الرئيسية » مقالات » أئمة المساجد: بين الحرص على نشر الفكر الظلامي المتخلف، والعمل على إصدار الفتاوى القاتلة…..6

أئمة المساجد: بين الحرص على نشر الفكر الظلامي المتخلف، والعمل على إصدار الفتاوى القاتلة…..6

الإهـــــــداء:

 إلى النفوس المريضة التي تبحث عن الخلاص فلا تنساق وراء كل دعوات فقهاء الظلام.

 إلى كل مسلم مومن حافظ على سلامة إيمانه بالدين الإسلامي، ولم يوظفه في شأن سياسي: صغر، أو عظم.

 إلى الشهداء: ضحايا الإرهاب الديني: عمر بنجلون، ومهدي عامل، وحسين مروة، وسهيل طويلة، و فرج فودة… والقائمة طويلة.

 إلى كل من أدرك أن مجرد وجود تنظيم سياسي ذي بعد ديني يشكل خطورة على مستقبل البشرية.

 إلى ضحايا الإرهاب الحزبوسلامي في كل بلدان المسلمين.

 إلى ضحايا 16 مايو 2003 بالدار البيضاء.

 من أجل الحد من تأثير الحزبوسلامي في وجدان، وعقول المسلمين، وإعداد الشباب للمساهمة في العمليات الانتحارية التي لا يعرف مداها.

 من أجل وضع حد لقيام الحزب السياسي على أساس ديني.

 من أجل تجريم ممارسة تحريف الدين لتحقيق أغراض حزبية – سياسية.

 من أجل مجتمع بلا إرهاب.

 من اجل حماية العرب، و المسلمين في بلدانهم من الممارسة الإرهابية في شموليتها.

 من أجل مجتمع للعرب، وللمسلمين، يتمتع فيه الناس بالحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية.

محمد الحنفي

*************************

دور المسجد في التأسيس لحضارة العرب و المسلمين:…..1

إننا عندما ندعو إلى إعادة النظر في وظيفة المسجد الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، فلأننا ندرك جيدا ما هو الدور الذي كان يقوم به المسجد في مراحل تاريخية معينة. وندرك مدى مساهمته في بناء حضارة للعرب، والمسلمين، التي استطاعت أن تملأ الدنيا، وأن تغزو الآفاق، وأن تربط بين نشر التنوير المعرفي، وانتشار الدين الإسلامي. وندرك أيضا أن أدلجة الدين الإسلامي، وازدهار تلك الأدلجة في مراحل تاريخية معينة، واستغلال المساجد لنشر تلك الأدلجة، جعل المساجد تتخلى عن دورها التاريخي، في بناء حضارة العرب، والمسلمين، لتتحول إلى بؤر لنشر الفكر الخرافي، أو الفكر الظلامي.

فما هو الدور الذي لعبه المسجد في فهم الدين الإسلامي الصحيح؟

وما هو دوره في إفراز مدارس الاجتهاد في فهم الدين الإسلامي الصحيح؟

و ما هو دوره في إفراز علوم القرءان، وعلوم الحديث، وباقي العلوم التي عرف بها العرب والمسلمون؟

وما هو دور المسجد في إبراز الحاجة لدراسة العلوم الوافدة؟

وما هو دور المسجد في إفراز علوم عربية متطورة؟

وما هو دور المسجد في الإشعاع العلمي العربي بين شعوب العالم؟

وما الذي جعل المسجد لا يهتم بهذا الدور؟

وهل ظهور الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي هو الذي يقف وراء ذلك؟

وهل ظهور الفقهاء المتزمتين، المتعصبين لأدلجة الدين الإسلامي، هو الذي عطل دور المسجد؟

وهل عدم التعاطي مع الرأي، والرأي الآخر، هو الذي وقف وراء تخلي المسجد عن دوره؟

وهل استغلال المساجد في إشاعة أدلجة الدين الإسلامي هو الذي عطل دورها؟

و هل سيطرة الدولة على المساجد، واستغلالها لإشاعة أدلجتها للدين الإسلامي، هو الذي أفقدها دورها؟

