الرئيسية » الآداب » ـــ قتلوا لحظة الوداع ـــ الجزء الرابع

ـــ قتلوا لحظة الوداع ـــ الجزء الرابع

عند ذلك ضربت يدي ببعضهما بقوة وقلت بتحدي: والآن ماذا تريدون مني ولماذا أنا هنا أريد تفسيراً ، صرخ أحدهم بعد أن دفعني بقوة وضربني بشدة من الخلف ، صرخت بكل قوتي قائلة : المرأة لا تُضرب هكذا أيها الأنذال ، دفعوني إلى غرفة صغيرة كان فيها ثلاثة من المخابرات كريهي الشكل كانوا يدخنون وينفثون دخانهم النتن فوقي . شعرتُ وهم ينظرون إليّ وكأني أريد أن أستفرغ كل ما في جوفي ، هل سيهينني هؤلاء السفلة ، هل سأتعرّض للإعتداء ، ولكني سأعرف كيف أدافع عن نفسي ، إحساس بالقوة في داخلي جعلني أشعر كلبوة تستعد للهجوم ، صرخت وبأعلى صوتي بالضابط الذي كان يروح ويأتي أمام الباب : أخرجني من هنا وبسرعة واطلب لي محامي فأنا سويدية والكل يعلم بوجودي عندكم . انهال الضابط بالشتائم ثم دفعني لغرفة صغيرة أخرى وكان الضوء يُطفأ ويُعاد بالدقائق لإرهابي .
بعد ذلك نقلوني إلى سجن المنطقة ، قبل أن ادخل رأيت بين جدار السجن والجدار الخارجي عدة مشانق منصوبة . تلك المشانق اعادتني حين كنت طفلة إذ كنت مع أهلي لزيارة والدي الذي سجنوه في هذا المكان وكان من الوطنيين الأكراد ، وقد رأيت نفس هذه المشانق وسمعت إنهم يشنقون السياسيين هنا .
أرسلوا على المسئولة عن النساء ، اخذتني إلى غرفة كان فيها حوالي 25 إمرأة وطفل وكانوا عوائل عراقية حُجِزوا هناك ومن لغتهم الغريبة عرفت إنهم من الشبك ، أوصتهم المسئولة كي يتعاملوا جيداً معي وكانت تأمل أنْ أكافئها على تلك الوصية التي أرعبت النساء فقد ظنوا باني جاسوسة وكنت أسمع هذه الكلمة منهم ، حاولت التقرّب إليهم لكنهم لم يأمنوا جانبي كانت القذارة في كل مكان والروائح الكريهة من التواليت الموجود في الغرفة والصراصر والجرذان تتطافر هنا وهناك وقد لاحطت أن الجميع يحك رأسه .
أخذ الجميع نسوة وأطفالاً مكانهم على الحصير الوحيد المفروش ليناموا . كنت أحسّ بجوع وتعب شديدين ، جلست القرفصاء في ركن من أركان الحصير ، كنت أشعر وكأنني حيوان محاصر ومضطهد ، مهانة وبلا قيمة ، ولم يكن لي ذنب سوى إنني أحمل فكراً حراً ديمقراطياً يؤمن بخدمة الآخرين ، هذا الفكر الذي يقدس في اوربا هو السبب لوجودي في هذا المكان المهين .
كان عمري ثمانية عشر عاماً حين ذهبت للسويد وقد قضيت 26 عاماً في هذا البلد المتحرر ، كنت مرشحة للبرلمان السويدي يوماً ما وكان برنامجي الانتخابي لمناصرة المرأة المهاجرة ولمساعدة المهاجرين وللعدالة الاجتماعية وقد تعرضتُ لبعض المضايقات من العنصريين ولكني أُسنِدتُ بحملة تضامن من كل السويديين الطيبين الذين يقدسون الفكر الديمقراطي . وقد انتخبت من قِبَل صحيفة الأكسبريسن إمرأة لذلك العام على الشجاعة المدنية والحضارية وسداد الرأي .
وأنا مع أفكاري حاولت غمض عيني لأرتاح ولكني شعرت بشئ يدبي في رأسي وحكة شديدة وكان القمل الذي انتقل إليّ. في حوالي الساعة الخامسة صباحاً فتحت الباب ودخلوا ليجروني من مكاني ولم أكن أدري إنْ كانوا سيأخذوني في هذا الصباح الباكر إلى المشنقة أو سينقلوني لمكان آخر ، كان الأمر سيان عندي فلم يعد يهمني شيء ،فقد سيطر علي الإحساس بأنني بلا قيمة ، ولا أدري كيف قتلوا المشاعر التي كانت تحسسني بأنني حرة ، كنتُ كالطير الحر أنتقل من بلد أوربي لآخر ، وها أنذا مهانة وذليلة وبلا قيمة .
دفعوني إلى سيارة مسلّحة وقالوا بأني سأحجز في العاصمة ، كان الطريق طويلاً وصحراوياً شعرتُ بجفاف شديد بفمي ولم أعد أفكر بالجوع الذي أعانيه . طلبت ماء ولكن لا ماء معهم وحين لاحظوا الشحوب الشديد على وجهي والإعياء الذي بدا واضحاً علي ، أوقفوا السيارة قرب بئر وقادني أثنان من المسلحين لأغسل وجهي وأشرب قليلاً من الماء .
عدنا إلى السيارة وصلنا…..في الساعة الثامنة صباحاً ، هناك أوقفوا السيارة قرب أحد المحلات الصغيرة في السوق لشراء ما يلزمهم ، كان بين الناس الواقفين قرب المحل إمرأة ، لا أدري لِمَ شدّتْ تلك المرأة بصري وبقوة ، تطلعتً بوجهها ، ولكن وكأني أرى وجه أمي متوحداً مع وجه تلك المرأة ، يا إلهي : هل أمي هنا لتودعني أم إنني جننتُ! أم ماذا ! ولكن أمي هي التي كانت هنا للحظات ثم ذهبت . هكذا سيطر علي هذا الهاجس ليتملك كل إحساسي.