن يستطع ذلك، لأنه سيسقط من تلقاء نفسه. نظام عصيّ على الإصلاح، لأن وجوده يقوم على مقاومة الإصلاح. لا طريق آخر إلاّ التغيير. قد يكون على درجات، أو مراحل. لكنه لابدّ من التغيير الجذري، وإعادة بناء مؤسسات الدولة والمجتمع. وعملية التغيير الديمقراطي مهما اعترضها ويحاول البعض رفضها على اعتبار خصوصيات مجتمعاتنا، لكنها قادمة لأنها “سمة العصر الحقيقية” –وهذه تختلف عن تعبير سمة العصر البريجنيفي-. إنها “الشبح الذي يجول” في سماء الشرق الأوسط…
18 – هل تود إضافة شيء تعتبره مهما وأغفلناه في حوارنا؟
ج 18- أشكركم. وأخيراً ملاحظة للمعارضة الوطنية السورية والتي أعتبر نفسي واحداً منها:. لا يكفي أن نضع هدفاً أمامنا. يجب أن يوجد طريق للوصول إليه. لا يكفي إيجاد الطريق، بل يجب السير عليه…
بودابست، 20 / 1 / 2010.
• جزيل الشكر للدكتور فاضل الخطيب.