الرئيسية » مقالات » مات الكيمياوي…. ولازلت حيّاً… قصة شهيد حي وشاهد على إجرام البعث

مات الكيمياوي…. ولازلت حيّاً… قصة شهيد حي وشاهد على إجرام البعث

26-1-2010

المكان: أرض العراق الجريح.

الزمان: يوم عراقي مشمس جميل.

مسرح الجريمة : حلبجة الشهيدة والجنوب الاشم.

السلاح المستخدم: صواريخ كيماوية محرمة دولياً.

المجرم: المقبورصدام حسين وحزبه الفاشي.

منفذ الجريمة . الارهابي المقبورعلي كيمياوي.

الضحية شعب أعزل.

هذه العوامل مجتمعة شكلت أركان أعتى جريمة أُرتكبت بحق شعب أعزل إلا من سلاح الايمان، لم يسبق لطاغية من طغاة الارض أن فكر بقتل شعبه بهذه الكيفية البربرية المتوحشة، سيناريو شيطاني لقتل جماعي أخرس وذبح أعمى وموت أصم .لكن الحقيقة أبت وأدها على منحر الصمت لتصرخ معلنة عن أسماء الجناة. وهاهي تنطق على لسان واحداً من مئات الذين كانوا على موعد مع الموت من اهلنا في مدينة حلبجة المظلومة.

مجيد حبيب الطائي ( أبو مراد) شاهد و شهيد حي على وصمة العار التي وصم بها صدام ونظامه الدموي جبين التاريخ، جلبه حضه العاثر والمئات معه في تلك اللحظات التي امتدت دهوراً وعصوراً من الزمن الى حيث المكان الذي اراد المجرم علي كيمياوي ان يرتكب جريمته النكراء…

مجيد الطائي.. رجلاً طيباً لطيف المعشر دمث الخلق و الاخلاق نقي الضمير يحمل بين جنيبة قلباً حنوناً يتسع للجميع، صلباً كما عرفته كجبال العراق الشماء ذو صبر وإرادة حديدية لا تهزها عواصف الحقد والاجرام البعثي، يحبه الجميع، تحل البسمة والفرحة معه أينما حل واترحل،رزقه الله بعائلة طيبة وإخوة أصدقاء يتمنى المرء لو حاز بمثلهم يحيطون به أينما ذهب، سألت أحدهم يوماً عنه.. أتحبونه؟ فقال والله إن مرض مرضنا معه وأن شُفي شُفينا، عرفته قوياً ونشطاً ومدافعاً جسوراً عن قضايا ابناء شعبه ووطنه الحبيب، تراه كخلية نحل متحركة يعمل هنا وهناك وفي مختلف الانشطة يحارب الارهاب ويرفض الظلم، يعمل الان مع مجموعة من منظمات حقوق الانسان الالمانية واسس الجمعية الثقافية العراقية، عاد قبل ايام من العراق الحبيب بعد أن ذهب إلى هناك وأخذ معه شاحنة محملة بالادوية والمستلزمات الطبية وما يحاتج اليه ذووالاحتياجات الخاصة بعد ان حصل على هذه المواد من تلك المنظمات الانسانية التي تتعاون معه ، وهذه ليست المرة الاولى التي يقوم بها من قبيل هذه الاعمال الخيرية.

اتصلت به اليوم وهو في طريقه إلى المستشفى ليرقد بضعة أيام كالعادة، وسالته مالذي تريد إيصاله إلى العالم من خلال رسالتك هذه التي ارسلتها إلى المواقع الالكترونية ؟؟؟ وأقسم بالله لم يقل لي أكثر من جملة واحدة فقط..وهي ان تظهر الحقيقة…(أريد فقط أن تظهر الحقيقة) وهنا أصابني الذهول من إجابته المقتضبة هذه.. وتساءلت في نفسي هل يعقل أن تكون أمنية الضحايا فقط إظهار حقيقة ما جرى عليهم؟؟؟ هل يعقل أن يفكروا بهذا الشيء فقط وقد تحملوا ما تحملوا من مرارة والم وصارعوا الموت الزؤام بعد أن تغيرت حياتهم جذرياً جراء الضربة الكيمياوية التي أقدم عليها حزب البعث وجلاده المقبور؟ وهنا أتوجه بالسؤال إلى الحكومة العراقية ممثلة بالسيد رئيس الجمهورية والسيد رئيس الوزراء ورئاسة البرلمان وكل المسؤولين.واقول لهم ألا يستحق هذا الرجل وجميع من تضرر من النظام المقبور تعويضاً مادياً على ما أصابهم من ويلات ونكبات؟ ففي الوقت الذي يحصل فيه البغثيون اليوم على امتيازات ورواتب تقاعدية وعودة الى الوظيفة وما إلى ذلك، يُترك الضحايا والمتضررين من النظام الدموي المقبور وحيدين مع مأساتهم دون أدنى رعاية أو حتى مؤاساة وهو أضعف الايمان؟

