الرئيسية » مقالات » ديمقراطية العشائر … بعدها الى اين ؟؟؟

ديمقراطية العشائر … بعدها الى اين ؟؟؟

لازالت العناصر المتحكمة بنسبة كبيرة في الجو العام لمفردات الحياة الاجتماعية للانسان العراقي هي العشيرة والدين ، ولايمكن بحال من الاحوال ان تنتفي هذه العناصر من حياتنا الاجتماعية لما تمد المجتمع من نظم تحفظ به نسيجه الاجتماعي وتراثه القيمي ، نعم يحصل تطور في مفاهيم العشيرة وتطور في قراءات الدين نتيجة التطور المعرفي والادراكي للانسان والمجتمع ….
كانت العشيرة محط مطامع الانظمة والقوى التي تحاول استعباد المجتمع ، وبرز الاهتمام الاول بالعشيرة في تاريخ الدولة العراقية من قبل المحتل البريطاني للعراق ، فشكلت بريطانيا منظومة الاقطاع لتنفيذ اجندتها من خلال هذه المنظومة التي ساقت العشيرة لها ، فالمعروف ان العشيرة منظومة اساسية من النظم الاجتماعية وليست منظومة من نظم الدولة والسلطة في انظمة الدول الحديثة ، ولكن ادراكا من المحتل البريطاني ان تحويل العشيرة الى منظومة دولة سوف تخدم مصالحه والسيطرة على العراق ….
وتصدى نصير الفقراء الشهيد عبد الكريم قاسم لسطوة العشيرة على الدولة من خلال تشريع الاصلاح الزراعي ، وكانت حركة قاسم هذه بداية لانطلاق المجتمع المدني من سجنه الذي كان فيه ، وراجت في عهده الى بداية السبعينات تفاعلات الثقافة المدنية مع المغاصرة والحداثة في حينها ، ثم اصيب المجتمع المدني بنكسات في عهد البعث اخطرها حينما جعل العشيرة مورد من موارد السيطرة على الشعب ، فبرزت الشخصيات الانتهازية والوصولية لتطلق على انفسها شيخ العشيرة بمباركة النظام الصدامي حتى اصبحت مقولة شيوخ التسعينات للتمييز بين من يتاجر باسم العشيرة وبين من يحترم العشيرة وادابها واعرافها …
واليوم وبعد تضمين الدستور مواد تفضي الى تطوير النظم العشائرية وتقاليدها وبما يخدم العراق وشعبه كما فهمناه من منطوق النصوص الدستورية ، وجدنا ساستنا يستغلون هذه المواد لتوظيفها لمصالحهم كما وظف الدين ، بل وجدنا نزوعا محموما وغريبا من الفرقاء السياسيين للتعامل مع العشيرة بذات الاساليب التي تعامل بها النظام الصدامي والمحتل البريطاني ، حيث اصبحت وللاسف بعض العشائر تتسابق لعقد المؤتمرات وبتمويل من الخزينة العامة سميت مؤتمرات تأسيسية ، والغريب ان يكون اسم مؤتمر تأسيسي لعشيرة ما ، فالمعروف ان العشيرة ونظمها اسبق حتى من الدولة ومن الدين فكيف يسمى مؤتمر تأسيسي ؟؟؟!!! وكيف يؤسس شيء وجوده ضارب بالتاريخ ؟؟؟ ، ولكن الذي دفع بهذا البعض من العشائر الى هذه المؤتمرات هي الاجواء الانتهازية والوصولية التي لازالت معششة في بعض نفوس هذه العشائر ، والذي ساعد لهذه الثقافة الانتهازية والوصولية بالانتشار والبروز هي ثقافة المتاجرة التي يتمتع بها ساستنا واصحاب المناصب العليا في السلطة السياسية …
فكم كنا نأمل من رئيس وزراء ستنتهي ولايته وشيكا ان يعقد مؤتمرات برعايته (منطق الرعوية !!!) للمثقفين والكتاب واصحاب المهن والجامعات والعلماء (المجمع العلمي العراقي يصوصي) ، وان يمنح هذه الاموال التي صرفها على مؤتمرات العشائر الى الفعاليات الاجتماعية المدنية لاجل النهوض بالثقافة المدنية والديمقراطية والقانونية والسلوكيات الحضارية ، ولكن بحساب الربح والخسارة للمصلحة الشخصية لدى المتاجرين من الساسة سوف تأبى عليهم ان تبنى الدولة بالشكل الصحيح ، وعليه فان العشيرة سوف تسخر من اجل الربح بالاصوات الانتخابية على حساب اعراف وقيم وآداب العشيرة وعلى حساب بناء دولة تتوائم مع متطلبات المعاصرة والحداثة ومواكبى الرقي الحضاري والانساني …
ومن اللطيف ان يعقد مؤتمر باسم كفاءات العشيرة ؟؟؟!!! ، ولا اعلم هل ان العشائر سوف تفرز كفاءاتها تطلعا لبناء دويلات عشائرية تحتاج فيها هذه الكفاءات ؟؟؟ ، واخشى ان في يوم غد نسمع مؤتمر لعلماء الفيزياء لعشيرة فلتان او مؤتمر كيمياء لعشيرة علان !!! ، فهذا الخزي يتحمله من يتمشدق ببناء دولة ديمقراطية تعتمد على الحقوق والواجبات ويسود فيه القانون ، قانون الدولة وليس قوانين لدويلات العشائر المرتقبة ، ويتحمل هذا الخزي ايضا ضحايا ثقافة الانتهازية والوصولية التي رسخها و عششها نظام صدام المقبور ….
تحية الى شيوخ عشائرنا التي ابت ان يتاجر بها الساسة ومن اي صنف كان
تحية الى رجال دين الذين ابوا ان يستغل ويوظف الدين في سبيل مصالح السياسيين …
وفي النهاية لايصح الا الصحيح ، والمستقبل كفيل برفض هذه الاساليب المتخلفة .