الرئيسية » مقالات » مهازل عراقية و(صداميات) لا تنتهي ! 1-2 و 2-2

مهازل عراقية و(صداميات) لا تنتهي ! 1-2 و 2-2

عوقب الكيماوي بحق، كما عوقب من قبله صدام [* ] ذهبا غير مأسوف عليهما وذهب إلى غير رجعة نظامهما الدموي الطغياني، وارتاحت في قبورها المعروفة والمجهولة أرواح ضحاياهما، وهم لا يعدون ولا يحصرون.

لا داعي لتكرار الحديث عن جرائم أمس، وتكرار الحديث، لأن أي عراقي لا يجهلها ولا يمكن أن ينساها – وذلك أيا كان مذهبه وقوميته واتجاهاته. وعندما أقام الألمان والإيطاليون واليابانيون أنظمة جديدة على أنقاض الفاشية المهزومة، فإنهم لم يكونوا يتلون على مسامع الشعب والعالم كل يوم، وكل ساعة، أهوال أمس، التي شملت المعمورة كلها لا بلدانهم وحسب. لقد انصرفوا للبناء والتنمية ورفع مستوى الشعب، مستفيدين استفادة تامة لصالح الشعب من مشروع مارشال وغيره من أنواع المساعدات الأميركية والغربية الأخرى. لقد استثمرت قياداتهم الجديدة أموال المساعدات الهائلة لا لملأ أرصدتهم في بنوك الخارج، بل لإعادة التعمير، والنهوض بالخدمات، وتوفير العمل للمواطنين، ولإعادة تثقيف النشء الجديد، وكل الشعب، بقيم التسامح والديمقراطية ومعاداة التمييز بكل أشكاله.

أما في العراق، فقد ذهب الماضي الصدامي البغيض، وكان المطلوب ألا يعاد استنساخ أساليبه وسياساته في وضع جديد وبإخراج جديد. لكن هذا هو ما يحدث مع الأسف. فالقيادات العراقية بعد صدام لم تبرهن على أهلية لحكم العراق ديمقراطيا، ولم تستطع، أو لم يرد كثير منهم، الانصراف إلى إعادة بناء العراق الجديد، واستعادة لحمة الشعب وتماسكه الوطني اللذين زعزعتهما سياسات النظام الفاشي المنهار.

الصدامية المستنسخة تثرثر باسم الديمقراطية لاغتيال كل خطوة نحوها، وتمزق الشعب بالنعرات الطائفية والعرقية. إنها في نهب المال العام وترك أكثرية الشعب في حالة بؤس أو ما يقرب. إنها في الثأر من ظلم بممارسة ظلم مقابل. إنها في التعامل مع عهد ما بعد صدام بنهم وجشع النهب وتكديس الثروات والامتيازات، وبعقلية اقتسم الغنيمة. والصداميون الجدد هم من يمارسون سياسة الاحتكار والإستئصال.

أجل، إذا كانت مآسي عهد صدام لا تنتهي، فإن مهازل اليوم هي الأخرى لا تنتهي، وهي، في الوقت نفسه، مآسي يعاني منها الشعب والبلاد، وحيث أن كثرة من ممارسات صدام، كما قلنا، يعاد إنتاجها في الوضع الجديد، فلا تعود الشقشقة المستمرة عن جرائم بعث صدام، ولا التذكير، كل لحظة، بتلك الجرائم- وكأن أحدا قد نسيها – غير ذر للماد في العيون، ومناورة لستر ما يجري في عراق اليوم من فشل تام في كل الميادين، ومن شحن الأجواء، وتأجيج البغضاء والطائفية وعقد الماضي، ومن صراعات على الكراسي لا يحافظون فيها على الحد الأدنى من أصول العمل السياسي، وقواعد الديمقراطية، بل هو التكسير وتصفية الحسابات- هذا ناهيكم عن الاسترخاء، أو الصمت، أو الرضا، عن تدخل القوى الإقليمية، خصوصا نظام الفقيه..

حين نتحدث عن المهازل، فآخرها مبارزة السيد علي اللامي مع بترايوس!! وهي موضوع المقال التالي.