نحن نطالب الحكومة العراقية بمنح جميع ضحايا النظام المقبور مُنح وإعانات ورواتب تقاعدية تعينهم على مصاعب الدهر، وهذا اقل ما يُقدم لهم . لانهم وبتضحياتهم الجسمية هذه من قد اوصولوا الموجودين الان في سدة الحكم الى تلك الكراسي، ولهذا فهم مدينون لهؤلاء بكل شيء.وأهم ما تقدمه الحكومة اليهم هو إنزال القصاص العادل بحق كل من أجرم بحقهم كما فعلت يوم امس مع المجرم علي كيمياوي ومن قبل الطاغية المقبور. وهنا اتقدم بأحلى التهاني والتبريكات إلى ابناء شعبنا الابي وبالاخص اهلنا واحبتنا في حلبجة والجنوب وكل ضحايا الكيمياوي بمناسبة إعدام هذا الإرهابي داعين المولى أن يحفض وطننا وشعبنا العزيز من كيد الاشرار والمتعدين.

وأخيراً لا أريد الإطالة واترككم الان مع هذا الشاهد والشهيد الحي ليروي لكم ماحدث له في ذلك اليوم المشؤوم…


مات الكيمياوي…. ولازلت حيّاً


بقلم مجيد حبيب الطائي.

قد أجد نفسي مصداقاً للشطر الثاني لبيت الشعر المنسوب للإمام علي (ع)

وكم من صحيح مات بغير علة وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر

لكني لست سـقيماً بالمعنى المتعارف عن الأمراض وسـلب العافية

وتراني وكأني أجاهد نفسي لأتهرب من ذكريات ذلك اليوم , ذكريات ماحمله القدرفي يوم شطر حياتي الى مرحلة ماقبل ( الكيمياوي) وما بعد ( الكيمياوي )

بل الحق عليّ أن أعترف إني لأقف عاجزاً عن ترجمة أهوال ذلك اليوم في كلمات وسطور وأكاد أدعي أن الإنس والجن لن يستطيعوا وإن إجتمعوا على أن يأتوا بما ينبأ عن كل حقيقة مجازر ( الكيمياوي )

قد أقول أنه فضيع .. فضيع بكل عمق الفضاعة من معنى الكلمة

بل هو أفضع مما يتصوره أي أحد …

بل هو ألأفضع مطلقاً

ولذا أستميح عذراً كل من أصيب بسـموم ( الكيمياوي ) والشهداء منهم في جبال الشـمال وأهوار الجنوب وكل الشهداء وذويهم أستميحهم أن أستنطق اليوم قلمي العاجز , فأنا كنت أسـتشعر في اعماق وجداني أن موت ( الكيمياوي ) سوف يستنطقني

كان المغلوب على أمرهم السـتضعفين من الرجال والولدان من الذين لايستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا , كانوا يتندرون بقهقهات المقهور بنكتة ( سـوداء ) مفادها

أن الطاغية الصغير عدي عندما كان يملك نادي الرشيد أستنفذ كل مالديه وهو يرى فريقه يخسر أمام نادي الزوراء الهدف الثالث اتصل بالطاغية الكبيرصدام يطلب نجدة فريقه

فأحابه الشيطان : إسحب جماعتك للخلف واضرب ( كيمياوي )

وأنا كنت ممن كان أزلام النظام يأتمرون بهم ليقتلوهم أو يطمّونا في غياهب السجون أو قد نكون طعما للـ ( تيزاب ) أو أسماك نهر دجلة التي تقمصت كل أنواعها ثوب سمك القرش

فخرجت من بيتنا في مدينة الثورة (الصـدر ) وأنا خائفاً أترقب مهاجراً الى الله ورسوله لأجد في شمال العراق مع مجاهدي المقاومة مراغماً كثيراً وسـٍعة وكنا نعمل كل مافي وسعنا لنتخلص من كابوس العصابة الإجرامية التي كانت جاثمة على صدر بلدنا الحبيب والمتمثلة بحزب البعث المجرم

