الرئيسية » مقالات » اجتثاث البعث ام اجتثاث البعثيين؟

اجتثاث البعث ام اجتثاث البعثيين؟

المتتبع للتحضيرات الانتخابية الجارية اليوم على قدم وساق في العراق لابد ان يلحظ وجود البعث في مسميات عدة، وقوائم لم تشملها اجراءات المساءلة والعدالة، او اجتثاث البعث، او حتى القضاء.
فهل كان قرار اجتثاث البعث مجرد نزوة انتقامية، كرد فعل على الجرائم الكثيرة التي ارتكبت في فترة حكم وصفت بانها اجرامية؟ ام كان نتيجة لدراسة علمية واعية استهدفت غسل الجسد العراقي من سموم الافكار النازية المتطرفة التي لا تؤمن بقيم المساواة والعدالة الاجتماعية؟
التركيز على معاقبة الاشخاص المتورطين بالجرائم من رموز الحقبة السابقة، وبهذه الصورة الاستعراضية اعطى انطباعا ساد في ما بعد وهو ان المطالبة بالاجتثاث لم تكن سوى ردة فعل غريزية لمعاقبة حقبة سابقة (دموية) من تاريخ العراق، ولم تكن مشروعا علميا متكاملا لرسم ملامح مستقبل عراقي خالي من التمييز العرقي والقبلي والطائفي والمناطقي التي كرسها الحزب المنحل في عقود حكمه.
والتركيز على معاقبة الاشخاص فقط، على غرار ابعاد صالح المطلك ورهطة سوف يفتح المجال لبروز وجوه بعثية شابة لم تكن متورطة في جرائم ما قبل 2003، الا انها تحمل فكرا نازيا شوفينيا عسكريتاريا اكثر تدميرا واكثر خطورة على مستقبل العراق، وهي غير مشمولة باجراءات اجتثاث البعث مما يوفر لهذا الحزب، ولافكارة النيونازية، الاجواء لاعادة التنظيم بمسميات جديدة، وثم نشر خطر الانقلابات وعودة القمع والحروب والدمار الاقتصادي والاجتماعي الى سابق عهده، دون ان تحد القوانين الحالية من حرية حركته.
تجارب الشعوب التي خضعت في فترة من تاريخها الحديث لحكومات نازية وفاشية (وفي اوربا الغربية على وجه الخصوص)، ونجحت في الحد من خطورتها تشير الى ان اجتثاث الفكر الداعي لسيطرة تلك القيم اللاانسانية هو اكثر نجاحا من التركيز على الاشخاص.
فالمتورطون بالجرائم يحالون الى القضاء، وقد تشملهم اجراءات العفو، او ضرورات المصالحة الوطنية، وربما تنقذهم انحداراتهم العشائرية ونفوذ دول الجوار. ولكن الفكر التمييزي الاقصائي الذي يؤمن بضرورة سيطرة عرق على اخر، او قبيلة على اخرى، او طائفة على ثانية، او منطقة جغرافية على اخرى، الفكر الذي يحمل في نواته بذرة الانقسامات الاجتماعية يجب ان يستبعد عن الحياة السياسية تحت اي مسمى كان باي شكل او هيكلية تنظيمية كانت.
قرار اجتثاث البعث بدأ بخطوة واثقة، لاجتثاث الفكر المتطرف بكل مسمياته، لكنه انحرف لسببين:
التركيز على اجتثاث الاشخاص (البعثيين) يحقق مكاسبا انتخابية للبعض، والكل في هذه الايام يتدافع مع الكل من اجل ضمان مركز او وزارة او كرسي برلماني.
وثانيا ان الحكومة نفسها، اليوم، تمارس في الكثير من سياساتها نمطا من التمييز المناطقي والعرقي والقبلي، وحتى الطائفي، واجتثاث هذه الافكار يضر بشكل واخر احزابها الحاكمة.
لهذا فان اجتثاث البعثيين وليس البعث يشكل خطورة اكبر من خطورة البعث نفسه، وما لم يعاد النظر في هذا القرار، فان العراق لن يعرف الاستقرار.