الرئيسية » مدن كوردية » خانقين أيام زمان…

خانقين أيام زمان…

لا بد من زار مدينة خانقين قد وقف منبهراً بجمالها فأول ما يرى فيها هو نهر الوند الذي يظم عند أطرافه بساتين النخيل والحمضيات وعديد الفواكه الأخرى. كان هذا القضاء منذ غابر من الزمن وكأنه منتدى أحتضن بين جنباته وتخرج منه الكثير من الأطباء والأدباء والوزراء والسياسيين والفنانين والرياضيين والمبدعين المعروفين على مستوى العراق وعلى مر التاريخ.

يقول المثل الصيني رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة: فمدينة خانقين رغم صغرها قد ضمت الكثير من كبار عباقرة الطب المعروفين في عموم العراق الذين بدئوا خطوتهم الأولى فيها وهم لم يكونوا من سكنتها الأصليين. فشارع سينما الخضراء لم يصبه الزهايمر فهو لا يزال يتذكرهم ويشير بالسبابة الى عياداتهـم القديمـة، من أمثـال الدكتـور رمزي البرنو طي، والدكتور رمزي يوسف، والدكتور إبراهيم النائب، والدكتور كمال حسين، والدكتور علي عثمان كوره جي، وطبيب الأسنان الدكتور سمير وأطباء كثيرين آخرين عملوا جميعاً في مستشفى خانقين العام كل حسب اختصاصه، حيث تشهد لهم صالات العمليات الكبرى في المستشفى الهرم بكل الفخر والإباء.

كما وعمل في قسم التشريح (الطب العدلي)أطباء أكفـاء كانوا يقومـون بتشريــح جميع حالات الوفاة الناجمة عن الحوادث والجرائم المختلفة، وجدير بالذكر أن شعبة الطـب العدلي قلما تواجدت في مستشفيات أقضية العراق الأخرى.

من خانقين أيضاً برع مضمدين وجراحي أسنان وجراحي الكسور المعروف(بالطب العشائري) واستحقوا رضا وإعجاب الطب الحديث وأظهروا احترافهم في مهنتهم الجليلة، فمنهم المضمد نجم وغلام المضمد وستار المضمد وآغاجان المضمد وحامد المضمد اللذين كانوا يعدون لمدينة خانقين بمثابة أطباء يعيشون في ذاكرة أهل مدينتهم وكانوا عملوا مع أطباء انكليز في مستشفى مصفى الوند. فعندما كانوا يستقبلون المريض بدفء وحلو النطق الذي ينتظره المريض من الحكيم دائماً، فبطيبة ألفاظهم الايجابية كانوا يخففون عنه أعبـاء المرض، مما كان يوّلد لديـه الشعور بالتفاؤل وكأن الشفاء قد ضمنت على أيديهم.

ويستوجب علينا أيضاً أن نتذكر حكيم وجراح الأسنان المعروف بـ ( حبيب دكان كيش)الذي كان يعيد البسمة الى أفواه الكثير من أبناء المدينة ويزيل عنهم آلام الأسنان الشديدة في ليالي الشتـاء الطويلـة المملة، أو يزيل براثـن الأوجاع التي كانت تفسد عليهم هناء النوم في ليالي الصيف على سطح الدار، وتحرم عليهم نسمات الوند العليلة يعـدون ازدحام نجـوم السماء، وحتى ان حبات القرنفـل التي كانت الجدة تنتزعها من قلادة رقبتها، لـم تكن تساعـده على تسكين كابـوس آلامه لحين وضـوح النهار للإسراع الى جـراح خانقين الناجح (حبيب)رحمـه الله، الذي لازال يشغـل تقديراً في وجدان أبناء خانقين.

فمادمنا في الحديث عن مهنة الطب في خانقين، فلنتذكر المرحوم الجراح( خالو ميره وه ك )، فقد كان والله حكيماً نافس كل الحكماء، وفاقت خبرته واحترافه في علاج الكسور المعروف (بالطب العشائري)، حد التصور بين المتمرسين والاختصاصيين، وكانت معلومات جراحة العظام والكسور تحتشد بين راحة يديه دون الاستعانة بالصور الإشعاعية، مسترشداً بخبرته الطويلة في مجال مهنته الإنسانية، حيث كان يعتبر مدرسة تخرج منها أبنائه ( حسن ، وهادي )الذين كسبـوا رضاء والدهم بإتقانهم لمهنته الإنسانية من بعده، وبذالك كتبت لمهنة ( خالو ميره وه ك ) الخلود خدمة لأبناء مدينتنا الجميلة خانقين.
ونستذكر كذالك الجراح المرحوم (خالـو نامدار روسكة)الذي كان هو الآخر يؤدي دوراً نبيلاً في مجال الطب العشائري.

