الرئيسية » المرأة والأسرة » اغتيالها بثلاثة طلقات.. احتمالات نسائية في فضاء الشرق –

اغتيالها بثلاثة طلقات.. احتمالات نسائية في فضاء الشرق –

بعيداً عن النساء اللواتي طُلِقنَّ لتعليقهِنَّ صور الممثل التركي مهند في غرف نومِهنَّ وابعدُ من عقول رجال أرادوا أن تتحول نساءهنَّ بعد 30 عاماً من الزواج إلى شبيهات نانسي عجرم وهيفاء وهبي، فاختاروا الطلاق لِفَشلِهم قبل فشلهن. قريباً من نساء تَعرضنَّ لأحدى الطلقات أو ثلاثتها مُجتمعةً ،لان في الأولى إصابةً لكرامتها ، والثانية تَهَشمٌ لآدميتها والثالثة رحلة صوب اللارجعة ونهايات مفتوحة بلا آفاق.
المُطَلَّقات وحياتهن الخاصة عالم سري لا يحتاج لمُخبر سري كي نفهمها، بل إلى نظرة إنسانية وعقل متحضر لفهم معاناتهن التي تبدأ مع اللغة، ففي عين الفراهيدي ( وطَلقَت وطُلِّقَتْ تطليقاً. والطالِقُ من الإبل ناقة ترسل في الحي ترعى من جنابهم أي حواليهم حيث شاءت، لا تعقل إذا راحت ولا تنحى في المسرح، وأطلَقْتُ الناقة وطَلَقَتْ هي أي حللت عقالها فأرسلتها) فالطلاق إذن هو: التخلية والإرسال و اصطلاحاً: حل عقد النكاح أو بعضه. كلمة الطلاق حديثة، لان الجاهلية وعن لسان ابن منظور كانوا يقولون للمرأَة عند الطلاقِ: اذْهَبي فلا أَنْدَهُ سَرْبَكِ، فتَطْلُق بهذه الكلمة، ومن كنايات الطلاق: حَبْلُكِ على غارِبِك أَي أَنتِ مُرْسَلةٌ مُطْلَقة، غير مشدودة ولا مُمْسَكة بعَقْدِ النكاح ومن ألفاظ الجاهلية في الطلاق: اسْتَفْلِحِي بأَمرِك أَي فوزي به؛ وفي حديث ابن مسعود أَنه قال: إذا قال الرجل لامرأَته اسْتَفْلِحي بأَمرك فقَبِلَتْه فواحدةٌ بائنة؛ قال أَبو عبيد: معناه اظْفَري بأَمرك وفوزي بأَمرك واسْتَبِدّي بأَمرك. وقومٌ أَفلاح: مُفْلِحُون فائزون.
لماذا هن الضحايا؟
في اختصار واختزال مُهين للحياة زوجية وإنهاءها، تم تعريف الطلاق مصطلحاً بأنه ( حل عقد نكاح أو بعضه)، للوهلة الأولى يبدو إن الأمر لا يحمل ظُلماً للمرأة فطرفي العقد حُرما من النِكاح والحياة المشتركة. قد تكون الصورة مُقاربة للواقع في الدول الغربية، فصورة المطلقة وأوضاعها الاقتصادية وخياراتها المُستقبلية مُختلفة عن مجتمعاتنا، هناك التوازن الاجتماعي والاقتصادي بين المُطلق والمُطلَّقة، ناهيك عن الميزات الاقتصادية والخدمية التي توفرها الدولة للمطلقة. حالة اللاتوزان تبدأ في مجتمعاتنا من خلال اختلاف الصورة، فصورة المُطلَّقة في مجتمعاتنا هي ( الناشزة والقاصرة والمقصرة، الهاملة والهادمة والمُهمِلَةِ لحقوق الرجل، المجادلة والمحاججة حول أبسط الأشياء، باحثة عن رومانس الكلام وتنسى إن زواجها ليس إلا عقد نكاح، لا تستجيب لرغباته وان كانت بيدها عجينة وقريبة من التنور). لذا عليها أن تتقبل صورتها الجديدة المرسومة بثلاثة طلقات (هي البضاعة المُستهلَّكة والجسد الذي يمكن اقتحامه بلا حدود، المُجبرة على التسول بمختلف الأشكال واختلاف الأسماء، الناذرة حياتها لأطفالها، المُخطئة التي تُفرض عليها السلطات و ألاقانيم، الأب والأم والإخوة والقائمة تطول). الصورة اختلفت، عليها أن تتنازل، وللحصول على ورقة الهزيمة وتثبيت حالة طلاقها، على اغلبهن التنازل عن الحقوق، ما تقدم وما تأخر، وما بينهما كانت هزيمة، فتتفق في خيمة الرجال بقبول حالة الخلع كإذلال إضافي لها، لم لا فمحاكمنا تخضع للروتين وتراعي رغبات الرجال بإبقاء قضيتها مركونة في رفوف المحاكم، وما يضر الرجل طول الانتظار، فهو يهيا ويتهيأ لمغامرة جديدة، أما هي فعليها أن تَعِد العِدَّة وتُعدد الأسباب، تنظر في المرآة قد تجد مبرراً لهكذا نهايات. هل يمكن تغيير الصورة النمطية عن المرأة المطلقة؟ سؤال جانبي لسؤال اشمل ( وهل يمكن تغيير الصور النمطية لصورنا وتصويرنا للأشياء ؟)
تكنولوجيا الطلاق
