الرئيسية » مقالات » الصدى المجلجل.. في خلجات نعيم مهلهل

الصدى المجلجل.. في خلجات نعيم مهلهل

تقترن كلمة الاهوار في الاسماع العامة والقاموس الوطني العراقي بحملة الإبادة الجغرافية والتاريخية التي شنها نظام صدام الإستبدادي ضد مناطق الاهوار في القرنة والحمار والحويزة التي تتوسط ثلاث محافظات كبيرة هي البصرة والناصرية والعمارة ،الأمر الذي أدى الى إفناء أسباب العيش الآمن المتواصل منذ أزل التاريخ لما يقرب من ربع مليون إنسان بسيط وحرمانهم مما وهبتهم طبيعة أرضهم ومائهم من النعم ومصادر البقاء والسعادة وتآلفهم الساحر مع جواميسهم وطيورهم لا لسبب الا لأن الدكتاتور قرر ذلك بعد أن أشار عليه مستشاروه العسكريون والحزبيون بخطورة المنطقة (أمنيا).
في رحلة شاقة وشائقة في مكارم أهل الاهوار وتفاصيل معاناة التجلي لفردوس الحلم الأثيري وأمنيات البسطاء والفقراء وكل شرائح الأهواريين أؤلئك الذين أهدوا للعالم أساطير التخيل ومعجزة سفينة نوح والذين منهم وإليهم تنسب الرحلة الايمانية لسيدنا إبراهيم على نبينا وعليه أفضل التحية والسلام وكذلك مناجاة الصبر الأيوبي الضارب في الوجدان الإسلامي الأصيل ..يخوض الكاتب العراقي نعيم عبد مهلهل تلك السلسلة من المقالات الميثولوجية عن منطقة الاهوار نافضا الغبار عن أهم نقاط الإشعاع المعرفي في هذا المضمار ، الأمر الذي لم يبلغه كتاب (أهوارالعراق) الشهير لمؤلفـَيْه (إيما نيكلسون ) و(بيتر كلارك) الذي سلط النورـ بأدوات كتابة سياسية ـ على أهمية الأهوار من الناحية الجغرافية وكشف أبعاد الجريمة التي ارتكبها نظام صدام حسين ضد البيئة والطبيعة ،ومن ثم الانسان ساكن هذه البيئة وهذه الطبيعة والإبادة التي تعرض لها في تلك الحملة الظالمة. لكن كتاب (الأهوار .. من طوفان نوح عليه السلام الى قهوة المضائف) إستطاع بيراع مؤلفه الميثولوجي والروائي والشاعر السومري المبدع الاستاذ نعيم عبد مهلهل أن يسبر الحيـّز الآخر من غور التأريخ الاهواري الذي كشفت عنه وسائل الثراء المعرفي الرئيسة التي أتت بما لم تأت به الكتب السماوية، حيث أرشفت الأخيرة لحياة الانبياء والرسل وحيثيات نهوضهم برسالة التطور الكوني للخلق والخليقة بينما ظلت الألواح والرُقُم أشد تعبيرا وأصفى تفصيلا لتشييد منهج قرائي واضح عن حياة الإنسان السومري وما قبله من حيث واقعه الروحي والعبادي.
حين يتمرى الكاتب في ألواح الطين القديم يرى بوضوح صورة الإجتهاد المتميز للإنسان العراقي القديم ويستنهض من كتاباته الملـغـّزة والمطلسمة آيات التعلق بالأرض والرافدين حتى تتكون في مخيـّلته تفاصيل المشهد الذي صنع من تأريخ سومر وحران صندوق الحضارة العراقية التي هي حضارة الطين والقصب والماء.
