الرئيسية » مقالات » على أقباط مصر تشكيل حزب قومي كحزب العمال الكوردستاني التركي

على أقباط مصر تشكيل حزب قومي كحزب العمال الكوردستاني التركي

مسلسل الأضطهاد والقتل وتهميش الحقوق والظلم الأجتماعي والموقف الرسمي الحكومي المتفرج ،ووقوف الدولة مع القوانين السلفية القديمة الجائرة التي لا تتناسب مع لوائح حقوق الأنسان في ال

عصر الراهن ، وغير ذلك من الأجحافات بحق الأقليات الدينية والعرقية في مصر وفي غيرها من الدول العربية والأسلامية ، كل ذلك يفرز ضرورة وحتمية انبثاق أحزاب قومية علمانية ديمقراطية تتسلح بمشروعية الدفاع عن حقوق شعبها .

طرح الفكر الأتاتوركي في تركيا على صخرة التجانس القومي ، الهوية التركية ، كبديل لتعدد الأعراق والأثنيات في هذا البلد الذي خرج مهزوماً بعد إسدال الستار عن وقائع الحرب العالمية الأولى ، فالكل هم اتراك تجمعهم قومية واحدة وهي القومية التركية وحتى الأكراد بموجب تلك الضرورة التجانسية اطلق عليهم تسمية أتراك الجبال لا اكثر . وانبثق حزب العمال الكردي التركي الذي وضع برنامجه على اساس الدفاع عن حقوق الأكراد في الدولة التركية وفي المشهد المجتمعي التركي يبدو جلياً تفاعل وتداخل وتمازج بين الأكراد والأتراك على طول البلاد وعرضها وهذا هو شـأن الأقباط المسيحيين في مصر .

مصر كانت دولة قبطية مسيحية قبل دخول الأسلام في القرن السابع الميلادي ، وعلى حين غرة بعد الفتح الإسلامي تبدلت هوية تلك الدولة من قبطية مسيحية الى عربية أسلامية ، وطال من بقي من شعبها ، الذي احتفظ بديانته الأصلية ، تطبق بحقه احكام أهل الذمة ، حيث طبقت تلك الأحكام على اليهود والمسيحيين او ( النصارى ) حسب تعبير التقليد الأسلامي لأتباع السيد المسيح .

إن تلك الأحكام تجعل من المسلم إنساناً متفوقاً على البشر ، فالمشروعية العقدية والقيمية هي للامة المسلمة فهي خير امة أخرجت للناس ، وينبغي إقصاء الأخر الذي لا يبقى امامه سوى خيارات القتال او دفع الجزية والقبول بتلك الأحكام التي تجعل منه تابع ذليل للمسلم المتفوق ، إن هذا الأطار لا زال يشكل مرجعية عريضة لعلاقة المسلمين مع بقية البشر في عالمنا المعاصر ، وهذا ما يفسر استمرار العنف في معظم مناطق تجاور المسلمين مع الأخرين ، فإن كانوا اقلية فإنهم ثائرين على الأكثرية لشعورهم بالمظلومية ، وخير مثال على ذلك انهم اعتبروا عدم موافقة السلطات السويسرية لهم ببناء المآذن على جوامعهم في هذه الدولة المسيحية هو ظلم وطغيان وتمييز عنصري ضدهم ، وعندهم تفجير الكنائس في العراق هو تسامح ديني . أما إن شكل المسلمون الأكثرية فإنهم يعاملون الآخر بمنطق احكام اهل الذمة .

في مستنقع تلك الثقافة الإقصائية والتي تغذيها اوساط دينية وحكومية نافذة ، يبقي مسلسل العنف المجتمعي قائماً ومستمراً ، فالدستور الذي يقول : الأسلام دين الدولة الرسمي ، وهو مصدر اساس للتشريع ولا يجوز تشريع اي قانون يتعارض مع ثوابت احكام الأسلام ، بعد هذا التاكيد في المادة الاولى او الثانية من الدستور سيتسرب الضعف على بقية المواد امام تلك المادة التي لا تقبل الجدل او التأويل .