خاص بعراق الغد- 31 كانون الثاني 010

مهازل و”صداميات” لا تنتهي (2-3)
عزيز الحاج
من أية مهزلة نبدأ؟! من البرلمان العتيد، الذي لم يصادق على ميزانية الدولة إلا في الأيام الأخيرة، والذي يغيب أعضاء فيه لأنهم غير مرشحين، والذي يضم صدريين، زعيمهم متهم بالتحريض على القتل منذ 10 نيسان 2003، والذي يحج أعضاؤه بأموال الشعب. برلمان يقف فيه السيد جلال الصغير متهما من يشرب الخمر بالتأمر على الإسلام لصالح الموساد- ألخ..؟! أم بتحويل المحافظات إلى إمارات مستقلة، كالبصرة والنجف وواسط وغيرها، وإصدار أوامر قرة قوشية كإطلاق اللحى، وفرض الحجاب، والرقابة على المطبوعات، وإنذار من يعتبرهم المحافظ بعثيين بترك المدينة، تاركين عائلاتهم وراءهم، أو توزيع صور من استثنوا اعتباطا من الانتخابات والتشهير بهم علنا، كنوع من التحريض على العنف، أو السماح بقصف القنصلية الأميركية برغم الاتفاقية الأمنية، ….ألخ؟؟
أم نبدأ باستخدام المناسبات الدينية للمزايدة والكسب الانتخابي، وحشد ربع مليون عسكري وأمني في كل مناسبة، وصرف 200 مليون دولار من أموال الدولة للمناسبة، بدلا من توزيعها على الأرامل وحاجات اليتامى، وهو الأقرب لترضية روح الإمام الشهيد بدلا من دق السلاسل والأبواق، ومن السماح لعشرات الآلاف من الإيرانيين بدخول العراق بلا تدقيق، مع أنه قد ثبت أن فيلق القدس يستغل هذه المناسبات لإرسال المزيد من عناصره للبقاء والتخريب في العراق؟
أم أية مهازل أخرى، تندرج في باب المآسي والمحن؟
أما آخر مهزلة عراقية، بعد مهزلة قوائم الإقصاء، أو “الاستئصال” على حد تعبير الدكتور الجلبي، وما يرتبط بها، فهي صولة السيد علي اللامي بسيفه الخشبي، مهددا الجنرال بترايوس بالويل والثبور لأنه أبدى الدهشة من اختراق بعض من لهم علاقة بفيلق القدس السليماني لهيئة المساءلة، قاصدا اللامي بالضبط دون ذكر اسمه. نعم، الهيئة تقرر تشكيلها بقرار حكومي وبموافقة البرلمان، ولكن الحكومة لم تعرض عليه قوام أعضاء التشكيلة لاعتمادها، ومن ثم، فإن القرارات لم تصدر إلا عن مدير الهيئة وحده، ومن وراءه في الكواليس! ـ علما بأن صحيفة نيويورك تايمز تزعم أن الدكتور الجلبي هو من وراء كل اللعبة لأسباب انتخابية، وهو زعم لا نعرف مدى دقته. اللامي رد على تنويه بترايوس بالويل والثبور واتهام الجنرال الأميركي بالبعثية – لا غير!!! بترايوس لم يهاجم الهيئة لتقوم حكومة المالكي بدورها ب”فزعة”، ( نصرة)، لللامي والرد الصاخب على بترايوس، فالأخير إنما استغرب كيف أن الهيئة اخترقت من فيلق القدس، قاصدا شخصا بالذات.
إن بترايوس، بمنصبه، وبما لديه من وثائق ومعلومات، ما كان يمكن أن يلقي اتهامه جزافا، والادعاء بأن ذنب اللامي عند بترايوس هو رفض إجباره على الاعتراف بعلاقة الجلبي بفيلق القدس، ليس غير مهزلة أخرى في بطن مهزلة. ذلك أننا لم نسمع عن أية حالات أخرى استعملت فيها أميركا الضغوط لإجبار أحد على الاعتراف ضد غيره بتهمة معينة يحددونها له . بترايوس ومن معه، وكما نعرف، ليسوا من خريجي مدرسة صدام أو معهد من أعقبوه. فالقصة وما فيها أن بترايوس كان يلمح لاعتقال اللامي، دون ذكر اسمه، عام 2008 على أيدي القوات الأميركية بتهمة أعلن عنها في حينه المستشار الإعلامي للقوات المتعددة الجنسيات في العراق. هذه التهمة هي، كما قال، أن الموما إليه :
