الرئيسية » مقالات » الإمبراطور العاري وبذلته الجديدة …

الإمبراطور العاري وبذلته الجديدة …

” استئذانا من الأديب الدانماركي الخالد هينس كريستيان اندرسون لإستعارة قصته ـ ملابس الامبراطور الجديدة ـ والعزف عليها رمزيا ً ! فهي تتوازى مع سيرة حياة مناكيد لايقلون صفاقة ً عن امبراطوره البليد ” ..

المال الكثير الذي ينفقه الامبراطور ليس من اجل اليتامى والعراة والحفاة بل من اجل الرفاه الشخصي ومراكمة المقتنيات ” وإياكَ أعني واستمع ياجاري ” ، انه كغيره من الكثير من الرؤساء يتأنقون ويقتنون الملابس النفيسة . ان امبراطورنا والحالة هذه عرضة للاحتيال ، فالاحتيال يحيط بموقعه السامي فيما اذا كان هو : ” ملكا خليفة ً وزيرا مديرا رئيسا لايهم انه امبراطور فوق رؤوس المساكين ” . والقصة تبدأ بشخصين محتالين يطرقان بابه مدعيين بانهما من امهر الخياطين وبانهما قادران على الحياكة البارعة! وهنا نفتح قوس : ” اغلب المرتزقة وعبيد المال هم من المتكوّرين كالذباب على الدبق والمتراكمين على باب السلطان من محتالين ومشعوذين ” . بعد لقاء السلطان بهما والاتفاق على البدء بالعمل أمرهما بملء خزنة كاملة من الثياب مقابل مبلغ من المال . اذن التقى مارقان .

عندما زارهما الامبراطور رآهما يعملان بجدية ونشاط اذ كانا يقومان بحركات تمثيلية على نول الحياكة ويوهمانه بانهما يمسكان بالخيوط واطراف الثوب السحري الجميل . لم ير الامبراطور شيئا على الاطلاق سوى نشاطهما المجرد !!! بل حرص على عدم اظهار عجزه في مشاهدة ما يقومان به من حركات وبالتالي رد عليهما بالايجاب عندما قالا له الآ ترى كم بديعة هذه الثياب ياصاحب الجلالة ؟ قال كيف لا أرى !!!!

كل الأباطرة والملوك والرؤساء يرون ويعرفون ويفقهون ويدركون الاسرار وقراءة علوم العالمـَيْن القديم والجديد فهم يجيبون على كل الأسئلة ويعرفونها وهي طائرة واحيانا قبل ان تطير .

ظل الامبراطور في حالة شك من ذكائه اي غبائه فارسل من يؤكد خطل بصره وعماه بل بلادته ارسل بعضا من كبار حاشيته الجبناء والمحتالين ايضا والخائفين على مناصبهم من الوزراء خاصة ً ليروا الملابس التي ليس لها وجود . عادوا اليه ليمتدحوا مارأى … وهل يقوى أحدهم ان يقول له بأنك لم ترَ .

عندما اُعدت الملابس حُددت مناسبة لإرتدائها امام النخبة فاذا بهم يطلقون صرخات الاعجاب خاصة عندما خلع الامبراطور ملابسه القديمة ليرتدي هذه الملابس الوهمية التي لايراها احد ويدعي انه معجب بها وبقماشتها وبطريقة خياطتها الابداعية الساحرة . وعندها خرج الامبراطور الى الجماهير الحاشدة قبالة قصره والتي جاءت لتحتفي بالملابس الجديدة .ويالها من جماهير تصفق لكل امبراطور وكل انقلاب وكل حركة سياسية وعلى طريقة من يتزوج امي يصبح عمي ! انها جماهير مسؤولة عما يؤَلـَه من اصنام وعن خنوعها للدعاة وتبعيتها للمشعوذين وايمانها بأبي الودِع وام المـَس وام المراية وقارئة الفنجان وفتاح الفال والخيرة الخ من ترهات الأزمان …هذه الجماهير هي التي تقول نعم للوهم !لأنها قلما تؤمن بالتفسير والاستنتاج او بالتحليل العلمي والمختبري او بالحقيقة والواقع اوبأكاديمية الفنون او بالعلوم او بالكتب او الجرائد او المجلات او المسرح او السينما او الانتخابات النزيهة او الوسائل العلمية لتبيان الصدق ، لا يؤمن أغلبها بأي شيء عندما يتعلق الأمر بمن يرمي لها قطعة من خبز … لقد سحقها الجهل والجوع . هذه الجماهير يحكمها الامبراطور وكل مايقوله هو صحيح بل منزّل . أما الشاعرالمرتزق ابو الشمقمق فقد انبرى لتحية الامبراطور العاري الذي سار مبتسما لتحية الجماهير حياه ببيت من الشعر لاشبيه له : ” الناس تحتك اقدام وانت لهم …رأسٌ وهل يتساوى الرأس والقدمُ ” ..قال آخر ممجدا جبروته : ” وأخفت اهل الشرك حتى انه …. لتخافك النطف التي لم تـُخلَـقِ ِ ” وقد بادره الآخر بالإستئلاه ! والنبوة : ” ماشئت َ لا ماشاءت الأقدار ُ ….فاحكم فأنت الواحد القهّار ُ ” … ” فكأنما انت النبي محمد ٌ … وكأنما أنصارك الأنصار ُ ” . وكان هناك اديب يعتاش من قلمه اديب وسخ قالوا عنه لو ان مومسا اصدرت مجلة فهو من اجل المكافأة اول من يكتب فيها عن محاسن العهر ، هذا الأديب الذي اقصى طموحه ان يصبح نائبا قد انبرى الى مدح القائد عفوا الامبراطور يمدحه كل يوم في جريدة السلطة وفي عموده المعروف باسم من مال الله والسخي حبيب الله ، . اما مداح القمر فقد طرزوا قصيدته على ” بانتوف” نعل السلطان الأول جد الامبراطور ” ته يانعال بجلدك العطر الجميل ِ ! ” ولا يطول المشوار فهناك جمهرة من ارانب وثعالب وافواه افاع ٍ وبنات آوى وكلاب وذئاب وقردة وقطط وفئران وصراصير وحشرات كلها كلها راحت تصفق للامبراطور .

