الرئيسية » مقالات » هل الدكتور بارق شبر على حق في موقفه من اللبرالية الجديدة؟ الحلقة الأولى

هل الدكتور بارق شبر على حق في موقفه من اللبرالية الجديدة؟ الحلقة الأولى

ما هي اللبرالية؟
كتب الزميل الدكتور بارق شبر نقداً موجهاً إلى الزميل الدكتور حيدر سعيد بتاريخ 25/1/2010 حول موقف الأخير من نقد فكر وممارسات النيوليبرالية في العراق والذي نشر في موقع العالم حيث نُشر مقال الدكتور حيدر سعيد, متهماً إياه وبعض المثقفين بأنهم لم يفهموا هذه المدرسة الفكرية بشكل صحيح وعلى هؤلاء دراستها, إذ يقول ” لست بصدد الدفاع عن النيولبيرالية ولكني اعتقد بأنه ينبغي على بعض المثقفين العراقيين فهم أفكار المدرسة الاقتصادية النيوليبرالية بشكل صحيح، سيما وان كانوا لم يتعمقوا في دراسة مبادئ الاقتصاد الكلي الحديث وسياساته المتعددة الجوانب وفي مقدمتها المالية والنقدية. بالتأكيد لا تعني المدرسة النيوليبرالية اضعاف الدولة او تهميشها كما يفترض الكاتب حيدر سعيد وإنما إعادة صياغة دورها الاقتصادي من خلال تقليص الانشطة الانتاجية والتي غالباً ما تتسم بانخفاض الكفاءة الاقتصادية وهدر الموارد، وهذا واضح في حالة العراق وفي وضع المؤسسات العامة المملوكة للدولة والتي تشكل عبأً كبيراً على الموازنة العامة”.
ثم يورد الزميل نموذج العراق في عهد البعث ليبرهن على فشل مشاريع الدولة إذ كتب الزميل د. شبر ما يلي: ” من الواضح ان كاتب المقال يخلط بين حجم الجهاز الاداري للدولة العراقية والذي هو متضخم ومترهل بجميع المقاييس وبين الوظيفة الاقتصادية للدولة والتي يجب ان تقتصر من منظور المدرسة النيولبيرالية على بناء وتطوير الاطر (المؤسسات) الملائمة والمساعدة على الانشطة الاقتصادية للقطاع الخاص بما في ذلك الطبقات الوسطى المنتجة وليس طبقة البيروقراطية الطفيلية التي تعيش على الريع النفطي من دون انتاج او خدمات ملموسة للمواطن العراقي. وتجدر الاشارة الى ان الطبقات الوسطى تلعب دوراً محورياً في اقتصادات الدول الرأسمالية والتي تتبنى فلسفة المدرسة النيوليبرالية. من ذلك يبدو لي ان استنتاج الكاتب بأن النيوليبرالية اضعفت
الطبقات الوسطى في العراق بعيد جداً عن الواقع. ما حدث فعلاً في الواقع هو عكس
ذلك، حيث ان الطبقات الوسطى في العراق وبمفهوم الكاتب المختزل على موظفين جهاز
الدولة ازداد عددها الى اكثر من 3 مليون موظف اي ما يعادل حوالي 40% من قوة
العمل في العراق، كما تحسن مدخولها بشكل واضح للعيان منذ التغيير في 2003.”
كما ترون فأن الدكتور شبر لا يريد أن يدافع عن النيوليبرالية ولا يرى أنها تريد إلغاء دور الدولة الاقتصادي أو تهميشه, وإنما “إعادة صياغة دورها الاقتصادي من خلال تقليص الأنشطة الانتاجية”. [انتهى تعليق الزميل د. بارق شبر, الخبير الاقتصادي الدولي].
كم كان حيراً بالصديق الدكتور بارق شبر أن يرى في ما طرحه الزميل الدكتور حيدر سعيد اختلاف في وجهات النظر وليس “عدم فهم لنظرية اللبرالية الجديدة بشكل صحيح”. إذ أنه في هذا يجافي الواقع ومستوى معارف ووعي الدكتور حيدر سعيد.
