الرئيسية » مقالات » ثقافـة الأجتثاث …

ثقافـة الأجتثاث …

مـن يجتث مـن … ؟
الأجتثاث مفردة مثيرة للفزع ’ اثارها التاريخيـة لا زالت موجعـة لذاكرة العراقيين ’ مـن بين حلقاتها الدمويـة انقلاب 08 / شباط / 1963 ’ حيث تم وبهمجية غير مسبوقـة اجتثاث المشروع الوطني لثورة 14 / تموز / 1958 ’ كان القطار الأمريكي الملعون قـد جلب معـه المأجورين من بزارات القومية العربية ’ استقبله الطائفيون بفتوات حللت الموت العراقي ’ فحصل ماحصل واستشهدت الثورة ونحر مشروعها العراقي وصفيت بوحشية رموزه الوطنية وغرق حلم الناس بدماء ضحاياهم وراحوا يضمدون جراحهم ويجمعون ما تبقى مـن معنوياتهم مواصلة للدفاع عن النفس ’ في حينها كنا نتحدث عـن
اشياء ونبرر اخرى كون الذي حصل هو مؤامرة استعمارية غادرة ’ ولأربعـة عقود تقريبـاً لـم يتوقف نزيف العراقيين ’ وسارت عمليـة الأجتثاث الوحشيـة دون ان تستثني احداً او فئـة ’ فمجازر اوكار التعذيب والتصفيات الجسديـة والفكريـة والسياسيـة متواصلـة بصمت ووتيرة متسارعـة رافقتها كوارث الحروب والنتائج المدمـرة للهزائـم وفـي الداخل تواصلت جرائم اجتثاث الكورد الفيلية والأنفلة وحلبجة وعراقيي الأهـوار والدجيل وحتى البيئـة لـم يحترم الأجتثاث حياديتها ’ كان البعث الأدوات المجربـة لعمليات الأجتثاث الشامـل ’ الأمريكان وعبر عمليـة تزاوج بين شذوذ العقيدة ومنظمة الدولـة السريـة ولـد لها لقيطهـا ورمز مشروعها المعتوه صدام حسين المؤهل مرحلياً اكثر من غيره لأنجاز مهمة اجتثاث وتصفية المشروع الوطني العراقي .
ان مسلسل الأرهاب والقمع والحروب والحصارات الظالمـة وضعت العراقيين تحت رحمـة البدائل الأقل شراً مـن التسلط البعثي ’ وعندما اقتنعت الأدارة الأمريكيـة ان العراقيين قـد فقدوا بوصلة خياراتهم الوطنيـة واستسلموا لشروط التغيير القادم مهما كانت كلفتـه ’ وبعد ان استهلكت البعثيين كأحذيـة قديمـة وقبل ان ينزعها الشعب العراقي بطريقتـه ’ طرحت مشروعهـا لتحرير العراق مدعومـاً ب ( 97 ) مليون دولار جمعت حولـه هجين مـن زنابير المحسوبين على المعارضة العراقيـة وبشروطها التي تجعلهم الرموز القادمـة لتنفيذ المتبقي مـن مخططها في العراق
والمنطقـة ’ وبعمليـة احتلال دمويـة ايضاً اجتثت ذات القوى التي اجتثت بها ثورة 14 / تموز 58 ’ العراقيون الذين يحلمون بأهون الشرين استقبلوا جنود الأحتلال ودباباتهم وطائراتهم وصواريخهم الذكية والغبيـة دون ان يفكروا بما في جعبـة المحتلين مـن مخاطر وكوارث قادمـة ’ واوهموا انفسهم ’ ان الذي حصل هو عمليـة تحرير والقوى القادمـة معها ــ المعارضـة ـــ هـم محررون ولم يستيقظوا من كابوسهم الا بعد ان استقرت الفأس في الرأس’ فكانت باكورة الكارثة مجلس الحكم الموقت كبذرة خبيثة لتفريخ نظام التحاصص والتوافقات الذي ايقظ حيتان الفرهود والفتن
والكراهية والنوازع الشريرة للمشاريع الطائفية والعرقيـة التي وضعت العراق على حافة التمزق والتقسيم لولا يقضـة الضميـر العراقي رغـم تأخرها .
