الرئيسية » الآداب » قتلوا لحظة الوداع الجزء الثالث

قتلوا لحظة الوداع الجزء الثالث

في تلك الأثناء دق جرس التلفون واذي لا يزال معي ، كان النداء من صحيفة آفتون بلادت
فلم يسمحوا لي بإكمال المحادثة واستولوا على التلفون .
دخل ضابط آخر ، ثم بدأ احدهم بالتحدث وتصنّع رنّة لطفٍ في صوته بعد ان سأل ، شاي
قهوة ، أجبت : لا أريد ، استمر قائلاً اسألي نفسك لماذا أنت هنا ؟ فانت ذكية ومثقفة وأعتقد
بأنكِ تعرفين سبب وجودك هنا . عجبت من هذا السؤال الغريب وأجبت مندهشة ، أنا لا أعرف
أي سبب لوجودي معكم ولم يخبرني احد لماذا أنا هنا وعن أي شيء تتكلم ، وكل ما أريده الآن
هو أن تسمح لي بالذهاب لرؤية أمي ، ولكنه غيّرَ الحديث بعد أنْ ضحك مستهزئا ولم يأبه بما قلته
وأنا جالسة كنت ارى على شاشة التلفاز القريب احد افلام فيديو عن العراق ،كانت المناظر مرعبة
قتل ، وذبح ولا أدري من أين جاءوا بها وأعتقد بأنهم تقصدوا عرض مثل هذا الفلم لإثارة الرعب
في قلبي ، درت رأسي كي لا ارى هذه المناظر ،وعاد ليقول أنا أعرف السويد جيداً وقد كنت هناك
وذهبت إلى المكان الفلاني وعندي أصدقاء وأقارب وأخذ يذكر لي أماكن غريبة لم أسمع بها قط .
فقلت إن هذه الأماكن لا وجود لها ، أجاب كلا إنها موجودة وأنا بنفسي رأيتها ، قلت ولكني لا ادري
عمَّ تتكلم وكل ما ذكرت لا وجود له ، ثم اضاف ولكني اعرف كل الأخبار عنكم وعن مَنْ في أوربا
والأخبار تصلنا باستمرار . كان معك في العام الماضي كتاب كردي ، مَنْ أعطاكِ إياه أهو فلان وأين
هو ، قلت : منذ زمن ترك السويد ولا أعرف أين ذهب ، ثم سأل فجأة : هل التقيت مع الط…. ،
مع البا…. ، مع … مع … أجبته أنا لست حزبية ولا أعرف احداً وارتباطي مع السياسة السويدية
فأنا سويدية وأعمل مع المنظمات الإنسانية ومع الحزب الاشتراكي السويدي وأدعم أي إنسان ومن
أي جنسية في السويد وهذه هي مبادئ الحزب الذي أعمل معه . هنا قاطعني ليقول ولكنهم يقولون
في أوربا وفي السويد ، الجميع يحتقر ذوي الشعر الأسود ، اجبت ولكن دستور السويد يعامل الكل
سواسية ونظامهم لا يفرّق بين احد . هنا أخذ يزعق : كلا بل إن نظامهم عنصري ونحن فقط هنا
اصحاب النظم الديمقراطية ، لم أهتم لما قاله ، ثم اخذت أوضح حرية تأسيس الجمعيات في السويد
وتكلمت عن التقاليد الجيدة في انظمتهم التي يتبعونها من سنين طويلة فهم بلد مستقر ولم يمر بحروب
تُربك استقراره .فجاة اخذ يصرخ بغضب ، أنت تقولين هذا ، أتعتبرين نفسك شيئ أنت حقيرة ،
أنتِ حذائي ، أنتِ لا شيء ، قلت ولكنك أنت الذي طلب مني التكلم … أسكتي وانهال علي بسيل من
الكلمات البذيئة التي يقشعر لبذاءتها البدن وكان حين يتعب يتدخل الضابط الآخر ليكمل السباب
والإهانات . كان صوته يرتعش من شدة الغضب .. هذا المجرم ، وكان يدّعي اللطف .
بدأت اشعر بعتمة وظلام التف بها كل كياني ، ثم أخذت أرتجف إذ احسستُ بحمّى شديدة تحرق
دمائي ، ثم فجأة تحولت الحمّى لبرودة وقشعريرة تدك عظامي وتصطك لها أسناني ولم أعد
أرى أمامي غير صورة امي التي تموت وتذكرت صديقتي العزيزة الدكتورة أم ش… والتي سمعت
وأنا في السيارة في طريقي إلى قامشلي بأنها قد فارقت الحياة إذ كانت مريضة . تجسدت صورتها
هي الأخرى امامي ، حينذاك شعرت وكأني مصابة بخدر كامل أنساني مَنْ اكون وأين كنت وكل
شيء عن حياتي السابقة والسنين الطويلة التي عشتها من حياتي في السويد . وفقدت كل إحساس
يربطني بالحياة . حينذاك أدركت بأنني مهيأة للموت . قررت السكوت فلم أعد اجيب عن أي سؤال
يوجه لي .بقيت على حالتي هذه حتى قاربت الساعة الثامنة مساءً أو اكثر بقليل .شعرت فجأة
بطاقة كبيرة أمدتني بقوة غريبة وإحساس هائل يحفزني على الصمود والمقاومة والتحدي ، تلك
المشاعر جعلتني أرى هؤلاء السفلة أمامي على حقيقتهم التافهة فقد بدوا جميعاً اصغر من اي شيء
صغير وأحقر من أي شيء حقير . عجبت لهذا الاحساس الجديد الذي تقمصني وأنا التي كنت أتوسل
بهم وبحق كل الأديان وبحق الدين الإسلامي الذي يجمعنا وبحق الإنسانية إنْ كانوا لا يؤمنون بالدين
فقط ليدعوني أذهب لرؤية امي . ولكني ومع تلك القوة التي نزلت علي فجأة شعرت باني فقدت كل امل
لرؤية امي فقد صارت بعيدة ( وكان ذلك هو نفس الوقت الذي توفيت فيه الأم )ــ