طبعاً ليس بودي أن أفقد التواضع وأقول للزميل د. شبر, يبدو لي أنت الذي لم تفهم طبيعة هذه المدرسة بكل أبعادها وخاصة الاجتماعية والسياسية والبيئة والعسكرية منها, إضافة إلى الاقتصادية, كما قال هو ذلك بحق جمهرة من الزملاء المثقفين العراقيين المطلعين جيداً على المدرسة اللبرالية واللبرالية الجديدة. بل أتمنى عليه أن يكون في المستقبل أكثر تواضعاً مع المثقفين الاقتصاديين العراقيين, فهم مثقفون حقاً ويدركون جيداً ما يكتبونه, وأن من المفيد للزميل نفسه إعادة النظر برأيه وموقفه من هذه النظرية الاقتصادية وأتمنى له الابتعاد عن محاولة الانسجام مع التيار الرأسمالي النيولبرالي المتوحش الذي ألحق ويلحق أفدح الأضرار بالاقتصاد العراقي وبالفئات الكادحة من المجتمع وخاصة تلك المنتجة للدخل القومي,
المدرسة اللبرالية الجديدة, التي هي بالأساس ذات المدرسة الاقتصادية الكلاسيكية اللبرالية القديمة التي ساد تطبيقها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وبداية القرن العشرين حتى حلول الأزمة العالمية الأولى التي فرضت على الرأسماليين والمنظرين الاقتصاديين تعديل بعض أهم جوانبها برؤية كينزية, (جون مينارد كينز John Maynard Keynes، اقتصادي إنجليزي 1883 – 1946), لدور الدولة وقضايا التشغيل ودور النقود والفائدة, والتي استمرت طوال الفترة الواقعة بين نهاية الكساد العظيم, والتي تجلت حينذاك في سياسة العهد الجديد New Deal لروزفلت, وبين تبني اللبرالية الجديدة في الستينيات من القرن الماضي, التي اقترنت بالتخلي عن النظرية الكينزية والعودة إلى النظرية الاقتصادية اللبرالية الكلاسيكية ذاتها مع بعض الرتوشات التي زادتها قسوة وظلماً وجوراً على الفقراء والمعوزين والعاطلين عن العمل وزادتها شدة في ممارسة الاستغلال على المنتجين الكادحين من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية والعسكرية, والتي تجلت بشكل خاص في سياسات رونالد ريگن وإليزابيث تاتچر, وقبل ذاك في سياسات الجنرال أوغستينو بينوشيت في شيلي بعد الانقلاب على حكومة سلفادور الليندي في العام 1973, وفي سياسات المكسيك وأزمتها المالية المدمرة, ومن ثم في سياسات جورج بوش الأب وجورج دبليو بوش الابن وبشكل أخص أضرارها الفادحة على شعوب البلدان النامية في ظل سياسات العولمة التي تفاعلت مع سياسات اللبرالية الجديدة في الولايات المتحدة والعديد من الدول الرأسمالية الأخرى.
والآن من المفيد أن نتبين بوضوح ما هي اللبرالية وما هو الفرق بينها وبين اللبرالية الجديدة. ثم نتطرق إلى مخاطر اللبرالية الجديدة على اقتصاديات العراق بشكل ملموس, وما هو مفهوم سياسة السوق الاجتماعية التي هي من حيث المبدأ اشتقاق نمساوي-ألماني من نظرية اللبرالية الجديدة التي طرحها بشكل خاص فون هايك والتي مارسها بحدود معينة المستشار الألماني السابق لودفيگ ايرهارد في ألمانيا التي هي تختلف عن مدرسة “أولاد شيكاغو” ميلر وفوكسلي الأكثر تشدداً.
تؤكد النظرية اللبرالية الكلاسيكية على ثلاث مسائل جوهرية, كما وضعها أدم سميث (1723 – 1790) باعتباره أول من صاغ مبادئ الليبرالية الاقتصادية, وهي:
1. حرية التجارة.
2. حرية كاملة لكل أفراد المجتمع في نشاطهم الاقتصادي.
3. الالتزام بنظام السوق الحر.
ويفترض الالتزام بهذه المبادئ تحقيق الرخاء والرفاهية.
ماذا يعني ذلك؟ إن هذا يعني الكثير من النتائج في ضوء التجارب الفعلية لسياسات اللبرالية في العالم الرأسمالي المتقدم والتي يمكن الإشارة إلى بعضها فيما يلي:
1. سيادة الملكية الفردية على وسائل الإنتاج, وخاصة رأس المال.
2. انقسام المجتمع إلى طبقة مالكة لوسائل الإنتاج وطبقة غير مالكة لوسائل الإنتاج بل مالكة لقوة عملها التي هي مجبرة على تبيعها في سوق العمل, رغم ما يبدو من حقها في بيعها أو عدم بيعها والموت جوعاً.
3. تحقيق أقصى الأرباح الممكنة عند توزيع الدخل القومي بين العمل ورأس المال, بين الأجر وفائض القيمة أو الربح.
4. حرية التجارة ورفض جميع أشكال القيود.
5. ممارسة سياسة مالية ونقدية تتناغم مع الأهداف الاقتصادية للرأسمالية, إذ أن السياسات المالية والنقدية هي الأدوات التنفيذية للسياسة الاقتصادية.
6. عدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي, وما عليها إلا العمل في مجال الرقابة العامة والدفاع عن هذا النظام وحمايته وإصدار التشريعات التي تساهم في استمراره وتطبيق القوانين ضد من يتجاوز على هذا النظام ويطالب بتغييره.
7. عدم الاهتمام بالمسائل الاجتماعية التي تمس قوة العمل وسبل تجديدها وإعادة إنتاجها.
8. الالتزام بحرية حركة السوق وفعل قوانينه بالنسبة لرأس المال والعمل.
