الرئيسية » الآداب » ـــ قتلوا لحظة الوداع ـــ الجزء الاول

ـــ قتلوا لحظة الوداع ـــ الجزء الاول

تهيأت نسرين لحمل حقيبة سفرها لتتوجه لسيارةالأجرة التي تنتظرها لتقلها إلى مطار ستكهولم ،
كان ذلك في الساعة العاشرة ليلاً وحين جلست في السيارة جرّتْ نفساً عميقا ، أخيراً أنا في طريقي
إلى المطار ، تذكرت معاناتها في الحصول على التذكرة فقد كان ذلك في الشهر السادس ومع بدء
العطلة الصيفية وكم كان صعباً الحصول على تذكرة إلى سوريا وفي مثل هذا الوقت ، وكم من
الساعات الطويلة قضتها نسرين في البحث والدوران على مكاتب عديدة للخطوط الجوية دون جدوى
حتى كادت تيأس . كم كانت قلقة ومتعبة بعد أنْ تلقّتْ نداءً من أختها في الإسراع بالحضور لأن
والدتها في أيامامها الأخيرة وهي تطلب رؤيتها ، وأخيراً وبعد أربعة أيام من البحث المتواصل
وبمساعدة الأصدقاء حصلت على هذه التذكرة ومن شركة خطوط تركية .
كان الألم يعصر قلب نسرين وهي تتذكر معاناة أمها ومرضها الطويل والذي تسبب في انسداد
شرايين الساق ومشاكل مؤلمة ، ثم إصابتها بعجز في الكلى وكانت الأم رغم مرضها على إتصال
دائم بانتها المقربة إلى نفسها لتغرّبها ومن سنين بعيدة . وعدتها نسرين بأنها ستكون عندها في
العطلة لانشغالها الشديد قبل ذلك . في أحدى المكالمات الأخيرة أخبرتها والدتها بأنها كانت مع
العائلة لحضور احتفالات عيد العمال رغم إنّ مكان الاحتفالات لم يكن قريباً ، وقد أسعد ذلك
نسرين ولكنها شعرت في المكالمة بأن أمها قد تقصّدت في إطالة الحديث معها رغم إنها تبدو
متعبة وقد اقلقها ذلك كثيراً . أحسّت نسرين بغصة في صدرها حين تذكرت كل ذلك وهي في
طريقها للمطار . حين وصلت كان لديها وقتاً طويلاً فموعد طائرتها في الساعة الثانية صباحاً .
جلست لتنتظر ، أفكار متضاربة أخذت تدور في راسها ، فهي رغم كل ما حدث لم تكن يائسة
وقد فكّرت بأنها قد تستطيع مساعدة والدتها لتتحسن حالتها .أخذت معها الكثير من الأدوية
وبمساعدة بعض الأصدقاء من الأطباء . ولكن النداء يقول إن أمها في وضع ميئوس منه
فكيف ستتحسن؟ كانت تتمتم يا إلهي أرجوك ساعدني فقط لألحق أمي في ساعات الوداع
الأخيرة ، حاولت حبس دموع ساخنة أخذت تحرق وجنتيها ، كاد قلبها يتفجر بين جنبيها
حين جال بخاطرها بأنها قد تُحرَم من ساعة الوداع الأخيرة هذه ، لا تدري لمَ هذه الفكرة
تسيطر عليها فجأة ، أهو القلق ، اهي اللهفة والحزن الشديد ، أم هي بعد المسافات ، أم ماذا ؟
وعادت لتتمتم ساهمة ولكن يا إلهي كل ما أرجوه ولتأخذ الحياة كل ما تريده مني لتمنحني فقط
لحظات لإلقاء نظرة وداع أخيرة على أمي التي تنتظرني .
صعدت نسرين الطائرة وفي الساعة السادسة صباحًا وصلت أنقرة . كان عليها الانتظار لعدة
ساعات ، بعدها استقلت طائره متوجهة إلى ديار بكر وقد وصلت في الساعة الثانية عشرة
ظهراً . من هناك أخذت سيارة أخرى لتوصلها إلى منطقة نصيبين في الحدود التركية السورية .
سارت الأمور مع نقطة المرور بصورة طبيعية . عبرت إلى القامشلي حيث أهلها هناك في
الانتظار وحين وصولها رأت من خلف نقطة التفتيش أختها وابنة أختها الأخرى . طلبوا منها أنْ
تحاول الإسراع في الخروج فقد هيأوا سيارة وهم بالإنتظار ، كانت آثار التعب بادية على وجوههم
وفهمت منهم بأن وضع الأم سيء للغاية وهي تفتح عينيها فقط لتسأل عن ابنتها إنْ كانت قد وصلت
أم لا .سلمت نسرين جوازها إلى الضابط المسئول وهذا بدوره أخذه إلى المسئول الأكبر وبعد قليل عاد
ليقول أنا آسف يا نسرين أنتِ لا تستطيعين الخروج لأن هناك أمراً من الجهات العليا في الشام باعتقالك
وهناك تقارير إخبارية عنك .
صعقت نسرين عند سماعها ما قاله الضابط وتقطعت الكلمات على لسانها وهي تردد ، تقارير، معتقلة،
ثم أفاقت فجأة حين تذكرت والدتها لتقول : ولكن أرجوك يا حضرة الضابط دعني أذهب ولو لساعة واحدة
فقط لأرى أمي التي تحتضر ، أتوسل إليك أن تساعدني ، فلم يعد يهمني شيء سوى رؤية والدتي ، ثم لكم
ما شئتم ، إعتقال ، قتل ، فقط امنحوني هذه الفرصة القصيرة . أجاب أحدهم ولكنها أوامر عليا وأية مخالفة معناها الطرد من العمل.