الرئيسية » مقالات » الوقوف عند مملكة الحزن ..

الوقوف عند مملكة الحزن ..

مملكة القهر تـعد ّت كل الحدود .. مضت مثل الغيوم .. مع غربة الحزن والصمت .. ثكلى مع لغة الحروف .. مكان ينسينا عذاب الروح .. ذكريات جرح يصرخ في أعماق القلب .. معاناة قلم يتناثر حبره بين جنبات العمر .. ليغسل كل الهموم .. ويعلن عن ولادة كلمة تكتب بلغة الصدق .. قوقعة تجسـّد أنطواء الأنسان داخل المكان في الزوايا والأركان …
يقف الشاعر ” ئاوات حسن أمين ” أمام أدواته المعقدة العديدة ليحقق عبر عملية الخلق الفني الشكل الشعري الملائم لتجربته …

الحكاية الشعرية هي من الأشكال الجديدة التي تمكنت ان تقدم حصادا ً طيـبا ً وناضجا ً يبشر بحركة انبعاث واسعة لهذا النمط الشعري الذي بمستطاعه ان يغني القصيدة الحديثة وان يمنحها أبعادا ً وآفاقا ً وقدرات تعبيرية كبيرة تضعها في مرحلة تطورية جديدة …

والقصص الشعبي قبل كل شيئ فن أدبي يعيش على آلسنة الرواة .. يقول مكسيم غوركي عملاق القصة الروسي :
” كل أنتاج فني لفنان عظيم هو في نفس الوقت صدى لثقافة الشعب كله ” …

ان القصة الشعبية لا تنمو بفكرة طارئة وانما هي تراكمات خصائص الفرد والبيئة ..
ان معرفة دور القاص الفرد في القصص الشعبي أمر جد عسير خاصة ان أكثر هذا الشكل الأدبي أصالة ما يجمع مباشرة من شفاه الرواة …

يروي راوي حكاية كردية قديمة تدور حول عشق صادق بين الفتى ” فرهاد ” والفتاة
” شيرين ” وتكون النهاية مأساوية بأنتحار الفتى ” فرهاد ” …
وهذه القصة التراجيديا ليست من وحي الخيال .. وهي بالفعل حدثت على أرض الواقع وآثارها شاخصة لمن يريد الأطلاع عليها في منطقة ” بيستون ” …

عندما ترحل الحروف على ضفاف القلب يضيف لوعة .. عندها يعلن الكلام الصمت مع نهاية اللقاء .. ويمضي قصيا ً محملا ً بالآلام التي سيسقيها للزمن بطعم المنون بحزنه وآساه .. وتبقى شيرين كمن أضلت الطريق .. تضحك وتبكي .. وتبحث عن مخرج بين أسوار الذكريات …

هكذا أشك
في أن – شيرين – التي خيمت بالأمس
على ضفاف قلبي
وكانت تضحك
وتبكي
كانت تهزأ بصوت احتراقي
في دوائر الثلج

الصورة الشعرية هي بروز متوثب ومفاجئ على سطح النفس ..
يقول ” غاستون باشلار ” :
” الى الآن لم تدرس الصورة الشعرية بشكل ٍ واف ٍ الأسباب النفسية الثانوية لهذا البروز المفاجئ ” …
اننا نطلب من قارئ الشعر الا ّ يعتبر الصورة الشعرية كشيئ أو بديلا ً عن شيئ ,بل ان يقتنص حقيقة خصوصيتها .. ان الروح والعقل لا غنى عنها لدراسة ظاهرة الصورة الشعرية في أدق ظلالها …
في حالة الأسترخاء الشعري يستريح العقل لكن الروح يقظة دون توتر , هادئة ونشطة .. كتب بيير- جان جاف ” الشعر روح تفتتح شكلا ً ” …
الشكل معروفا ً ومكتشفا ً من قبل .. صيغ َ من مكونات مبتذلة قبل ان يضيئه نور الشعر الداخلي , فأنه يظل موضوعا ً من موضوعات العقل .. ولكن الروح تأتي وتفتتح الشكل .. وتقطنه وتستمتع به …
من هذا يقال بأن ” لا شعر دون خلق مطلق ” ..

فالشاعر ” ئاوات حسن أمين ” لا يبتدع أسلوب حياته بل يعيش في الأسلوب الذي يبدع به ..
وكما يقول ” لقمان محمود ” :
” المتابع للمشهد الشعري في كردستان , سيلاحظ ان التجربة الشعرية الكردية لها تراثها وعمقها .. وسيجد ان هذه التجارب لها مساهماتها في تعزيز القصيدة الكردية كما عند الشاعر ئاوات حسن أمين ” …

طال الأنتظار والوقوف على عتبات الزمن .. ويظل الحلم الهاجس الذي يعطي الأمل باللقاء .. تحملنا الغيوم وتسير بنا الى عالم مجهول .. مع قلب يغرق في بحر المشاعر والحنين .. تعب َ من البعد والهجران .. وينتظر كل ليلة أطلالة وجه الحبيبة مع سواد الليل حتى لا يكون شبح الموت أنيس وحدته …

لا تتركيني , كي لا أتعفن
في هذا الليل الخريفي
وكي لا أسقط آخر أوراق
الذكرى
لا تتركيني , كي لا يصبح
شبح الموت في ليل وحدتي
أنيس قصيدتي اليتيمة ..