في هذا الوضعية تتوالى الأحداث في مصر ويطال ظلم اجتماعي وتعسف وانحياز حكومي رسمي واضح ، وشحن نفسي وتعبئة للغوغاء من قبل رجال الدين ، والنتيجة يجري تحريف الدين الأسلامي من مساره الأنساني المتسامح الى دين يدعو الى التصادم والصراع مع الآخر المختلف دينياً ، او حتى مذهبياً ، فتتولد الذرائع للأنتقام من المكون القبطي الأصيل بشتى الأشكال منها الاجتماعية وأخرى دينية وثالثة اقتصادية …

إن عباءة الكنيسىة التي يحتمي بها الأقباط تدور في حلقة مفرغة وهي كقصة لا تنتهي من التجاوزات والأعتداءات وهتك الأعراض لتصل الى عمليات التصفية والقتل كما في نجع حمادي ، فالكنيسة رغم موقعها المقبول لدى الشعب القبطي ، فهي ليست جهة مؤهلة للخوض في الدروب الملتوية للسياسة ، إن الكنيسة محنكة في الشأن الديني واللاهوتي وليست كذلك في الألاعيب والمناورات السياسية .

بالدرجة الأولى لتحقيق المساواة والعدالة ينبغي ان يؤسس لاصدار دستور مصري علماني ديمقراطي ، إذ ليس جميع مواطنيها مسلمين لتكون شريعة الأسلام هي الفاصل بين المواطنين المختلفين في الدين ، وإن وضع الشريعة الأسلامية مصدر القوانين ، ستكون القوانين الوضعية امامها حبر على ورق ، وهذه الدساتير هي التي وضعت الأمة العربية في مشاكل مع كل الأقليات الدينية داخل هذا الوطن العربي حتى لو كانوا مواطنين اصلاء قبل وجود الأسلام كالمسيحيين الأقباط .

إن موقف الحكومة المصرية المنحاز تفضحه تصرفات اجهزتها الأمنية ففي مظاهرة امام الكاتدرائية المرقسية بالقاهرة للتنديد بالأعمال الأرهابية في نجع حمادي ، مطالبين محاسبة المسؤولين عن التقصير ، اعتقلت الشرطة المصرية في هذه المظاهرة 42 شخصاً بينهم 14 مسلماً و 28 مسيحياً .

يا لها من سلطات تعاقب الضحية وتتعاطف مع الجلاد ، هذا هو حال السلطات في كل القضايا المتعلقة بالأختلاف بين المسلمين والمسيحيين الأقباط ، بالإضافة الى ان المشهد يعكس بجلاء وجود جانب قوي مع آخر ضعيف فإن الحكومة لا تخفي انحيازها المقرف الى الطرف القوي .

سيقى المسيحيون الأقباط في مصر يتشبثون في متاهات التفسيرات الدينية المسيحية والأسلامية ، في ظل التشققات المجتمعية والعنف الديني المجتمعي الذي يحصد في مناسبات كثيرة ارواح كثير من المسيحيين واحياناً من المسلمين ايضاً . فحينما يدور الحديث حول إثبات افضلية معتقداتهم اللاهوتية ، يبقى الطريق عبارة عن قصة لا تنتهي وتبقى ابواب العنف الديني مشرعة ، وسوف لن تكون احداث نجع حمادي الدموية ، هي الأخيرة في مسلسل العنف الطائفي .

إن تعزيز مبدأ المواطنة من قبل الدولة وتشريع قوانين تحفظ كرامة الأنسان وترجمتها على الأرض هو المطلوب من الدولة المصرية .

لكن يبقى ما يترتب على الشعب المصري من الأقباط المسيحيين ، ان يكون لهم تنظيماً قومياً علمانياً ديمقراطياً خارج خيمة الكنيسة ويكون الى جانبها ، وليس لاغياً لها ، وكل منهما ينطلق باختصاصه ، فالكنيسة لها واجباتها المقدسة في زرع التفاهم والتسامح ، والحزب القومي القبطي له منهجه القومي السياسي ، وليس معنى ذلك الدعوة الى التصادم او العصيان ، إنما الأمر يدور في فضاء الممارسة السياسية الديمقراطية والحق القومي والديني للشريحة القبطية الأصيلة في تلك الأصقاع . انه العمل السياسي عبر حزب قومي ، من اجل ايصال اكبر عدد ممكن من الأقباط الى مبنى البرلمان وتسلم المناصب الحكومية الرفيعة ، وتكون تلك المناصب بموجب الأستحقاق النيابي وليس منّة يمنحها الحكم من باب الصدقات .

إن تفعيل الحقوق القومية المسيحية القبطية في الساحة المصرية هو السبيل الوحيد في خلق مفهوم للمواطنة الحقيقية في الدولة المصرية وفي المجتمع المصري وبعيداً عن مبدأ التعامل مع اهل الذمة الذي شرع قبل 14 قرناً ولم يعد ينسجم بتاتاً مع منطق العصر الراهن في حقوق الأنسان واللوائح التي تحدد تلك الحقوق .

حبيب تومي / اوسلو في 27 / 01 / 2010