الرئيسية » الآداب » ـــ قتلوا لحظة الوداع ــ الجزء الثاني

ـــ قتلوا لحظة الوداع ــ الجزء الثاني

قادني الآخر ليجلسني في مكان قريب قائلاً سأكتب الآن إفادتك ، ثم همس إنّ وضعك يا نسرين صعب . حينذاك تذكرت إنّ معي تلفون نقال مع أرقام كثيرة لأصدقاء في السويد ، طلبت الذهاب إلى الحمام ، كنت مرتبكة جداً ، بمن سأتصل ؟ اختلطت الأرقام أمامي واشتبكت مع صور أهلي المنتظرين في الخارج .. وأمي التي تحتضر ولشدة ارتباكي خُيّل إليّ إني نسيت كل الأصدقاء بعد قليل تمالكت نفسي ، إنها فرصتي الوجيدة والتي قد لا تتوفر لي غيرها . تذكرت إنّ أحد الأصدقاء صحفي ومحامي سويدي ، اتصلت .. ميكائيل أنا نسرين ذكرت أسم المكان الموجودة فيه واكملت أنا ياميكائيل بوضع صعب ولا أعرف سبباً لكل ما يحدث لي ، شرحت له كل شيء بسرعة وأخبرته عن وضع أمي ، أجابني الصديق العزيز .. نسرين اطمأني وتشجعي فسأتصرف وبأسرع ما يمكن . ثم اتصلت بصديق آخر من السياسيين فلم أجده، تذكرت صديقتي ، اتصلت بها أرجوك اتصلي بفلان واشرحي له ما حدث لي ثم أخبرتها وبسرعة عن كل شيء ، أجابتني صديقتي سافعل ذلك حالاً ، كوني قوية يا نسرين ولا تخافي ، نحن جميعا معك .
في قامشلي أخذوا مني إفادة قصيرة ثم قالوا بأني سأُنقل إلى الحسكة حيث الأمن السياسي هو المخوّل لأجراء التحقيق . اخذوني إلى سيارة ، ركبت مع المسلحين ،نظرت حوالي ، لتلك الوجوه الصامتة والسحنات التي فقدت التعبير عن أي إحساس ، والمصير المجهول الذي ينتظرني وأمي ..حينذاك خرجت من دوامة الصمت والتفكير لأقول : ارجوكم أتوسل إليكم ، خذوني في طريقكم لأرى أمي ولو لدقائق فالبيت لا يبعد كثيراً، وجوبهت بقسوة الرفض القاطع فقد كان الضباط يخافون العقاب لم يسمحوا أنْ آخذ معي سوى حقيبة اليد الصغيرة والتي كان فيها قليل من النقود السويدية ، ولكن التلفون النقال لا يزال معي ، وجاءني نداء من إحدى الصخف السويدية ، صحيفة أكسبريسن اليومية
المسائية واسعة الانتشار ، سالوا : اين أنت يانسرين قلت أنا على الحدود وفي سيارة مسلحة .. لماذا اعتقلوك .. لا اعرف الأسباب ولم يخبروني سوى عن تقارير كُتِبَتْ عني وقد منعوني من رؤية أمي . وبعد قليل وأنا في السيارة وصلني نداء آخر من السفارة السويدية ، أين أنت يانسرين؟ أين سيأخذوك ؟ قلت لا أعرف أين وإلى أين ولماذا ؟ أنا هنا لا أعرف اي شيء عن مصيري ، وأخبرتهم عن وضع أمي وكيف منعوني من رؤيتها . لا تخافي يا نسرين سنحاول مساعدتك وبكل ما نستطيعه عن طريق وزارة الخارجية ، هذا الخبر بعث الطمأنينة لقلبي . وطلبوا مني رقم الهاتف لأهلي . وبعد قليل عادوا واتصلوا بي من صحيفة أكسبريسن . ذلك الاهتمام وتلك النداءات كانت كيد سلام اعادت الأمان لقلبي الخائف المرتجف . وعدت لأتمالك نفسي لكي أستطيع مجابهة ما سيحدث لي . وبعد ساعة وربع وصلت الحسكة وكانت الساعة الخامسة مساء أدخلوني بناية الأمن لأجلس قرب منضدة كانت أمام احد الضباط ، وكانت خلفه صورة كبيرة للرئيس . سلّم الضباط الذين جاءوا معي الملف الخاص بي للضابط المسؤول . إنهال هذا الأخير عليهم بالسباب والشتائم وقد فهمت بأن السبب كان لتساهلهم معي والسماح لي باستعمال التلفون النقال والاتصال بالسويد ، واضح إن الأخبار كانت قد وصلته .
حين سمعت سبابه أدركت أنّ هذا التلفون وتلك الاتصالات هي أملي الوحيد في الانقاذ ولولاها فهم قادرون أنْ يصيروني خبراً لكان .