تبقى الحروف بلا مكان .. ويعجز اللسان عن الوصف والكلام .. عندما تتحسس يديك الناعمتان بكل دفء وحنان .. مع قـُبلة مباركة على الخد .. تتناثر العبارات وتغرق العيون في بحر الدموع عندما يتحسر على ذكريات الطفولة .. هي شمس الحياة التي تضئ الظلام .. لن تكفي السطور في وصف الأم .. كما قال شكسبير ” ليس في العالم وسادة أنعم من حضن الأم ” …

أماه , أماه
أتحسر على ذكريات طفولتي
التي خلت
كم أتمنى أن تعود
لكن هيهات !
لذا أصيح : آه .. لطفولتي الفانية .. !

حسين مردان شاعرا ً واديبا ً .. وكما يقال عنه ” شاعر فطري ذو مخيلة متفتحة لكل ما هو جديد ” .. عذاباته تلاحقه .. أجاد الشعر كما أجاد النثر الشعري .. ومقولته :
” لن أحترم العالم ما دام هناك طفل واحد منكسر العينيين ” …
أ ُطلق عليه شاعر التشرد والكبرياء .. عاش بسيطا ً وفقيرا ً .. عاشق للحرف حتى الثمالة .. أمتطى صهوة الموت بأستسلام دون ضوضاء …

سنبلة في حديقة العشق بارزة
أوتار قيثارة تعزف عليها فتاة بابلية
نهـر .. صـاف ٍ ..
يجري في أروقة الوجود
عاش .. بساطة أهل الهوى
مزهوا ً بكبريائهـم

في متاهات الحياة جوع وعطش .. عالم لا يعرف الرحمة .. لكن قلبها يشع نورا ً .. وقمرا ً يضئ سماء أطفالها .. تنظر اليهم بصمت .. وتراهم يرحلون بين لفتات العيون .. بؤس وألم كل مساء .. تعب وسهر ومعاناة .. وتبقى دفء الحياة بأكملها .. تتقاسم الخبز بكل رحمة وحب وحنان …

كل ما تملكه
قطعة خبز فقط
تحملها على كاهلها
قسمتها أربعا ً
فوزعتها على صغارها الأربعة وجلست هي
تنظر اليهم
تلك الرحـيمـة .. !

تضيق بنا الدنيا ونصبح كالغرباء .. في زمن كله جراحات .. نواعير الموت على جدران العشق تدور فوق مياه النهر الحزين .. تحمل رائحة الموت بعد ان توقفت دواليبها عن الدوران .. لتعلن نهاية أمانينا .. لأن السم في ضمائرنا .. ويبقى الزمن يحمـّلنا الهموم .. ونمشي في دروب الليل نقاسي الآلام …

ما هذا العصر المشؤوم عزيزتي ..
ناعورة العمر تدور وتدور
عوضا ً من أن تدفع الماء
تدفع سموما ً الى حقول أمانينا .. !

كل شيئ حولنا يضيق .. وكل شيئ يمضي الى طريقه .. رحل بعيدا ً الى عالمه المنعزل .. يبحث عن من يمسح حزنه .. يسير في طرق المجهول وحيدا ًأكثر من الوحدة.. وحزيناً أكثر من كل حزن .. يحلم بالأستقرار بعد ان طال الأنتظار …

هذه مملكتي انا
ان شئت أن تعرف عنواني
ما وراء الغابات الأستوائية الكثيفة
في مكان منعزل

ماتت الكلمات .. دخلت الأحزان الى القلب .. يقف وحيدا ً في مهب الريح ..ينظر بعيدا ً نحو الأفق .. يعانق الصمت .. ينصت الى همسات المطر .. يطوي الخطى عبر الشوارع .. يتأمل الأشجار التي تمسح كل الدموع .. يتألم في اعماقه .. تمر عليه لواعج الليالي .. وتصون العصافير اسراره …

لا أعرف لم لا يفهمونني
الشوارع تنصت الي
الأشجار تمسح دموعي
العصافير تصون أسراري
ولكن الأقربين مني , هنا ..
لا يفهمونني !

عشنا في مملكة الحزن .. دخلنا من بوابة قلب الشاعر ئاوات حسن أمين .. آلامه لا تنتهي .. نزيف الجرح مستمر .. محكوما ً بالرحيل .. يهرب من قسوة غربة الوطن .. وعندما يحين مخاض الشعر يغوص في أعماق البحر بحثا عن مملكته الدافئة ذات الضفاف الذهبية .. ويتجرع بحرا ً من الدموع .. يوما ً بعد يوم .. لتنهي شهرزاد الحكاية …