المعروف عن أهل خانقين هو أن مفهوم الحب بينهم كان ولا زال يترجم بشكله ومضمونه الصحيح الذي لا يقبل في جوهره أي تغيـر سلبي، لأن المحبة كاللغـة التي لا تترجم على هوى المترجمين ولا تقبل أية تأويلات معكوسة تخرجه عن النص الصريح، والدليل على ذالك هو أن سكان المدينة حافظوا ويحافظون على تماسكهم الوطيد رغم ما يمر به العراق من ظروف استثنائية مؤسفة.

فبعد سنين الإهمال للمدينة ومرافقها كافة تستعيد مستشفى خانقين عافيتها ثانية بهمة أطباء كفؤ من أهالي المدينة أو المدن الأخرى يستحقون كل الثناء والتقديـر لما يقدمونه من جـل الخدمات الإنسانية، منهم الدكتور عايد والدكتور كاويان والدكتور كامران والدكتور دلشاد وطبيب الأسنان الناجح الدكتور خالد وغيرهم من الأطبـاء. بعد أن تنفست المدينة الصعداء وعادت الى أهالها الأصليين وبهمة الأطباء المذكورين سلفاً بدأ مستشفى العام في خانقين يستعيد عافيته بإجراء العمليات الجراحية بكل أنواعها بنجاح باهر داخل المستشفى أو في مستشفيات أهلية أخرى رغم الإمكانيات المحدودة والأجهزة البسيطة، مما يبعث الأمل في نفوس الأهالي والمناطق المجاورة ويوفـر عليهم عناء أجراء تلك العمليات خارج المدينة.

وبما ان أرض خانقين هي امتداد وتواصل لأرض كردستان مهد الحضارات الإنسانية، فإن ما تنبت عليها من زهور وأعشـاب هي نفسها التي أستحضر منها الإنسان القديم قبل أكثر من مائة ألف عام على هذه الأرض الطيبة المباركة وعلى مر الأزمنة والعصـور والى يومنا هذا أنواعاً من الأدويـة الناجعة لأمراض مختلفة، فيجد المـرء شفائه التـام في أوراقها ورحيقها.

فلتذكر عطار الأعشاب الطبية المرحوم(ملا حمه)فقد كان دكانه فانوساً يضئ دكاكين( تاريكه بازار)(السوق المظلم)ولا زلنا نتذكر وصفاته الناجعة التي كانت تتشكل من مختلف الأعشاب البرية لأمراض عديدة، وكان لذة وحلاوة لسانه نابعة من الثقة بأدويته، التي كان يأتي بها من مختبر وصيدلية طبيعة أرض خانقين، ليعالج بها مراجعيه المرضى.

وأظن أن الكثيرين سمعوا بــ ( خالو محمد )الذي يتخذ من خانقيـن ومنذ زمن طويل موطناً ثانياً له، حيث أٍن ممارسته السابقة في تحضير الأدوية من أعشاب جبال( دالاهو )الشاهقة التي تعانق( جبال به مو )والتي تتوافر فيها الأعشاب بمختلف أشكالـها الوافيـة بالغـرض المطلوب, وتشكل بالنسبة لـه حافزاً للاستمرار فـي عملـه في تحضير الأدوية، فمن يطلب منه دواءً تراه يقرع له صدره بالإيجاب, وما تفاؤله إلا بما تضمنه له الأرض من أعشاب طبية ناجعة، وتراه لا يلاقي صعوبات عندما يهيم بوجهه في وسيع مروج خانقين، لتدارك معرفته في نوعية الأعشاب التي يترجاه في عمله، وصولاً الى مقاصده النبيلة في العثور على العلاج الشاف لمرضاه.

ويجدر ذكره أنه في السنوات الأخيرة بدأ علماء الطب في البلدان المتقدمة في استخدام الأعشاب الطبيعية في تحضير العديد من الأدوية، ومنها بوجه الخصوص أدويـة المضادات الحيوية التي تعالج الالتهابات البكتيريـة والفيروسية بشكل فعـال، ونظراً لأن أدوية الأعشاب الطبيعيـة لا تترك آثاراً جانبية سلبية على المعدة أو الكبد أو أجزاء أخرى من الجسم.

والآن عزيزي القارئ أليس من الصحيح أن نقول ….

جرعة من دواء أعشاب خانقين خير بألف مرة من علاج البنسلين ؟