الرئيسية » مقالات » تقهقر القيم أمام حشود القوارض الزاحفة

تقهقر القيم أمام حشود القوارض الزاحفة

كلما رجعنا أكثر الى الوراء بذاكرتنا نلاحظ ان صور القيم والمبادئ النبيلة تزداد وضوحاً أكثر وتجسيداً أفضل ، حيث كان الناس أشد حرصاً ووضوحاً ، معظم مشاهد وصور الحياة والأحداث كانت ترافقها المبادئ والقيم والاخلاق ، لذا كانت صور البطولة واقعية وحقيقية ومصداقيتها اقوى واصدق من تلك التي نراها اليوم ، وكانت تحظى بمكانة مرموقة ولها الوزن والاعتبار ، وكذلك صور الأمانة والشرف والصدق والتضحية والإيثار والتعاون والحب ، جميع تلك الكلمات والمعاني لم تكن بحاجة ليشير احد إليها او يعلق عليها لان الغالبية كانت تحمل تلك الصفات وتدعو إليها وتحرص ان تجدها مجسدة في تعاملاتها الخاصة والعامة قولاً وفعلاً وتعمل على زرعها في نفوس وعقول الاجيال ، كانت النفوس أكثر نظافةً والقلوب اكثر صفاءً وطيبة والعقول أكثر طـُهراً.

كانت البراءة مرسومة في وجوه الغالبية ، العفة حالة يحرص عليها الجميع ، الشرف دونها لا يمكن العيش ، القيم والمبادئ من اجلها تزهق الارواح رغم الفقر والجوع الذي كان يعاني منه الإنسان والأمية المتفشية بين الشعوب والبلدان .

إلا ان مع تقدم الزمن وازدياد رصيد حاجيات الإنسان الضرورية منها والكمالية وظهور الأحزاب التي زرعت التخندقات وهيمنة الحالة السياسية على الأوضاع جميعها وربطها بعجلة الاقتصاد والتأثر بما ينجم منها سلباً وايجاباً فرضت حالة الضمور والموت البطيء لتلك الكلمات والمعاني التي كانت اسس العلاقات الاجتماعية والانسانية فبها تمكن الانسان من الوصول الى ما هو عليه من التقدم والرقي والتطور العلمي والحضاري.

ومع ظهور التوافقات التي تعمل على تقسيم وتوزيع الثروات والمكاسب بين الكتل والاحزاب والكيانات والقوى السياسية واهمال حقوق المواطن وعدم الاكتراث لحاجياته وكذلك ظهور جماعات التطهير العرقي التي تحركها دوافع القومية او الدين او المذهب وحملات القتل العشوائي بالمفخخات والعبوات والانتحاريين ظهرت الحاجة بقوة للعودة الى المبادئ والقيم والأخلاق التي كان لها الفضل الأول والقوي في حماية العلاقات الإنسانية التي تربط البشرية بعضهم ببعض من دون النظر الى العرق او الدين او غير ذلك من المسميات وبها توفر الأمن والآمان والاستقرار والحياة الكريمة.

حاجتنا للعلاقات الإنسانية ضرورية لكونها تمنحنا الأحاسيس والمشاعر النبيلة التي تحفزنا للألفة والمحبة والقدرة على المساعدة بسخاء من دون تململ او رياء او نفاق فبذلك تظهر فضاءات أوسع ومناخات اكبر تحرص على القيم والخلق والمبادئ النبيلة التي تقلل بدورها المخاطر المهددة للبشرية بحروب كارثية وويلات تقضي على السلام والحب بين الشعوب والأمم .

ان تقهقر كفة القيم وازدياد الخناق على الأحرار وانحسار ساحتهم امام هيمنة اصحاب رؤوس الأموال والمصالح المشتركة التي تربطهم وتحركهم في الوقت نفسه ، وقواهم التي تمسك بزمام مصائر الآخرين المتمثلة باخطبوط المال والاعمال والسلطة التي هيمنت على الشعوب بواسطة تشكيلات وعناوين جـَرّت الشعوب للاستسلام لها ولإرادتها والتحرك ضمن املاءاتها القسرية . باتت احوال البشرية واوضاعها ووجودها تعيش تحت تهديد نزوات الارادات الكبرى المتناحرة من اجل السيطرة والاستحواذ على مصادر الطاقة وأماكن الثروات في العالم وفرض الهيمنة .. الزوال او الانقراض ربما يكون حالة حتمية تنتظر المبادئ والقيم إلا انه كنتيجة حـُكمت بالانحسار بالرغم عنها كما هو واضح للجميع .

فالصراع أصبح محتدماً بقوة أكثر من العصور السابقة رغم تفاوت الامكانات والفرص بين قوى الخير وشراهة القوارض والزواحف التي لم تترك جلباباً الا وارتدته بغية الوصول الى الثراء والسلطة والنفوذ .

الحاجة والضرورة تستدعيان العمل بجد لرعاية شجرة القيم والاهتمام بها والحرص على سقي جذورها بالافكار التنويرية والانسانية وعدم تركها فريسة للموت فمن غيرها لا يمكن ان تبقى هذه الحضارة والانجازات التي سعى الانسان لتحقيقها منذ بدء الخليقة فهي قابلة للضياع اليوم بسهولة ومهددة بالفناء عاجلا أم آجلا .