الامبراطور عار ٍ وهناك من يصرخ ويطير من الابتهاج لروعة ملابسه ..تماما كما تمتدح كريم عين ٍ فتقول له ما أحلى عينيك الزرقاوين . كما تقول لأعمى يا ايها البصير وللاقرع ياكلبدونيّ الشعر !! وقد قال المتهالك مدحا على ابواب الاخشيدي في محاولة ضمنية لانتقاد نفسه وهجاء من كان هو نفسه قد مدحه :



” وأسْوَدَ مِشْـفـرُه ُ نصفُـهُ

يُقال له انتَ بدرُ الدُجى !



هذا بيت شنيع يناسب اخلاقيات الكثيرين من المؤمنين بالمقولة الوسخة ” دارهم مادمت بدارهم ” الجماهير تصرخ والشعراء يبتهجون والاديب المومسي يمتدح بعموده حزب الامبراطور والحاشية المتملقة تطبل وترقص بين الصنوج والابواق والطبول … ولا ادري لماذا يتوارثون المديح ؟ لماذا لايكفون عن تاريخ الارتزاق الذي يشكل اكثر من نصف خزانة الشعر الأرزقي ومن أجل ماذا أمن أجل ان يرشح الأديب الى البرلمان لاحبا بالشعب بل بالراتب بالأجر بالقرش ” بالقريشن ! ” استمر المنافقون وهم بالملايين ! لانقول الشعب كله بل نسبة كبيرة منه للاسف استمروا بمديح ملابس لاوجود لها . وبالمناسبة فعبر التاريخ وحتى هذه الأيام هناك معمم لاتليق به عمامة لأنه لايمت بصلة الى رمزيتها باعتبارها هالة العدالة فاذن هي ملابس الامبراطور اي هي غير موجودة وان وضعت على الرأس . ملابس الجنرال التي يرتديها نفر من الصاعدين الى السلطة ولم يكونوا في حياتهم قد حصلوا على شرف او لقب او اسم جندي ، ولقد رأينا بعضا من زبالة المجتمع قد تبوأت مناصب عسكرية انتهت مع الوقت الى نهر الخِر والبعض الآخر في شطيّط .

ان الوقت كما تعلمون وكبداهة ايضا يمضي لصالحنا !!! اي ماطار طير ٌ وارتفع الاّ كما طار وقع ألخ .. وبذا فقد اقتربت ساعة الفرج وراح طفل ما يصرخ مادا عنقه من بين الجماهير المنافقة وهو يقول : انه عار انه بلا ملابس ربي كما خلقتني بالزُلُـط ! انه كرستين كيلر ! خذني بعاري ! لابسه من غير هدوم !… ثـنّى آخر …ثلـّث ثالث صرخ اكثر من شخص تشجعت مجموعة واذا بالهتاف يعم وبضمنهم الحاشية ليقولوا جميعا انه من غير ملابس . انه من غير اصالة انه مخادع في عمقه ممكن ان يتهادن مع الحقيقة ان يكذب ان يعتمد على وزراء تجار مرابين سراق سماسرة قوادين ان الذي يكذب ويخاف فانه يتآمر على الشعب وقبل الشعب على الحقيقة والدين خاصة . الدين المسكين الذي لم يهزوا صورته فحسب بل مرغوها بالوحل .

تابع الامبراطور سيره مبتسما بكل رعونة وصفاقة وعلى الرغم من هياج الجماهير جميعا وتكذيبها لجلبابه تسخيفها لشخصيته المموهة اللعوب الدجالة . انه لايزال يبتسم آملا بالحفاظ على هيبته رغم اكتشاف ارذل واردأ الحقائق .

تلك هي حكاية كل دجال يرتدي ثيابا غير حقيقية او لاثيابا حقيقية .. تلك الحكاية كالحبل القصير تنقطع ويبين الكذب . ولا يقتضي سوى وضع الامبراطور في السجن وكذلك الحاشية والوزراء وكثيرا من الشعراء والصحفيين المتعاونين ليلتقوا هناك بلجنة النزاهة والمساءلة والعدالة .

*******

31/1/2010

تـَوْقٌ أخير : ” كلما قالوا امبراطور تذكرت جزيرة سانت هيلانة منفى نابليون ، تذكرت الحفرة تذكرت قفص الاتهام تذكرت حبل المشنقة “