وهل ضعف الدولة المركزية، وهشاشتها، وانقراضها هو الذي عطل دور المسجد؟

و هل سيطرة غير العرب على أجهزة الدولة، المتفرعة عن الدولة المركزية، هو الذي حصر وظيفة المسجد في الوظيفة الدينية؟

وهل إيجاد أماكن للكثير من الوظائف التي كان يقوم بها المسجد هي التي تلعب ذلك الدور في تعطيل دور المسجد؟

وهل تحويل المسجد إلى مؤسسة دينية صرفة هو الذي جعله لا يقوم بأي عمل آخر؟

وهل التعامل مع القيمين عليه على أساس تقديسهم، هو الذي فرض عدم التعاطي مع المسجد؟

وكيفما كان الأمر، فإن اقتناعنا بضرورة إعادة النظر في التعاطي مع المسجد هو الذي يدفع بنا إلى الوقوف على الدور الذي قام به المسجد في مراحل تاريخية معينة، حتى نؤكد، بذلك، ما نقتنع به، من أن حالة التخلف الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي، التي نعاني منها، تقتضي استغلال المساجد، إلى جانب القيام بأداء شعيرة الصلاة، في كل ما يساعد على مغادرة حالة التخلف تلك، حتى يقتحم المسلمون، في كل بلدان المسلمين، عصرهم، منفتحين، ومتفتحين على علوم العصر، ومتفاعلين معها، ومؤثرين فيها، ومتأثرين بها، وساعين إلى التأثير في الواقع، والتأثر به، والتفاعل معه، حتى يتبلور متطورا، ليصير، كما الواقع المتقدم عند الآخر، علما، ومعرفة، وفكرا ونظرية، وممارسة، وتأثرا، وتأثيرا في كل، وبكل ما يجري في هذا العالم.

فما هو دور المسجد في فهم الدين الإسلامي؟

إن المسلمين الأوائل كانوا يرتادون المساجد في أمور كثيرة، كان أداء شعيرة الصلاة مسألة عابرة بالنسبة إليهم، وأهم ما كان يجري بينهم هو التداول حول الدين الإسلامي، انطلاقا مما جاء في القرءان، وفي الحديث، من أجل أن يمتلكوا الفهم الصحيح للدين الإسلامي، فيخضعون آيات القرءان للنقاش، ويخضعون الحديث للنقاش أيضا، ويستعينون على فهمها مما ورد في الأدب العربي القديم، وخاصة في الشعر الجاهلي، الذي يزخر بالدلالات المفيدة، التي يقتضيها فهم القرءان، وفهم الحديث حتى يصير الفهم متطورا، وساعيا إلى الانفتاح على العصر، الذي كان يعيشه المسلمون قديما؛ لأن الوضوح في فهم الإسلام جزء من تطور الإسلام، وعامل من عوامل انتشاره، وأساس للانطلاق في أفق التفكير السليم، من أجل معرفة الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي، لأن الفهم الصحيح للدين الإسلامي يدفع إلى العمل الذي هو مقصد التقويم، “فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره”، كما جاء في القرءان، و يعمل على تجنب السير في طريق الحرب بين المسلمين، لأنه، كما جاء في الحديث، “المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده”، و لأن الفهم الصحيح للدين الإسلامي، يدفع في اتجاه إعمال الفكر في المحيط الإنساني، وفي كل ما هو قائم في الواقع، كما جاء ذلك في القرءان: “أفلا يتدبرون القرءان”، “وفي أنفسكم أفلا تبصرون”. فإعمال العقل إذن معناه إعمال العقل في الاقتصاد، والاجتماع، والثقافة، والسياسة، وكل ما له علاقة بحياة الإنسان، حتى يلعب الفكر دوره في تطوير الواقع، وحتى يكون ذلك التطوير مناسبة لبيان ما يجب عمله لتطوير الفكر أيضا؛ لأن العلاقة بين الفكر، والواقع هي علاقة جدلية، والعلاقة بين الفهم الصحيح للدين الإسلامي، والفكر هي أيضا علاقة جدلية، والعلاقة بين المسجد، والفهم الصحيح للدين الإسلامي، هي، كذلك، علاقة جدلية، لتصير بذلك العلاقة بين المسجد، وتطور الفكر، علاقة جدلية: أي أن أي تتطور في الواقع، سيصير محكوما بما يريده المسلمون من المسجد؛ لأنه سيصبح منارة للتنوير، واكتساب المعرفة، وتطور العلوم، والآداب، والفنون، والدراسات الإسلامية، وغيرها، مما يمكن أن يتطور، ويتقدم انطلاقا من المسجد.