كانت مدينة حلبجة تعيش أياماً إستثنائية

وعند سفوح جبال قره داغ كان الطقس منعشاً بنسـيم قدوم الربيع , والأزهار والأعشاب وهي ترقص على أنغام زقزقة العصافيرتبدوا ضاحكةً مستبشرة وكأنها لاتدري ماذا سيحل بها وبنا وبكل شي

فتلاشت أغنية العصافيربهدير الطائرات المقاتلة التي ترهب كل أحد بل ترهب كل ما له حياة , ورمتنا بصاروخين احدهما شاء الرحمن ان لاينفجر والذي أنفجر كان على بعد 200 م تقريباً

وأنبعث منه غازاً أبيضاً وبدأ ينشر بجناحيه حتى أخذ علينا أقطار ألأرض وآفاق السماء ولات في ذلك اليوم حين مناص إلاّ لطف اللطيف الخبير

شيئاً فشـيئاً بدأ الإحسـاس بالإعياء يتملك كل جوارحي وتقيأت كل ما في معدتي وكل ما في فوقها وما تحتها وكأني أريد أن ألفظ أحشائي وأستفرغت شيئاً أبيض اللون حتى ظننت انها القاضية

لم أعد أعرف ماذا أشكي فعيوني تحرقني بآلامها وكنت أتوقع أن ينفجر رأسـي في أي لحظة لكنه للأسـف لم يفعلها وياليته فعلها وكنت نسـياً منسياً وكلما كنت أتمكن من فتح عيني كنت أشاهد مذهولاً أن المخاط ينزل من أنفي ليختلط بالسوائل التي تجري من فمي بلا وعي مني ولم أكن أشعر بحرارة البول وهو ينزل مني وفقدت السيطرة على كل شيء وأما رئتي فكانت تحشرج بأنغام مخيفة ومزعجة ومن يومها لم يكن البلغم ليفارقني البته فقد أخرجت في ليلتها أكثر من حجم رئتي من البلغم وقصباتي تتهيح بسـعال يهتز معها كل كياني

لقد كان الموت يأتيني من كل مكان ولسـت بميت

هل تتصورون أني وفقت أن أصيب حقيقة ألأمر

أني أقسـم صادقاً أن الحقيقة أدهى وأمر

المركز الصحي التابع للبيشمركة والقريب منا كان متواضعاً جدا.ً

دورة المضادات الحيوية التي اعطانا إياها الطبيب هناك لم تكتمل وأخرجونا من هناك الى المجهول

بقينا أشهر ونحن ننتظر الفرج أن يأتينا الدليل الكردي لنجد منفذ الى إيران والحرب لازالت قائمة وألأنفال تقضم القرى تباعاً

وجاءت البشرى وجاء الدليل وسرنا في شمال العراق ليالياً وأياماً ورأينا مالاعين رأت وسمعنا من القرى التي دمرتها عمليات أنفال صدام ما لاأذن سمعت ولعله لم يكن ليخطر على بال بشر، وشاهدنا كيف هي حياة المهربين ( القجقجية ) وحبونا على الجليد وبتنا الليلتين الأخيرتين على الجليد بلا مهاد ولاغواش

ونجتاز الحدود من اعلى نقطة في الشمال ودخلت الجمهورية الإسلامية

أكثر ماعرفته في أيران هو مستشفياتها وأخيراً دخلت مسـتشفى ( بيمارستان بقية الله ) المتخصص للحالات الصعبة من المصابين بسموم ( الكيمياوي)

وبعد أن أعيت الأطباء ألأيرانيون السبل أرسلوني الى مستشفيات ألمانيا وتحسنت حالتي قليلاً وأنا شاكراً لله وأجاهد أن أوطن نفسي لأتيقن أنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا وتعلمت أن أتوكل عليه وحده وكان كما عهدته ينشـر علىّ الطمأنينة والسـلام كلما كانت الدنيا تأخذ مني مأخذها

عدت الى إيران بتقرير من المستشفى الألماني ما ملخصه أن حالتي غير قابلة للشفاء

ولكني كنت أعلم في أعماق وجداني أن مع العسـر يسـراً إن مع العسر يسراً

فجاءت الأنباء أن هناك نجاحاً في عمليات زراعة الرئة في الدول المتقدمة وجئت مرة أخرى الى المانيا في مدينة إسـن حيث اكبر المسـتشفيات المتخصصة لأمراض الجهاز التنفسـي