الشارع العراقي يعلم ’ ان حزب البعث كان الأدات الأمريكية لأجتثاث ثورة 14 / تموز الوطنية ومشروعها الوطني ’ وذات الأمريكة اجتثت الزمر البعثيـة في 09 / نيسان 2003 وتحاول الآن اعادة العافيـة لـه لأعتبارات ترقيـع نواقص مشروعها كأدات مجربـة لأجتثاث مـن هو المرشـح في مخيلتها ’ وفي جميع الحالات كان الشعب العراقي وحده الضحية وهو يعرف ذلك ’ لكنه لا يدرك حقيقة النوايا النهائية للمشروع الأمريكي واين هو من سلم الغموض القاتل للفوضى الخلاقـة ’ ويجهل تماماً سـر العلاقة فيما بينها وبين رجالات الدولـة مـن طائفيين وعرقيين الذين مهدت لهـم دون
غيرهم ركوب ظهـر المصير العراقي .
التفجيرات والموت والخراب اليومي الذي يتبناه المتبقي من عصابات النظام البعثي المقبور’ هو حالة اجتثاث ’ العمالة والسمسرة لدول الجوار والعالم هو عمليـة اجتثاث ايضـاً ورذائل الفساد والأختلاس وتهريب الثروات الوطنية واشعال الفتن والمتاجرة بأنتاج مظاهر الخوف مـن الآخر هي حالة اجتثاث ايضاً ’ التسقيط والتشهير والألغاء واقصاء المكونات الأكبر للتي اصغر والكتل والأئتلافات الأكبر للتي اصغر هي حالات اجتثاث ’ البعث وبكل بساطـة ووضوح يلخص جميع مظاهر الأجتثاث بعقيدتـه وايديولوجيتـه وسلوكياتـه ’ لهـذا وللظرورة الوطنيـة ان يجد طريقـه
متهماً الى مواجهة الأجراءات القانونية والمحاكمات الجنائية وجدية تطهير الدولة والمجتمع مـن اورام واصابات عقائده واخلاقياتـه واثار سلوكياتـه وممارساتـه ’ ويكون ذلك عبر هيئـة وطنيـة مهنية محايدة نزيهة للمسائلة والعدالة ’ وليس من العدل والأنصاف ان يجـدوا ( البعثيين ) طريقاً لهـم لأختراق العمليـة السياسيـة القائمـة بمؤسساتها البرلمانيـة والرئآسيـة والوزاريـة والأمنيـة والأعلاميـة .
لم تكن المكونات التاريخيـة والحضاريـة للمجتمع العراقي تربـة وبيئـة لزراعـة ونمو العقائد والأفكار والأيديولوجيات العنصريـة لحزب البعث ’ انها اوبئـة تتشكل وتتسلل من معاقلها في المحيطين القومي والطائفي ’ وما دامت الأطماع العروبية والطائفيـة تتربص العراق والعراقيين شراً والأبواب تبقى مفتوحة ’ فأخطار البعث تبقى قائمـة ’ واذا كانت اوربا قد استغرق تجنبها لأخطار النازيـة والفاشيـة عقوداً ’ ففي العراق قد تستغرق الوقايـة مـن تدخل الأيديولوجيات القوميـة والطائفيـة بصيغها البعثيـة قرونـاً ما دامت معاقلها تبقى منغلقـة على
طبعهـا البدوي واطماعها العنصريـة ’ انها مشاكل واشكالات تمتـد لمئآت السنين .
ستستمر دورة الأجتثاث بكل بشاعاتها ما دام المشروع العراقي الوطني مغيباً مستهدفاً مـن قوى المشاريع الطائفيـة والعرقيـة التي تمتلك الآن المبادرة لدحـر الأرادة الجماهيريـة وفرض شروط مشاريعها على الواقع العراقي مأزقاً يغلف العراق بالجهـل والفقر والأوبئـة الجسدية والنفسيـة وتكرار الكوارث الأجتماعيـة ’ انها مواجهات وعي وصراع هويـة وشراسة وكلاء وسماسرة وطريق ملغوم بالمخاطر ’ لكن وفي جميع الحالات ’ يبقى العراق خيمـة وستر للجميع حتى وأن لم يريد البعض ان يراه كما هو ’ كما انـه مأوى وحماية وعلى الجميع ان تشترك في ازالـة الأورام
والأصابات التي تستهدف وتهدد عافيته واستئصال ذاك الذي يكرر اجتثاثهم وكذلك الذي ارتضى ان يكون مؤخـرة لمرور قوازيق زنات انظمـة الجوار ’ فأستئصال ثقافـة الأجتثاث البعثيـة يجب ان لا يكون انتقائياً ’ عليها ان تبداء مـن الدولـة ومؤسساتها والمجتمع ومؤسساتـه والأسرة وأفرادها لتعيد للثقافـة الوطنيـة حيويتها ودورها في اعادة بناء الأنسان والوطن ’ بعدها ستختفي تلقائياً مظاهر ثقافـة الأجتثاث كظاهرة عراقية .

29 / 01 / 2010