الرئيسية » مقالات » نخشى تحول الفساد الإداري إلى ثقافة يحتاجها العراقي

نخشى تحول الفساد الإداري إلى ثقافة يحتاجها العراقي

القضية التي تعد أكثر خطورة بعد الإرهاب وعمليات القتل الجماعي والتي استفحلت بشدةً وحظيت باهتمام وسائل الإعلام وأصبحت حديث الشارع العراقي هي قضية الفساد الإداري والمالي والتي على ما يبدو أمست عصية من المكافحة على الأمد القريب وربما حتى البعيد ، طالما أمور البلاد تسير بهذا المنوال الصعب غير المستقر سياسياً ، فمسؤولية هذا الملف يقع قبل كل شيء على الحكومة وما مدى استعدادها وجديتها وقدرتها على مكافحة الحاضنات التي توفر المناخ المناسب لتنشيط فايروساتها وانتشار مفاهيمها بين منتسبي وموظفي الدولة في مختلف مؤسساتها ودوائرها ومرافقها وتبرير ممارستها وخلق الحجج اللازمة لترسيخ شرعيتها .

من أولى متطلبات هذه السلوكية هي معرفة اللغة الدارجة وأسرارها وفنونها لتحقيق الغاية ، وكذلك الدراية بكيفية سد الثغرات التي يمكن لها ان تسبب الملاحقة القانونية وان كانت هي بحكم المتوقفة لأسباب لها علاقة بالمصالح المشتركة بين أطراف متنفذة عديدة .

الكثير منهم تمكنوا من اجتياز الحواجز القانونية والاخلاقية والدينية التي كانت تمنع التعاملات غير الشرعية التي تجري على حساب المواطن والدولة مستغلاً عنوانه الوظيفي بالشكل الذي يعود بالمنفعة الشخصية له ويحقق الربح والفائدة والثراء ، وكأن العنوان الوظيفي فرصة عليه ان يستغلها بكل ما بوسعه .

الصفقات تجري داخل أبـنية الدولة وأخريات خارجها في البيت او المكتب او في المقهى وربما على قارعة الطريق بشكل مستمر ويومي ، بعض منها فرضت قواعد على الطرف الأخر وأسعار يصعب فيها الحصول على تخفيضات او تنازلات او اعفاءات ، يبدو أنها ارتقت لتكتسب الشرعية لها وعدم الخشية من المحاسبة او الملاحقة القانونية طالما هناك رموز وجهت لهم فيما سبق تهماً ولم يتم محاسبتهم قضائياً او ادارياً او تترتب بحقهم مواقف سياسية وعقوبات حزبية.

خيوط تلك الممارسات قوية ومحصنة من القطع ، واثارتها ربما تجلب المتاعب والضرر لمن يثيرها ويترتب عليه جمع عدد من شيوخ العشائر مقابل مبلغ مالي ايضاً لتحرير لحيته من تلك الورطة والا سيكون مهدداً بعواقب وخيمة ، فما بوسع هذا الطرف ان يتصرف أمام هكذا ارادات متجبرة تجردت من القيم والمبادئ والاخلاق والدين ، فهو الخاسر والمستضعف الوحيد الذي تخلى القانون عن حمايته وتركته فريسة سهلة في كل مراجعة يقوم بها لأي دائرة .

ربما يرى البعض ان على المواطن ان يتحصن معرفياً ويتعلم فنون وأسرار تلك الممارسة كي لا يسقط فريسة سهلة في أيدي الذئاب مقابل تمشية الحاجة التي من اجلها قصد تلك الجهة او يستعين بأحدهم مقابل ثمن اضافي آخر ممن تثقفوا بتلك الممارسة ويتباهون بها علناً لتمشية أموره وقضاء حاجته . فطالما وصلت الحالة الى هذه الدرجة اليائسة فليس أمام المرء إلا ان يسعى لثـقيف نفسه بتلك الممارسات كجرعات (أنتي بايتك)، يمكن للمواطن من خلاله تمشية أموره من دون الرجوع إلى سماسرة تقوم بتلك الاعمال ، لكون الوباء واقع حال لا يمكن اصلاحه او تفاديه بقانون وفرضاً واجباً لا يمكن إسقاطه بفتوة ..

ما هو رأيك وموقفك أخي القارئ ان طالب احدهم بنشر تلك الثقافة وتبنيها كمادة مدرسية ، تهدف تعليم الطرفين أصول اللعبة وقواعدها وأسرارها الخفية ، كما تـُدرس مادة الحاسوب اليوم في بعض المدارس فقد يـَعـدُها البعض أهم من مادة الحاسوب وبرامجياتها طالما هي متعلقة بحياة المواطن اليومية ، وتلحق به الضرر والقلق مع ارتفاع في درجة حرارة الجسم فضلاً عن ارتفاع في ضغط الدم عندما تكون له مراجعة لأحدى الدوائر الحكومية ومرافقها ، ربما تؤدي الى استلقائه على (سدية) او جلوس في عربة المعوقين يقودها افراد من عائلته او عدد من اصدقائه او جيرانه مهرولين في ردهات المستشفى بحثاً عن طبيب غالباً ما يكون مفقوداً ، يتوجب دفع أجرة ( السدية ) إلى المسؤول عنها كأول عربون لتمشية الأمور ، وفي حالة عدم الدفع ربما يـعد أثماً عظيماً .