وسجلت عندهم رقماً قياسياً …

وأرجوكم أن تصدقوني … وإن لم تفعلوا فانا لدي الأدلة والوثائق التي تثبت:

انني دخلت هذه المستشفى المتخصصة يوم 10/10/1990 وخرجت منها في شباط عام 1996 أي بعد مايقارب خمس سنوات ونصف قضيتها وأكاد أن أكون وحيداً بين دهاليز المستشفى الموحشة وتصك أسماعي آهات الآلام المعطرة بروائح التعقيم والمطهرات

لكنني تعلمت أن أستشـعر الطمأنينة بذكر الله وإنتظار الفرج وبعد هذا الإنتظار الطويل بسب قلة المتبرعين بالأعضاء وبسب القوانين المتشددة بهذا الخصوص بعد هذا الأنتظار والصبر جاء الفرج ولعله بسب دعاء والديّ والذين كانوا معي في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا أشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى

جاء الفرج عندما إتصلوا بي من مستشفى الجامعة في مدينة هانوفر لأنهم وجدوا رئة من متبرع تناسبني من حيث فصيلة الدم وكبر الرئة وكل الفحوصات الدقيقة الأخرى

وأجريت العملية بنجاح وخرجت الى البيت وكان عليّ أن أعيد بناء جسمي الذي أصبح هزيلاً جداً وعليّ ايضاً أن أتناول ولمدى حياتي الأدوية التي تخفّض مناعة الجسم لكي لآيرفض جسمي الرئة التي اسـتقبلها من شخص غريب وأدوية أخرى لمنع التاثيرات الجانبية لهذه الأدوية

ورجعت الى الحياة الطبيعية نسبياً من جديد ومارست بعض النشاطات الشخصية والأجتماعية ولم أنسى أن أمارس حقي في التعبير عن الرأي في فضح جرائم الطاغية صدام وكنت ضيفاً على بعض المدارس الألمانية ليسـالني الطلبة عن العراق الذي شغل العالم بانباءه كنت اجيبهم فيعتقدون ان ما يسمعوه مني من نسج الخيال.فكيف لفرد مثل الطاغية المقبور ان يفعل كل هذه الافاعيل الشيطانية

ومع كل هذا كان عليّ أن أبقى تحت المراقبة الطبية بشكل مكثف

وصحتي بين مد وجزر أصبت بمرض السكري بسبب مضاعفات الأدوية وبسبب ( الكيمياوي) كان لابد أن تجرى عملية لعيوني ومرة اخرى عملية كبرى ودقيقة لعيوني وهي زرع القرنية لأن قرنية عيني لم تعد قابلة للعلاج من جراء تأثرها بسـموم ( الكيمياؤي) وساءت صحتي كثيراً بعد سفري الى العراق لأرجع الى نفس المستشفى في مدينة إسـن وبقيت في إنعاش مستمر باجهزة التنفس الصناعية بخرطومها الطويل والقناع الملتصق على وجهي حتى في أوقات صلواتي عدى اوقات الطعام وفقدت القدرة على الكلام والحركة إلا بالكاد وهزلت أشد مايكون الهزال وحالتي الصحية أصبحت الأسوء في تأريخها ولكن هذه المرة كانت معي عائلتي التي شـملتني بمحبتها وكان بجانبي الأصدقاء وأدخلني الأطباء في قائمة العمليات المستعجلة

وظن الجميع كما ظننت أن اجنحة الموت ترفرف عند رأسي بإلحاح وبلا ملل

وبلغت القلوب الحناجر وانا أسلمت القياد مطلقاً لله الواحد القهار

وفي ليلة اليوم الأول من ربيع 2007 جاءني طبيب القسم ليس كعادته فبادرته بالسؤال هل وجدتم رئة أخرى لي قال نعم وعليك أن تهياً نفسك وجاءت سيارة الإسعاف لتأخذني الى مستشفى الجامعة

وقبل ان تغلق ابواب غرفة العمليات كانت نظرات زوجتي تلاحقني وكنت أرى فيها بريق الأمل برحمة الله الواسعة رغم توشحها بالحزن بأن هذه قد تكون هي آخر النظرات وأنا حي أرزق

ولازالت بحمد الله حي أرزق ومات ( الكيمياوي )

وأملي أن أبقى حي ارزق عند ربي مع الذين قتلوا في سبيل الله فرحين بما أتهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم أن لا خوف عليهم ولاهم يحزنون

مجـيد حبيب الطائي

أحد ضحايا ظلم علي كيمياوي وشاهداً حياً على مأساة شعب.