الرئيسية » مقالات » فضاء سافر وحجاب ساتر ….

فضاء سافر وحجاب ساتر ….

الإسفار عن الشيء قوة له ! وقول الحقيقة وسام على صدر الأديب الشجاع … في الأدب العالمي ، يكشف النص القصصي الشهير ” المساكين ” للكاتب الروسي الكبير ميخائيلوفتش دوستويفسكي ، عن الحقيقة تحت الأرض ، عن الفقر في الأقبية ، عن هموم الفقراء المحشورين كالنمال في غرف تالفة ، عن معاناة الساكنين واحلامهم المعبرة عن شقاء تام ، عن جوعهم امراضهم مشاكلهم ومصائرهم خاصة بربارة التي اضطرت على الإرغام في حياتها ومصيرها ولاشيء سوى الارغام والعنف والإهانة .. فكم من الف والف بربارة في بيوتنا بربارة الرمز العالمي للعذاب الانساني وكم من عاشق مثل مقار ديوفشكين خائب ٍ باك ٍ تالف المصير .

لقد كشف دوستويفسكي هذا الوجع ، ومما لايتوقعه المرء في بلد متحضر ، ان رقيبا يمنع الكشف ، بل يريد ان يحجب الهم والغم وأن يطمره تحت الأرض ، ان لاينشره رواية ً او قصة ً او لوحة او مسرحية او فيلما ً او قصيدة …

نعم هناك رقيب أدبي ـ سياسي او ناقد ضد الكشف انه تعبير عن عقل ساتر حجابي النزعة : انظر الجريمة : كتب الأمير ف.ف . اودويفسكي مقدمة لقصة المساكين المكتوبة في 1844 ـ1845 .. ” يالهؤلاء الكتاب القصاصين ! انهم بدلا من ان يقصوا علينا شيئا نافعا ممتعا ، مريحا ، يهتكون جميع اسرار الحياة على هذه الأرض ويزيحون الحجب عن جميع مبائس الوجود ! … لو كان الأمر لي ، لنهيتهم عن الكتابة ! فكروا في النتائج التي يؤدي اليها هذا ! ان المرء يقرأ مايكتبون ، فاذا هو ، على غير ارادة منه ، يأخذ يتأمل … واذا بجميع انواع الافكار العجيبة المستحيلة تغزو رأسه . حقا ً لو كان الأمر لي لنهيتهم عن الكتابة او لمنعتهم عن نشر مايكتبون “.

يقودنا اودويفسكي هنا الى التكتم عدم الإشهار عدم الشفافية ، الى مراكمة الاسرار والآلام في الذات البشرية وعدم الافصاح … هناك جوع وعلى الاديب ان لايحلل الظاهرة ! وهناك فارق طبقي ظالم وعلى الشاعر ان يكتب فقط عن السعادة ! هناك حزن على الصحفي ان لايصوره عليه ان يصور الابتسام . اي ان يخادع من اجل ماذا ؟ من اجل ان لايصم العار عشيرتنا او مجتمعنا او حكومتنا او ربما تحدث الثورات والزلازل الاجتماعية ضد القيصر والحزب الحاكم . علينا ان لا نكتب عن الحقيقة !!! ياللدونية ! انهم يخافون من ان تجرح الحقيقة حليفهم الجبهوي!!!!!! علينا ان نوائم ان لا نقول هناك تجار ومرابون في دست السلطة او لصوص ومرتشون علينا ان لا نقول هذا القس قد اقترف اثما وذلك المعمم قد كذب ! كل شيء حسب اودويفسكي يبقى مغلفا محصنا محجوبا عن الرؤية .

ان تخلفنا لايكمن بكثرة اللصوص فينا او بيننا لا انما في خطل الرؤية لدور المصنف الابداعي في الكشف . الكشف وعدم التحجيب وفضح الجرائم وراء الكواليس هو الشرط الأهم للحياة الحقيقية التي تجلب معها حقوق الصحفي للدخول الى اكثر المناطق سرية وعتمة . الكشف الكشف لا الحجاب السياسي والساتر الكونكريتي هو الذي يطلعنا على حقيقتنا .

المصنف الابداعي الدستويفسكوي هو المطلوب وليس الطريقة التي يتمناها اودويفسكي . لولا جيل الرواية من شوامخ وعمالقة الفكر والقصة في روسيا لما عرفنا مبررات الثورة العمالية الفلاحية في اكتوبر 1917 .

اربعة قرون من الرواية قد وضعت الحياة في اوروبا تحت الانارة على حد تعبير ميلان كونديرا الذي يجل الرواية ويبجلها بعبارة اخرى يقدس الكشف وهو مراده بالآتي : ” لقد كشفت الرواية ، واحدة بعد اخرى ، ، بطريقتها الخاصة ، وبمنطقها الخاص ، مختلف جوانب الوجود : تساءلت ُ مع معاصري سرفانتس عما هي المغامرة ، وبدأت مع صموئيل ريتشاردسون في فحص ” مايدور في الداخل ” وفي الكشف عن الحياة السرية للمشاعر ، واكتشفت مع بلزاك تجذّر الانسان في التاريخ ، وسبرت مع فلوبير ارضا كانت حتى ذلك الحين مجهولة هي ارض الحياة اليومية ، وعكفت مع تولستوي على تدخل اللاعقلاني في القرارات وفي السلوك البشري . انها تستقصي الزمن: اللحظة الماضية التي لايمكن القبض عليها مع مارسيل بروست ، واللحظة الماضية التي لايمكن القبض عليها مع مارسيل بروست ، واللحظة الحاضرة التي لايمكن القبض عليها مع جيمس جويس . وتستوجب مع توماس مان دور الاساطير التي تهدي ، وهي الآتية من اعماق الزمن ، خطانا ، الخ ، الخ .

انه ليصعب في زمن دجال مثل هذا ، محكوم بالارادات والتحزبات ان نجري الكلام بالصراحة المطلوبة والدعوة الى اباحة حق الروي وإشاعة المال والسعادة على اخلافاتها للبشرية جمعاء .

ما دامت تلك الاحزاب هي المهيمنة فهي التي تحجب وتستر وتغتال الحقوق وفوق الاغتيال تقتل حسب الفتاوى والتشريعات المخذلة للحرية للتعبير للكشف للسفور لحرية الاختيار للاختلاط للانفتاح للتثاقف لهايدبارك الفكر .

*******

تـَوْقٌ أخير : ان العقل الساتر للعيوب هو مثل الدملة الكبيرة مصيرها الانفجار . اما السافر فهو ميدان رؤية وعمل ومناقشة .

2/2/2010