الرئيسية » مقالات » باقة ورد على تمثال دوستويفسكي …

باقة ورد على تمثال دوستويفسكي …

باق في القلوب والعقول .. لا لم تمتْ ولم يسقط لك تمثال. مرت في 28 كانون الثاني ـ يناير ذكرى وفاتك، روحا رفرافا على الحقول العذراء على البؤساء على البشرية المعذبة ، نحييك رمزا طهرانيا للدفاع عن اوجاع الناس وعذاباتها ياأخا امميا لكل الأجناس ..
لماذا طاح تمثال لينين وطاحت مؤقتا قضيته ؟!!! ألأنه لم يوائم كما واءَمْت َ انت ؟… وهل لأنك لم تكن قانيا كسيف من نار بل شمعة تبدد الظلام بذبالة هادئة . ألأنك الأرض التي سارت على أديمها جيوش الفقراء والمحرومين ؟ اي انك كنت قاعدة الجبل وكان هو ـ القائد الثوري ـ قمة اللهيب ولهيب القمة ؟ أنى كانت طرائق التفكير كنت وستبقى انت بانوراما التغيير وفعله وحاضنته الى ابد الآبدين … يمر القادة لكن حقل الثقافة الحقيقية هو المنتج لهم وللعباقرة والأبطال .
نحييك يادوستويفسكي الخلود … يامن بدأت بك يفاعتنا وانتماءاتنا الى مسار الألم لا للدفاع عن ضرورة تخليده كما يتشهى ادباء الفوضى وفنانوه بل من اجل اقتلاعه من جذوره … ندرك ماهية مقولة فان كوخ : ” لن ينتهي الألم ! “ولكن لمن نلتقي ونتواجد بمحبة ؟ او نكتب ؟ أمن اجل تأبيد الطفلة نيللي في ” مهانون مذلولون” ؟ ام مقار ديوفشكين في ” المساكين ” ؟ أم سونيا في ” الجريمة والعقاب ” ؟ . لا الف لا سنعمل معا من اجل ابتسامة للبشرية ورغيف وأمان . من اجل رواية تكشف لا ابالية اخوتنا الأغنياء واستئثار الحكام بالقصور المسوّرة وخيانة تجار العفن وعهر مثقفي السلطات وجندرمة القتل وميليشيات السرقة ومافيات الرشوة … انت والعظماء من اضرابك غوغول ونيكراسوف وليرمنتوف ومكسيم غوركي واتماتوف وعشرات سواهم ممن كشفوا بأداتهم الروائية الجبارة كل اوجاع الناس الدامعة الأعين بينما يبتسم الإعلام والصحافة السلطوية رياءا ً ويصفق للهياكل الباهتة في الاحقاب .
دوستويفسكي العظيم : منذ اعوام شبابك الاولى وانت نبع للحياة المنيفة ، ومحط الإكبار والاعجاب ، هكذا تخطى اسمك عتبة المجد الاولى بقصة المساكين التي قال عنها وعنك الناقد بيلنسكي سنة 1846 ” المجد والشرف للشاعر الشاب الذي تحب آلهة وحيه سكان السقوف والأقبية وتقول عنهم لأصحاب القصور المذهبة : هؤلاء بشر أيضا ، هؤلاء اخوتكم ” .
انت في كل الأزمان والامكنة لأنك انعكاس لواقع حقيقي ، اديب في ارض الجماهير لا في فضاء الارستقراطية ، اديب محرض على التغيير وداعية الى العدالة. ونيافة اساطين الأدب تكمن بالانتماء الى معسكر البسطاء الفقراء المساكين الكسبة الكادحين الفلاحين العمال ، والعمل من اجل اسعادهم والدفاع عنهم وعدم التخاذل والتراجع كما فعل ويفعل المتعاونون الذين نجدهم كالأحذية التي تحتاجهم السلطة لمدح الرؤساء او الاحزاب الحاكمة . لقد علمتنا ان القيمة المثلى للاشخاص هو لا الركوع للمال انما اكبار الانسان والدفاع عن كرامته .