نعيم عبد مهلهل أول كاتب عراقي يراقب بهذه الدقة حركة إنتصاب القصب وأهتزازاته في هور يترنح تحت ثقل أكداس الاساطير المتولدة من مخيلة إنسان المنطقة أو من مخيلات أناس من بلدان مجاورة من خلال منظور شامل لموضوعة الأسطورة ويتداخل مع المعلومة التأريخية تداخلا حميما وكأنه صانع حي لتلك الاساطير ، لكنه مسبوق قطعا بكتابات وشهادات عن إنسان المنطقة وتكوينها الديني التي ذكرها ماكس كالفن وثيسكر والليدي دوورا من علماء ومستشرقي الغرب وبخاصة فيما يدور حول حياة الصابئة المندائيين والعجائب والأساطير التي يزخر بها مكانهم وطريقة تعاطيهم مع القيم المادية والروحية التي جاءت بعض اشاراتها في كتابهم المقدس “الكنزا ربا ” أو ما جادت به أخيلة التصور الفنطازي من أسباب التعلق بالعلو الفردوسي. ولم تكن تلك المعطيات ببعيدة عن خلفياتها الواقعية المتمثلة في الجداريات والحفريات والمتحجرات الموروثة عن ذلك العالم السحري والتي قرا فيها الكاتب مفردات صريحة عن مكونات حياة الكائن الهوري من الإنسان والحيوان على السواء.
إشتغل الكاتب على موضوعة الماء في كثير من ضمنيات بحثه عن الأهوار الذي جاء بفصول هي بالاصل مجموعة مقالات جمعها محور واحد .الماء الذي منه تكوّن كل شئ حي ، وفيه عاشت الطيور والجواميس ومنه تركبت عظمة الطين ومداليله التكوينية المبدعة وأخيرا الماء الذي يتعمد فيه الصابئة المندائيون .. الماء الذي تشاطأت في تخوم أهواره أعظم ممالك الشرق المسحور ، فيحثما كانت سومر كانت جارتها مملكة ميسان التي يقول الكاتب عنها أن الملك المقدوني الإسكندر حلم مرة ان يدك غرورها بسنابك خيله ومنها يستطيع أن يكسر جبروت جيوش كورش فارس، لكن المنية مسكته من رقبته في بابل ، وظل قادته من بعده يحلمون بميسان ، لكنها أبت أن تكون كثمرة كمثرى في فم مشتهيها.
لقد حبل الكتاب بخزين معلوماتي ثرّ وتضافرت في رص مدخراته مجموعة من الاشارات الأكاديمية لأسماء كتب ومؤلفين ،ولائحة بالجهود الثقافية الأجنبية والعراقية على مستوى المنظمات وعلى مستوى الدولة العراقية الحديثة كما جند الكاتب خزين ذاكرته الشخصية من مكنونات ملف خدمته العسكرية في المنطقة لكي يسلط أكشف الاضواء على تفاصيل الحياة الخاصة بالإنسان الهوري ومعتقداته وتقاليده وطرائق تعبيره عن فرحه وترحه وغنائه وفقره وتوفيقيته وترفـّعه.إن ما أصاب الأهوار والكائن الهوري من قلة الرزق وجفاف الريق ورطوبة الموق بسبب السياسات الخاطئة للنظام السابق استرعت من الكاتب أن يتلفع بعباءة عشقه للهور ويشمر عن ساعد الجد ليكتب المقالات التي نشرتها صحيفة الزمان كفصول من كتاب، ويصدر مجلة الاهوار التي كانت تطبع في دمشق وتوزع في العراق بدعم من وزير الموارد المائية العراقي، و يطبع الكتب المتخصصة في هذا الكشف الدلالي الفريد من نوعه لعالم ساحر أُريد له مؤخرا أن يصبح فصلا تراجيديا من دراما العطش والتهميش والإلغاء الحضري كي يتمتع الطغاة بمنظر سمكة تتلوىمن شدة القيض وفناء الهواء المذاب بالماء وجاموسة لم يبق منها سوى أضلاع متهدلة من عمود فقري مقعروطيور أعادت النظر في غريزة الهجرة والهجرة المعاكسة الى إجل غير مسمى.

ناصرية دورتموند
17/12/2009