الرئيسية » مقالات » دردشة سلة الثقافة وفاكهة الأعتذار !

دردشة سلة الثقافة وفاكهة الأعتذار !

وصلتني ـ عزيزي القاريء ـ رسالة عتب مهذبة من احد الزملاء ، وحملت جملة ملاحظات عن موضوعات سبق وأن أثيرت في هذا العمود ، ووضع ـ صديقنا العزيزـ خطوطا تحت بعض الكلمات ، مسجلا اعتراضه على ما سماه “المرور السريع ” على قضية يجدها ” ملحة هذه الايام ” ، ويسميها “الموقف من المثقفين الذين ساروا بركب حزب البعث “، والمس ـ من خطوطه ـ ان ثمة استغراباً عنده من حديثي عن متطلبات رخاء الثقافة العراقية ، خصوصا عند قولي أن ذلك “لا يكون بدون التحلي بثقافة التسامح والاعتذار والتعاون”! ، فالصديق يرى الحديث عن “ثقافة الاعتذار” أمر لا يمكن ان يتم دون مرحلة يعتبرها “اساسية” ، الا وهي ” ان ينال المذنبون جزائهم ” ! ، ومن حقنا أن نضع بالمثل خطوطا تحت البعض من كلمات صديقنا العزيز ، وأود هنا ان استرجع معه ـ ومعك عزيزي القاريء ـ حكاية طالما رددتها شخصيا ، في مقالات منشورة وبعض النشاطات الثقافية ، عن شجرة البلوط ، التي اجدها تنطبق على أحوال ثقافتنا العراقية ، والحكاية بأختصار تفيد بأن شجرة البلوط الصغيرة شكت يوما الى امها ، شجرة البلوط الضخمة ، قائلة : ” الا ترين يا امي ، كيف تنكّل هذه الفأس الحادة بنا ، نحن الشجيرات ، تنكّيلا ، وحشيا ، لا رحمة فيه ؟ ” ، فضجت شجرة البلوط بأغصانها الجبارة ، وقالت : “يا ابنتي ، هذا لان مقبض الفأس مصنوع من خشب البلوط !” ، نعم ـ عزيزي القاريء ـ كان هناك ثمة مثقفون صاروا عصيّاً صلبة في فأس النظام المقبور الدموية التي نزلت تنكيلا بشعبنا وثقافته ومستقبله ، وكان لدورهم نتائج كارثية أخطر من حروب النظام الداخلية والخارجية ، اذ افقروا شعبنا فكريا وساهموا في تسطيح وعي الناس ، بحيث صار الواقع العراقي تربة هشة لنمو كل الافكار الضارة التي نواجهها هذه الايام في وطن ما بعد سقوط الديكتاتورية ، ولكن .. مهلاً … مهلاً : هل من الموضوعية والعقلانية خلط كل الثمار في السلة عند الحديث عن احوال الثقافة العراقية في عهد الديكتاتورية المقبورة ؟ هل يمكن المساواة بين المثقف الذي عمل مختارا وباقتناع في مؤسسات النظام المقبور، و ردح ـ باقتدار صدامي ـ لحروب الديكتاتور العدوانية ، ونظّر لها وللفكر الشوفيني ، وبين من اجبر على مسايرة نظام مارس عسفا وبطشا لتدجين وارهاب وتغيب دور المثقفين ؟! أن من السذاجة جدا الشطب مرة واحدة على نشاط مثقفي العراق ممن ظلوا داخل الوطن وعاصروا فترة همجية اجهزة النظام الامنية التي كانت تشترط على المثقفين طريقة الكتابة والحديث والتفكير، وهكذا ـ عزيزي القاريء ـ نصل الى حقيقة ان الواقع الثقافي في عراقنا الجديد ، وبرغم أقترابنا من أتمام السنة السابعة لسقوط الصنم ، فانه ثمة امور كثيرة لا تزال مختلطة ومشوشة فيه ، بسبب طبيعة الحياة السياسية التي نشأت أثر الاحتلال وتشكيل حكومات المحاصصة ، وان الواقع الثقافي الجديد لا زال بحاجة الى مراجعة شاملة جادة وبضمير مسؤول ، لكل تجارب ومعاناة المثقفين العراقيين ، داخل الوطن وخارجه ، ومن اجل ذلك ـ نكرر ـ نجد ان من الضرورة التحلي بروح التسامح والاعتذار والتعاون . واذ نقول هنا “الاعتذار” ، فالامر يعني كل المثقفين ممن تركوا ساحة النظام المقبور الفكرية وخدمته ، ومن اجبروا على مسايرته ، تحت اي ظرف كان ، وكانوا بهذا الشكل وذاك جزءا من كومة العصي التي استقوى بها فأس النظام الديكتاتوري على شعبنا وثقافته الحقيقية ، ويتطلب منهم مراجعة صريحة وعلنية لتجربتهم وادانة الجانب المظلم منها بشكل صادق ونزيه ، أما من يثبت ان حبر قلمه ـ بأي شكل كان ـ تلطخ بدماء أبناء شعبنا فبيننا وبينه التأريخ وحكم القانون . ان ادانة الجانب الذي لا يشرف احدا ، والاعتذار عنه بشجاعة ، سوف يسجل لصالح المثقف وليس ضده ، وسوف يرفع من قيمته بين زملاءه وبين متلقيه من القراء ، فهو يعبر عن شجاعة انسانية ، وعن حالة تطهر من ادران الماضي وسمو الروح من اجل قضية اسمى، وسينال هذا المثقف الاحترام الاكبر بين ابناء الشعب، اما التمسك بكبرياء فارغة والمراوغة والمخاتلة، وارتداء قمصان الضحايا ومحاولة تسلق تلة الاوضاع المرتبكة ، فلن يقود الا الى المزيد من الفوضى والتنافر وعدم الثقة . ولكن مهلا ـ مرة اخرى ـ علينا ان نشير وبمسؤولية ، الى أن “ثقافة الاعتذار” ، كسلوك مكتسب ، لا يمكن ان ينمو الا بتوفر البيئة المناسبة من ظروف ديمقراطية حقيقية، سياسية واجتماعية ، ناضجة ، تؤمن للانسان ممارسة هذا السلوك الحضاري بحرية ومسؤولية ، فهو بحاجة الى سيادة القانون وسيادة دولة المؤسسات ، حيث لن تكون هناك اجواء تخوين واسقاط واذلال ، وربما استهداف حياة ، وان المثقف قبل غيره بحاجة الى ادراك ان الاعتذار سيكون قوة للشخصية وليس تقليلا من شأنها ، ونضج في التفكير يتطلب شجاعة في مواجهة الواقع ، وأنه الفاكهة الاجمل في سلة الثقافة ، ومطلب أساس في العمل للنهوض بواقع الثقافة العراقية !!
وسنلتقي !

* عمود دوري ، عن الملحق الثقافي الاسبوعي لصحيفة المدى البغدادية / العدد 1712 الاحد 31 كانون الثاني 2010