” قائد بارز للمجاميع الخاصة، المدعومة من إيران، واتهم بالتورط في عملية تفجير المركز الاستشاري الأمني الأميركي – العراقي في مدينة الصدر”،( الثورة). وكان عدد الضحايا 4 أميركيين و6 عراقيين. فأين من هذا من قصة المطالبة بالاعتراف على الدكتور الجلبي؟!! مهما يكن، فبعد عام، أطلقت القوات الأميركية سراحه مع غيره ولكن دون أن تعلن عن براءته، فسارع المالكي لتعيينه مديرا للمساءلة، واضعا مصير العملية الانتخابية بين يديه!!
السيد اللامي يرعد ويزبد ويهدد، متهما الأميركيين بالتعاون مع البعث، وبأنهم يريدون عودة نظامه!! عجبا لهذه الجرأة! أميركا هي التي أسقطت نظام بعث صدام بتضحيات أبنائها، ومعها تضحيات القوات متعددة الجنسيات. وبفضل أميركا، صعدت الأحزاب الحاكمة اليوم للسلطة، ووجد اللامي له منصبا تعمدوا اختياره له لمحاربة المنافسين والمعارضين، لاسيما من العلمانيين من شيعة وسنة، في الانتخابات. ولم نسمع للسيد المذكور، ولا للجلبي، صوتا ضد احتلال إيران في فكة، ولا لمطالبتها بمدن عراقية، ولا لقطع المياه عن العراق.
ومع مناورة استبعاد عدد من قائمة رئيس الوزراء، فقد تبين اليوم أن أولئك المرشحين قد عادوا واستثنوهم من الاستثناء، خلافا لاستبعاد 72 من قائمة اياد علاوي. وهنا لا نحكم على الأشخاص، فنحن لا نعرفهم، ولكن فقط لتبيان دور التحيز والمنافسة في القرارات المتوترة، التي تسهم في تعكير جو هو عكر أصلا.
لقد تدخل الجانب الأميركي مرارا لصالح أمن العراق والوئام. تدخل، ولا يزال يتدخل، لحل المشكلات بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان. وبفضل تدخل الجانب الأميركي قامت الصحوات، التي لعبت دورا فريدا في محاربة القاعدة واستتباب الأمن في غرب العراق- هذه الصحوات التي جافاها المالكي في البداية، ثم ضم بضع مئات من أفرادها للوظائف، ولكنه راح منقلبا عليها، مع المليشيات، انقلابا غير معلن وتدريجيا، وباعتقالات جماعية ما بين فترة لأخرى، مستغلا وقوع بعض كوادر صحوات بغداد في عمليات لها علاقة بالإرهاب. وجاء بايدن مؤخرا لغرض حث القيادات العراقية على إيجاد حل معقول لقوائم الاستثناءات، وكان دبلوماسيا ولبقا مؤدبا، ولم يتصرف كعلي لاريجاني ومتقي بحثهما علنا أطراف “البيت الشيعي” على لملمة الإتلاف الطائفي العتيد، ولا كتصرف خامنئي حين طلب من القادة العراقيين اعتماد دستور إسلامي. والأدهى، أن أوساطا حكومية راحت تبث للصحافة العربية معلومات مفبركة عن وجود خطة انقلابية عسكرية ضد الحكومة بعلم وموافقة من أميركا!!!
أخطاء أميركا ليست في سعيها الدبلوماسي الودي من أجل إشراك أكبر عدد من العراقيين في العملية السياسية وتقوية جبهة المعتدلين في الساحة السياسية، ممن يريدون خيرا للعراق ولا يعارضون العمل البرلماني السلمي.
أخطاء أميركا هي في تخطيطها المتعثر لما بعد صدام، وثقتها اللامتناهية بالأحزاب الشيعية، وانصياعها لضغوط القيادات العراقية حال سقوط صدام، كالإسراع بوضع جدول زمني مرتجل لتسليم السلطة والانتخابات. وهي أخطأت، وتخطئ، في وصف العملية السياسية الراهنة بالديمقراطية، والإشادة بها في كل مناسبة، و ومدح السيد المالكي كل يوم. وحين كان بوش يكيل الثناء للسيد المالكي، لم تكن هناك مشكلة بالنسبة لهذا الأخير، ولكن، ما أن انتقد بوش مرة، في عام 2008، رئيس وزرائنا، حتى انتفض هذا في تصريح متشنج، عقبنا عليه بمقال عنوانه: “المالكي يبارز بوش”. وأما زمن إدارة أوباما، فإن رخاوتها مع النظام الإيراني على مدى عام كامل قد شجع هذا النظام على مزيد من التدخل في الشأن العراقي وفي المنطقة.
خاص بعراق الغد – 2 شباط 2009