وبالإضافة إلى الفهم الصحيح للدين الإسلامي، نجد أنه، انطلاقا من المسجد، يتداول الناس في أمور الدين الإسلامي: عقيدة، وشريعة، فعملوا على إبراز القضايا الكلية، والقضايا الجزئية، وتداولوا فيها، مبدين الرأي، والرأي الآخر. وهو ما أنتج الاختلاف المشروع في تناول تلك القضايا، بسبب اختلاف زوايا النظر، المرتبطة بالشروط الذاتية، والموضوعية بالنسبة لكل واحد، والتي لا تكون إلا اقتصادية، و اجتماعية، وثقافية، ومدنية، وسياسية، تفرض تبني رأي معين في العقيدة، وفي الشريعة. وهذا الرأي، أو ذاك، هو الذي شكل ما صار يعرف بالمذاهب الكبرى في الدين الإسلامي، والتي لازالت تؤطر مسلكيات المسلمين إلى يومنا هذا. وهذه المذاهب هي المذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، و المذهب الحنفي. ونحن هنا لسنا بصدد الوقوف على ما يمز كل مذهب على حدة، بل من أجل الوقوف فقط على دور المسجد في توفير مناخ النقاش الإيجابي، والعميق، الذي أدى إلى وجود استيعاب معمق للدين الإسلامي: عقيدة، وشريعة، إلى درجة بلورة الرؤى، والتصورات، حول مختلف القضايا المتعلقة بالعقيدة، وبالشريعة.

وبالإضافة إلى ظهور المذاهب الدينية، انطلاقا من المسجد، فقد عرف الدين الإسلامي ظهور مذاهب سياسية أيضا، انطلاقا من المسجد، بسبب الصراع على السلطة بين المسلمين، والذي يحاول فيه، كل توجه، أن يجد له مبررا في الدين الإسلامي، حتى يكتسب الشرعية الدينية لأحقية السلطة. وظهور هذه المذاهب منذ موت الرسول، هو الذي يمكن اعتباره البدايات الأولى لأدلجة الدين الإسلامي، التي تطورت فيما بعد، و صارت تشكل أزمة عميقة فيما يتعلق بفهم العقيدة، وبفهم الشريعة؛ لأن الإيديولوجية، هي مجرد تعبير عن مصالح طبقة اجتماعية معينة، وبما أن المراحل الأولى للإسلام، لم تعرف بلورة الطبقات الاجتماعية، على أسس صحيحة، كان اللجوء إلى الدين الإسلامي لتوظيفه في الأمور السياسية، منذ البداية، ومحاولة إعطاء نصوصه فهما يتناسب مع المصلحة، في إيجاد المبرر للوصول إلى السلطة.

وبذلك يمكن القول إن المسجد لعب دورا في توفير المناخ الملائم لظهور المذاهب الدينية المشروعة، والتي لا تتجاوز مجرد الاجتهاد في فهم النص الديني، ومنذ البداية ظهر من يعمل على استغلال هذا المناخ لجعل النصوص الدينية تخدم مصالح طبقية معينة، ارتبطت بفئات معينة، كالشيعة، والخوارج، وشيعة بني أمية، والزبيريين وغيرها من الفئات التي تمرست، عبر العصور، على أدلجة الدين الإسلامي، انطلاقا من المسجد.