9. عدم تدخل الدولة في تحديد الأسعار أو الأجور أو ساعات العمل.
وتقدم لنا الدراسات الغنية للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر وبداية القرن العشرين صورة حية وواقعية عن حياة المجتمعات الرأسمالية المتقدمة حينذاك, وبشكل خاص الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا … وغيرها, حيث تجلى في بشاعة وبؤس حياة ومعيشة وشروط عمل الطبقة العاملة والكادحين من جهة والاستغلال البشع الذي كانت تمارسه الطبقة الرأسمالية التي كانت تجد الدعم والحماية من جانب الدولة والتي أطلق فلاديمير إيليچ إليانوف لينين على الحياة الفعلية وانقسام المجتمع البريطاني إلى مجتمعين أو إلى عالمين مختلفين, إلى طبقتين, عالم وطبقة الأغنياء مالكي وسائل الإنتاج, وعالم الكادحين الفقراء المنتجين للخيرات المادية والمالكين لقوة عملهم الفكرية والجسدية. وعلينا أن نتذكر الأسباب التي دعت العمال في الولايات المتحدة إعلان الإضراب في الولايات المتحدة في العام 1886 والذي أقر في الأممية الاشتراكية الثانية في العام 1889 باعتباره يوماً عالمياً لتوحيد لنضال الطبقة العاملة في سائر أرجاء العالم, وكيف جوبه نضال عمال أمريكا من جانب الشرطة وكاسري الإضرابات حينذاك. ويمكن العودة لكتابات ماركس وإنجلز, على سبيل المثال لا الحصر, للتعرف الدقيق على حياة عمال المصانع في بريطانيا, ومنها مانشستر, لنأخذ صورة حقيقية عن تلك الفترة.
لقد أدى تطبيق النظرية اللبرالية الكلاسيكية إلى تعميق الفقر وتوسيع قاعدته وتوسيع الفجوة الطبقية بين المنتجين والرأسماليين ولأنه أهمل كلية الجانب الاجتماعي ودور الدولة الاقتصادي الذي يفترض أن يسهم في تعديل الكثير من قوى السوق الحر, أو قوانين السوق الرأسمالية أو آلية حركة قوانين السوق الحر غير المقيدة, في حين يدعي آرثر لويس (1915-1991) أن العامل الاجتماعي لتعديل البرامج التي تهدف إلى تقليص الفقر وعدم المساواة يجب أن ينبع من السوق بدلاً من أن يأتي من خلال تدخل الدولة. وهذا هو الخط العام للبرالية الكلاسيكية.
إن فشل نظرية اللبرالية الكلاسيكية في مواجهة أزماتها الدورية وأزمتها العامة التي حصلت في فترة الكساد العظيم (1929-1932) قد دفع بمنظري السوق الحر أن يجروا تعديلات مهمة على بعض آليات وأدوات عمل الرأسمالية والتي بلورها بشكل خاص كينز, ولكن لم تستمر هذه الفترة طويلاً حتى عاد منظرو الرأسمالية إلى اللبرالية الكلاسيكية محاولين تجديدها بإضافات على النظرية وممارستها. ولعبت المنظمات المالية والنقدية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة الحرة دورها في هذا المجال من خلال سياساتها المالية والنقدية, سياسات الإقراض للدول النامية بفرض شروط اللبرالية الجديدة على هذه الدول ومنها برنامجها المشهور تحت عنوان “سياسة الإصلاح الاقتصادي والتكييف الهيكلي”, التي سنأتي على هذا البرنامج في حلقة لاحقة.
ولا بد من ملاحظة أن تطور وتطبيق هذه النظرية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين قد اقترن بالهيمنة الاستعمارية القاسية جداً لبعض الدول الاستعمارية على مناطق واسعة من بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وأجزاء من أوروبا والتي عانت من الاستغلال البشع لشعوبها واستثمار مواردها الأولية على حساب فقر وفاقة وتجويع هذه الشعوب. وخلال هذه الفترة أيضاً انفجرت الكثير من الثورات الاجتماعية ضد الرأسمالية وبقايا العاقات الإقطاعية وانتصرت ثورة أكتوبر 1917 الاشتراكية في روسيا القيصرية, كما فجرت الدول الاستعمارية الكثير من الحروب العالمية والإقليمية وبشكل خاص الحربين العالميتين الأولى والثانية لأهداف استعمارية استغلالية.
لا شك في أن العلاقات الإنتاجية الرأسمالية, وحاملها الطبقة البرجوازية, كانت الأداة التي أمكن بها التخلص من العلاقات الإنتاجية الإقطاعية ومن الطبقة الإقطاعية المالكة للأرض والفلاحين الأقنان, وهي خطوة كبيرة على طريق تقدم المجتمع البشري, رغم أن كلا العلاقتين الإنتاجيتين استغلاليتان.

4/2/2010 كاظم حبيب
انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية حول مفهوم اللبرالية الجديد’