كان ادب كولن ولسن على سبيل المثال وفي منتصف القرن الماضي يدعو الى اللآانتماء ويؤثر على الشبيبة الواهنة عالميا او عربيا وكنا نتأثر بحدود مختلفة وبنماذج يرسمها كولن ولسن بدقة ومن اجل تخدير الشبيبة وتبرير العبث ولاجدوى الحياة فيورد امثلة عديدة لوليم لو ، ووايت هيد وغيرهم ممن لايضعون قدما على ارض هذه الحياة من دون ان يعرفوا كنهها فيقحمون شبيبتنا في الفلسفة السوداء لسورن كيركيجارد، وكل انواع التشاؤم ودعاته . بينما كان الفكر التقدمي لتشيخوف في عنبر رقم 6 يكافح ضد فكر الجنون بالتخلي عن آلام البشرية مادامت الحياة في نظر الفيلسوف المريض في الردهة لاتعني سوى ميكانيزم مكرور يبدأ من الغموض ويمضي الى الغموض . كان الأدب الروسي يجاهد من اجل التحول نحو الحياة : الاُم لمكسيم غوركي على سبيل المثال كنموذج ثوري روسي ورفيقه في النضال الفكري ماياكوفسكي الذي يكفيه شرفا وجماهيرية ان يقف خطيبا ليقول : ” ايها العمال زيدوا الانتاج .. “فاذا بالانتاج يزيد !!! وايرلنديا ً كان الأديب العظيم برناردشو يعمل من اجل اشتراكية الثقافة ؟ في سيدتي الجميلة لو نتذكر تحول إلآيزا ! ، وتركيّا ً كان ناظم حكمت يسخف المثالية في قصيدة دياكتيكية ساخرة ، وبلغاريّا كان فابتزاروف يعمل على محاربة التمايز الطبقي ،وجزائريا يتألق مفدي زكريا بالعشق الاوراسي والفداء الشعبي ، وعراقيّا ً يحنو الجواهري على جبهة الروح الوطنية ولبنانيا ً يتخلد ميخائيل نعيمة وجبران وايليا من اجل رفعة الروح المثالية للبشر . مئآت وآلاف من الادباء مع الحياة ومن اجل تغييرها وجعل سعاداتها مشاعة كالماء كالهواء كالنار كالكلأ .
ايها العظيم نحييك ونضع باقة ورد على قبرك في ذكرى وفاتك 1821/1/28 وننبؤك ان تمثالك الخالد الصلد في الزمان قد تحدى مهدمي التماثيل الذين انهالوا على تماثيل سواك بالمعاول . تمثال لينين طوّحوه وتمثالك باق ٍ ! .
ندرك يا ايها الأديب الكوني الجبار ان الثورة العاصفة لاتسلم من عواصف تلوي يدها وتلك سنة الحياة ونثق ان ازاء ثورة اكتوبر وتحولاتها ثورات مضادة تهدم تماثيل الفداء وتنكس الرايات الحمراء المرعبة للارستقراطية والبورجوازية والاقطاع والبروقراطية والقومانية والاقليموية والطائفية والشُللية الخ . لكن ايضا ندرك بان هذه الثمرة الانسانية المتجسدة في حياة العصور وتحولاتها انما كانت ثمرة على شجرة … والشجرة انتم يا ايها المعلم الكبير دوستويفسكي ورفاقك ، ولا ادل على ذلك من الروحية العظيمة لخطابك الموائم والذي صادف ان يكون في آخر ايام حياتك العاصفة آيار 1880: ” لاداعي الى العداوة بين دعاة الغرب وانصار السلافيين ، فماهذه العداوة الاّ سوء تفاهم يُؤسف له . ان روسيا مدعوة الى ان تنطق بالقول الفصل في انسجام البشر انسجاما شاملا واتفاق جميع الشعوب على صعيد الأخوة الانسانية … والقانون المسيحي .. ” .
باقة ورد على قبرك . وانحناءة اجلال امام معلم العصور .
*******
29/1/2010 .
ـ ولد ميخائيلوفتش دوستويفسكي بموسكو في 30 اكتوبر 1821 وتوفي بسان بطرسبورج في 28 يناير 1881 .