الرئيسية » الآداب » ـــ قتلوا لحظة الوداع ـــ الجزء الخامس

ـــ قتلوا لحظة الوداع ـــ الجزء الخامس

وصلنا العاصمة إلى الأمن السياسي أو ربما العسكري لا أدري ، تلقفني أحد الضباط هناك أنتِ يا حقيرة وانهالت علي الشتائم والأوامر ، إذهبي ، تعالي ، أجلسي ، قومي ، صرختُ بقوة أنا أرفض معاملتك وإهاناتك وأطلب محامي وأريد الاتصال بسفارة بلدي السويد .
انهالت علي الشتائم ثم قال : سنريك الآن هذا الكاسيت على شاشة الفيديو ، أوَ لستِ انت التي تحدثت من قناة …. عن معاناة الأكراد وتشبثهم بالمهربين للخلاص ، قلتُ : انا أكدت على الناحية الإنسانية في موضوع التهريب ، إذ إنّ حوادث مؤلمة وكثيرة حدثت لهؤلاء المساكين فكم منهم راحوا ضحايا لهؤلاء القتلة ، حيث كانوا يُرمون في البحر ، أو يتركون تائهين فيه ليموتوا ، وأناعملي في السويد هو الدفاع عن اللاجئين . أخذ يكيل لي السباب ، ثم قال : ربيناكم وتعبنا عليكم أيتها ….. قلتُ أنا التي تعبتُ على نفسي وقد خرجت من هنا وعمري 18 عاماً فقط قال : ألا تحملين الجنسية السورية أجبت أجل، قال : ونحن نستطيع أن نسحب جنسيتك ، أجبت ولكن اسمعني يا هذا هناك 250 ألف كوردي في سوريا بلا جنسية فهم نكرة لا وجود لهم ، فإن سحبتم جنسيتي فأرجو إعطائها لأي فرد من هؤلاء ليشعر بوجوده كإنسان له كيان ، أما عني فهناك مَنْ يعترف بإنسانيتي وإثبات وجودي كمواطنة سويدية ، وهذا ما تفعله كل الدول المتمدنة مع مَنْ يعيش معهم . في تلك الأثناء وبين السباب والشتائم اتصل أحدهم بالضابط المسئول يطلب مكالمتي وقد ساله عني ، هلتعرف العربية؟ أجابه سيدي أنها تعرفها أحسن مني ومنك ، وبأسلوب رقيق ولا أدري كيف تحول هذا المجرم وبهذه السرعة من تلك الوحشية لهذه الرقة . قال تعالي يا ضيفتنا لتكلمي المسئول ، هاتوا الشاي لعزيزتنا .
كان المتكلم مسئول كبير وبلطف أخبرني بان وكالة الأنباء الفرنسية اتصلت بهم وقد سالني إنْ كنتُ انا التي اتصلت بتلك الوكالة ، قلت لستُ انا ، وقد علمت بعد ذلك بأن المنظمات السويدية هم مَنْ اتصلوا بتلك الوكالة . شرحت له كيف اني عبرت القارات والمحيطات وكنت آمل أنْ أصل لوداع أمي التي تحتضر ولكنهم استقبلوني بكل هذه الإهانات وبكل هذا العذاب الذي لا يطاق ومن حوالي اليومين . كان الضابط يشير إليّ ويعض بأصابعه ليتوسل بأن لا أخبره بشيء ولكني واصلت كلامي ولم أُبالي به . اعتذر المسئول عما حصل لي قائلاً: أنت ابنتنا ونحن نفخر بك وبثقافتك وإن كنتِ توافقين فسأصدر أمراً وحالاً لتعيينك سفيرة وفي اي بلد تشائين . قلت له إنني لا أطلب شيئاً سوى الذهاب لأهلي لأرى ماذا حدث لأمي ومن ثم العودة للسويد .
بعدها اتصلوا مباشرة بأهلي وطلبوا مكالمة والدي ، سمعت بأنهم سينادون عليه من الخيمة، شعرتُ بانهيار كامل فقد عرفتُ إنّ أمي قد رحلت .أصبتُ بنوبة هستيرية وأخذت اصرخ أنتم أيها المجرمون مَنْ قتل لحظة أمل في قلبي كنتُ أمني نفسي بها لوداع أمي التي انتظرتني طويلاً . حاولوا تهدأتي ، جاءوا برزم كثيرة من النقود ، وضعوها على المائدة ، قال الضابط خذوها إلى أي فندق تختاره ، ميريديان ،شيراتون ، أشتروا لها ما تريد ، دعوها ترتاح واسهروا على راحتها إلى الغد ثم خذوها إلى أهلها . رفضتُ كل ذلك وقلت فقط خذوني لأهلي ، الآن . وقبل أن أصل البيت وصل إكليل كبير من الورود البيضاء وكان من المسئول الكبير شخصياً في اليوم الثاني اتصلوا بي من السفارة السويدية سالوني إن كنتُ اعاني من إصابات جسدية وإن كنتُ بحاجة لطبيب .
كانت السفارة على اتصال دائم باهلي أثناء غيابي لتطمئنهم وقد حزنوا لوفاة والدتي دون أن تراني وقد أخبرتني السفيرة بأنها استلمت آلاف الرسائل من المواطنين السويديين للإستفسار عني وقد أحزنهم كثيراً عدم السماح لي برؤية والدتي في لحظاتها الأخيرة .

استكهولم
3/9/2009