يموت الملوك وفوق رؤوسهم سيف ديموقلوس و تموت المرأة وفي حياتها ثلاثة غابات من الألغام عليها أن تتجاوزها، الأرقام عن الألغام التي فجرت أشلاء النساء بورقة الطلاق مخيفة، ففي مصر بلغت نسبتها 40% وعدد إجمالي المطلقات يصل إلى 2.5 مليون مطلقة، وفي دول مجلس التعاون الخليجي 47%، الكويت 35%‏ 48% في السعودية 35% في الإمارات 26%، وفي المغرب بلغت ‏23% أما في سوريا ووفق المكتب المركزي للإحصاء هي بين 8 إلى 10 %. هذه النسب رغم كونها صادرة عن مؤسسات حكومية فأنها تمثل ناقوساً لخطر اجتماعي يهدد تماسك مجتمعاتنا وبالأخص إذا أضفنا إليها حالات الطلاق الغير معلنة والمتمثلة بحالات الانفصال بين الزوج والزوجة دون إعلانها لظروف متعددة الأسباب، حينها يمكننا الحديث عن أزمة اجتماعية وثقب أوزون اجتماعي يُهدد مستقبلنا المتأرجح. الجديد الذي دخل على الخط هي التكنولوجيا التي ساهمت وضاعفت من حالات الطلاق، فبعد انتهاء مفعول تأثير كلمة ( أنت طالق )المشهورة في الأفلام المصرية نجد إن الفضاء الالكتروني قد خلق أجواء جديدة لم تكن بالحسبان، فعلى سبيل المثال لا الحصر إن برنامج الفيس بوك وفرت الإمكانية والفضاء للخروج من ملل الحياة الزوجية لتتحول تأثيراتها إلى مورفين اجتماعي لفشل الزيجات وتجاوز هامش إمكانية إصلاح الأمور. التكنولوجيا الجديدة تظهر حاجتنا لفتوى جديدة، غريب الفتاوى إن بعض شيوخ الأزهر اقروا بإمكانية الطلاق من خلال الموبايل أو رسائل المسج ، ما على الرجل المسافر لأحد البلدان القائمة على جسد النساء إلا أن يرسل مسجاً لزوجته يقول فيها ( الجو هنا مشمس حيث الماء والخضرة والوجه الحسن، روحي أنت طالق ولا تنسي أن تبلغي الأطفال سلامي) ، حالات الطلاق بالمسج ستوفر الإمكانيات والوسائل لهروب الرجال الذين يحملون دولاراتهم النفطية و يتزوجون في بعض العواصم العربية زواجاً سياحياً توفره دول لا تحترم نساءها من التبعات القانونية والأخلاقية.
حينما تكون الفتوى مدولرة
يقول سماحة الشيخ فيصل مولوي نائب رئيس المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء عن زوجين مسلمين يقيمان في السويد أصدرت المحكمة السويدية حكماً بطلاقهما ( إن الطلاق الذي تحكم به المحكمة السويدية بين زوجين مسلمين مقيمين، وقد يكون أحدهما أو كلاهما سويدي الجنسية، هذا الطلاق ليس له مفعول شرعي، ويجب عرضه على محكمة شرعية رسمية في أي بلد من بلاد المسلم ). يدرك سماحته كونه رئيساً للمجلس الأوربي للبحوث والإفتاء إن حالات الطلاق المُرتفعة بين الأجانب والتي تسجل ارتفاعات لا في ضغط دم القائمين على أمور الفضيلة، بل في نسب التضخم في البلدان الأوربية، فعلى سبيل المثال فان مملكة السويد ومن بين الذين تزوجوا عام 1970 تطلق ربع المتزوجين خلال 15 سنة. صحيح إن القوانين الأوروبية تحمي المرأة وان مطالبتها بحقوقها المنهوبة في وطنها جزء مهم من أسباب الطلاق ولكن العامل الاقتصادي لا بمفهوم الفقر كما هو الحال في بلداننا، بل بمفهوم الإثراء والسرقة من المال العام يمثل سببا كبيرا لعدد ليس بقليل لحالات الطلاق الشكلية في أوربا بين الأجانب، لان تلك المجتمعات تقوم بدعم المطلقة ماديا، ويجبر الرجل على دفع نفقة للطفل وتحصل المطلقة أيضا على مساعدة سكن إضافية. وهنا تبرز ظاهرة الاستغلال المالي بالطلاق الصوري ومن ثم تشويه صورة المسلمين كونهم يطلقون عند الحكومة للحصول على المساعدات الاجتماعية والمالية مع إبقاء واقع الحياة الزوجية بينهما، لان الفتاوى لا تعير للقوانين أية أهمية، صحيح إن للطلاق شروطه والياته ولكن بنفس القدر فان نهب المال العام له موانعه وفتاواه، أو لم يكن جديرا بمراكز الإفتاء الإسلامية في الغرب الإشارة إلى تحريم سرقة المال العام بعملية يصفها البعض بأنها حيلة شرعية في إهانة واضحة للتعاليم الدينية واختراقها بحيل الباحثين عن المال.
من أجل صلح تاريخي
يمكن التخفيف من حالات الطلاق بجملة إجراءات اقتصادية واجتماعية وقانونية، وبنفس القدر يمكن انسنة حياة المطلقة وتغيير صورتها، ويبقى الحل الأمثل هو الاتفاق على اكبر عقد اجتماعي عرفتها البشرية، بصلح تاريخي بين الرجل والمرأة، صلح يبدأ من الفكرة التي بدأت مع قصة الخليقة وان كانت هي مخلوقة من ضلعه الأعوج.
مجلة الثرى- العدد 218 تاريخ 30-1-2010 السنة السادسة